قال في كتابه "محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه ": كان محمد بن عبد الوهاب عالمًا كبيرًا وكان ذا نظر ثاقب، بعيد المدى، لقد شاهدت دعوته في حياته ثمرات دنيوية وثمرات دينية، فقد فتحت بلاد نجد كلها في حياته، وأمير نجد وأهله كلّهم كانوا مستعدين للجهاد بأرواحهم وحياتهم من أجل دعوته، وكانت عظمتهم التي اكتسبوها إنما جاءت من قبل استجابتهم لدعوة الشيخ، فالمجاهدون وعامّة الناس ما كانوا يعرفون أحدًا غيره، وكانوا مولعين به، فلو أراد أن يأخذ لأولاده نصيبًا في الحكومة لأخذ، ولو أراد أن يملك زمام
_________________
(١) ١ لهذا الكتاب قصة عجيبة، فإني منذ زمن بعيد أسعى بمن يقوم بترجمته إلى العربية لإنصاف الشيخ. ومنذ عشرين سنة تقريبًا اجتمعت بأحد الهنود من طلبة كلية الشريعة بدمشق وعرضت عليه ترجمة هذا الكتاب مقابل ما يريده من مال، فقبل ذلك، فقدمت له نسخة نادرة منه بالأردية وأعطاني عنوانه وسافر إلى الهند بعد حصوله على الإجازة. ثم انتظرت عدة شهور، وكتبت إليه بشأنه، فلم يجبني وأكثرت من المراسلة بدون جدوى، ورجوته في آخرها بإعادة النسخة التي سلمتها له، فلم يفعل. وأخشى أن يكون ذلك بتأثير بعض الشيوخ المتصوفة. ومنذ سنوات قريبة اجتمعت بالأخ النشيط الشيخ عبد العليم عبد العظيم البستوي لما كان طالبًا بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، فشجعته على ترجمته ففعل جزاه الله كلّ خير.
[ ٥٥ ]
الحكم في يده لملك، ولكنه ما زال متنحيًا عن هذه المسؤوليات كلّها.
والأمير محمد بن سعود وخلفه الأمير عبد العزيز ما كانا يحركان ساكنًا إلاّ برأي الشيخ وإشاراته، وكلّ أموال الغنائم تلقى تحت أقدام الشيخ. ولكنّ هذا الرجل الصالح لم يشتغل بها عن مهمته الأصليّة، فلم يزل يعمل عمله، وكان يتدخل في أمور الدولة عندما كانت الحاجة تقتضي ذلك. ومن حين أحسّ أنّ الدعوة قد قويت وتأصّلت، أبعد نفسه عن إدارة الحكومة وأموال الغنائم، إن الإمام محمد بن عبد الوهاب في باب العقائد على مذهب السلف، وهو إقرار بما ورد من الصفات الإلهية في القرآن والأحاديث الصحيحة كما ورد، والتسليم به، والإيمان بظاهره، مع نفي الكيفية، وهذا مذهب السلف، فالله هو الذي يعلم الكيف والحقيقة، وواجبنا الإيمان بدون أخذ ورد، وخير ما يعبّر عن مسلك السلف الصالح هو قول الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة: "الاستواء معلوم غير مجهول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
ومذهب السلف هذا ليس مذهب الحنابلة فقط أو الإمام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل هو مذهب أئمة الإسلام قاطبة، البعيد عن التأويل مطلقًا مع نفي التشبيه والتجسيم.
[ ٥٦ ]