قال١: ما من دعوة أو حركة قامت لاستعادة مجد الإسلام وعزة المسلمين إلا وتحرك عالم الكفر والاستعمار لمحاربتها والانتقاص من قدرها أو تحطيم قوتها والتقليل من نفوذها بين المسلمين على الأقل، بإحداث العقبات والعراقيل في سبيلها تارة، وإثارة الشبهات وغرس بذور الشكوك حولها تارة أخرى.
وأكبر مأساة تنشق لها الأكباد وتنفطر لها القلوب هي أن المسلمين في كل عصر ومصر وقعوا فريسة لتلك الشبهات التي أعدت حبالها المكيدة والخديعة ومطامع الطامعين الشرسة، فقاموا في وجه الدعوة الإسلامية الخالصة ولفقوا عنها وعن صاحبها إشاعات مضللة وأكاذيب باطلة.
لكن العجب كل العجب أن يغتر المسلمون بأكاذيب وأباطيل أشيعت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوة الشيخ الشهيد الشاه إسماعيل الدهلوي رحمهما الله، فإنّ دعوة الشيخ محمد الإصلاحية إنما هي دعوة امتازت من بين الدعوات الإصلاحية الإسلامية الأخرى، بنجاح كامل شامل في مراميها حيث حاربت المعتدين على الشريعة الإسلامية وأحكامها في نجد، وهذه هي مبراة عظيمة لا تدع مجالًا للشكّ في أن دعوته كانت دعوة حق وهداية وإيمان وإسلام، يجب على كل مسلم قبولها والذود عنها فضلًا عن أن يحبها ويحسن الظن بها وبصاحبها.
كيف يمكن لأحد من المسلمين أن يعتقد سوءًا في مجاهد جاهد جهادًا مضنيًا لإحياء الدين، وأعاد إلى الإسلام مجده السياسي وعلوه القيادي، وأقام بالفعل
_________________
(١) ١ أمير الجماعة الإسلامية بالهند.
[ ٩٧ ]
دولة شرعية، وهي التي يتمنى لها كل مسلم غيور على دينه كل خير ونجاح ويحن إليها كل مؤمن حينما يتغلغل الإيمان في قرارة نفسه.
لكن المعترضين الحاقدين على الإسلام والمسلمين وأرباب الأغراض الدولية والشخصية من المسلمين وغير المسلمين هاجوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعرضوها إلى المسلمين بصورة مشوهة كأنها مذهب جديد مخالف لما عليه الأمة الإسلامية وهي لا تمت بأي صلة إلى الدين، بل تغاير عقيدة الإسلام ومبادئه، ولذلك سموها بالوهابية تلبيسًا للمسلمين من عند أنفسهم ولفقوا عنها إشاعات مضللة وحذروا المسلمين عنها، فإن الحركة الإصلاحية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لو سميت على اسم مؤسسها لسميت باسم "الحركة المحمدية" ولكن المعاندين شعروا بما يكون لهذا الاسم من أثر مرموق في قلوب المسلمين، وأدركوا أن هذا الاسم لا يوافق مصلحتهم ولا يتماشى مع أغراضهم فسموها على اسم أبيه وألحقوا بها أنواعًا من التهم والمفتريات حتى ظنه المسلمون خارجًا عن الدين، واعتقدوا فيه السوء بجهالة وبسبب فهم خاطئ أو بمصلحة سياسية مادية أخرى.
ومن جملة ما رموه به من المفتريات:
١- ادعاء النبوة.
٢- إنكار الحديث.
٣- تكفير المسلمين وقتالهم.
٤- إنقاص رتبة النبي وإنكار شفاعته.
٥- هدم قبة النبي.
٦- إنكار التقليد وإبطال كتب الأئمة الأربعة.
ورموا هذه التهمة الداعية الإسلامي المودودي.
فكل من يستعرض هذه الدعوة، والأوضاع والأحوال التي تعرضت لها يكون على بصيرة من أن الدعوة مهما كانت صحيحة ونافعة لا بد لها أن تجد في طريقها من العراقيل من جهات عديدة، ولكن إذا كان حاملو لوائها مخلصين لله مجاهدين
[ ٩٨ ]
في سبيله متمسكين بالكتاب والسنة في سلوكهم ومعاملاتهم وفي نشر الدعوة فلا بد أن يكون النجاح حليفهم إن شاء الله تعالى. ومن دواعي السرور أن الدعوة الإسلامية التي قام بها الشيخ في الجزيرة أصبحت اليوم دعوة عالمية، فالحركات الإسلامية وغير الإسلامية في آسيا وإفريقيا وأمريكا خير شاهد على ذلك.
ومن هنا يعلم من له أدنى إلمام بالدعوات الإسلامية أن الحركات الإسلامية في العالم اليوم لا بد لها أن تتعرض لما تعرضت له دعوة الشيخ في عصره، ولكن إذا قام الدعاة وحملوا لواءها وثبتوا وصبروا وصابروا وصمدوا صمود الشيخ يكون النجاح حليفهم في الدنيا والآخرة. وأخيرًا نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه لخدمة الإسلام والمسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٩٩ ]