هو العلّامة محمد بن يوسف بن على بن يوسف بن حيّان أثير الدّين أبو حيّان الغرناطىّ الأندلسىّ الجيّانى النّفزىّ- بكسر النون المشددة وسكون الفاء- نسبة إلى «نفزة» وهى قبيلة بربرية ذكرها ابن حزم فى «الجمهرة» (^١)، وابن خلدون فى «التاريخ» (^٢)، وصاحب «مفاخر البربر» (^٣) الذى نشره «بروفنسال، Provencal «والسيوطى فى «البغية» (^٤) وأكبر الظن أن هذا هو الذى حدا بهوتسما Houtsma إلى أن يقول فى «دائرة المعارف الإسلامية» (^٥): «إنه من أصل بربرى».
ويقول أبو حيّان فيما نقله عنه ابن حجر فى «الدرر» (^٦):
«نفزة قبيلة من البربر، والبربر- فيما يزعمون- من ولد بربر بن قيس بن عيلان بن مضر»، ولكن ابن حزم ينفى أن يكون البربر عربا».
ولد أبو حيّان فى إحدى قرى غرناطة عام ٦٥٤ هـ، ودرس فى غرناطة فأخذ العربية عن أبى الحسن الآبذى، وأبى جعفر بن الطبّاع.
كما درس في مالقة على أبى عبد الله محمد بن عباس القرطبىّ، وفى بجاية على أبى عبد الله محمد بن صالح، وفى تونس على أبى محمد عبد الله بن هارون، وفى الإسكندرية على عبد النصير ابن علىّ بن يحيى المريوطىّ الحافظ، وبمصر على عبد العزيز الحرّانى وابن خطيب المزّة
_________________
(١) جمهرة الأنساب/ ٤٦٤.
(٢) تاريخ ابن خلدون ٦/ ١١٤.
(٣) مفاخر البربر/ ٧٦.
(٤) بغية الوعاة/ ١٢١.
(٥) الدائرة ١/ ٣٣٢.
(٦) الدرر الكامنة ٤/ ٣٠٢.
[ ٦ ]
وأبى الطاهر إسماعيل بن هبة الله المليجىّ، كما حضر دروس البهاء ابن النحاس فى النحو إلى عام ٦٩٨ هـ، ولما توفى البهاء خلفه أبو حيّان.
ولقد بلغت عدة شيوخه فى الحديث فى الأندلس وإفريقية والإسكندرية والحجاز ومصر نحوا من أربعمائة وخمسين شيخا، منهم الحفّاظ الأعلام القطب القسطلانىّ، والعزّ الحرّانىّ وابن الأنماطىّ، والعلم العراقىّ.
وأجاز له خلق من المغرب والمشرق منهم: الشرف الدّمياطىّ، والتّقىّ ابن دقيق العيد، وأبو اليمن بن عساكر، والتقىّ بن رزين.
ولقد خرج أبو حيّان من الأندلس مفتتح سنة ٦٧٩ هـ؛ يقول لسان الدّين ابن الخطيب (^١) إن أبا حيّان حملته حدّة الشبيبة على التعرض للأستاذ أبى جعفر الطبّاع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه ابن الزّبير الوحشة، فنال منه وتصدّى للتأليف في الردّ عليه وتكذيب روايته، فرفع الشيخ أمره للسلطان، فامتعض له ونفذ الأمر بتنكيله فاختفى، ثم أجاز البحر مختفيا ولحق بالمشرق يلتفت خلفه.
وقيل عن رحيله إلى المشرق إنه نشأ شرّ بينه وبين شيخه أحمد بن علىّ بن الطبّاع، فألف أبو حيّان كتابا سماه «الإلماع فى إفساد إجازة الطبّاع»، فرفع ابن الطبّاع أمره للأمير محمد بن نصر المدعو بالفقيه- وكان أبو حيّان كثير الاعتراض عليه أيام قراءته عليه- فنشأ عن ذلك شرّ دفع أبا حيّان للخروج من الأندلس، وقد خرج معه جماعة من أعلامها، منهم شيخه أبو الحسن حازم بن محمد القرطاجنىّ، المولود سنة ٦٥٨ هـ والمتوفى بتونس فى رمضان سنة ٦٨٤ هـ.
والسّيوطىّ يحدثنا عن هذه الرحلة وأسبابها فيقول (^٢): «ورأيت في كتابه النّضار الذى ألفه فى ذكر مبدأه واشتغاله وشيوخه ورحلته، أن مما قوّى عزمه على الرحلة عن غرناطة، أنّ
_________________
(١) نفح الطيب ١/ ٦٢٥.
(٢) بغية الوعاة/ ١٢١.
[ ٧ ]
بعض العلماء بالمنطق والفلسفة والرياضىّ والطبيعىّ قال للسلطان: إنّي قد كبرت وأخاف أن أموت، فأرى أن ترتب لى طلبة أعلمهم هذه العلوم، لينفعوا السلطان من بعدى، قال أبو حيّان:
فأشير إلى أن أكون من أولئك، ويرتب لى راتب جيد وكسا وحسان فتمنعت ورحلت مخافة أن أكره على ذلك».
ومهما يكن شئ فقد كان وجود أبى حيّان بمصر خيرا على أبنائها، وقد تتلمذ عليه أعلامها وشيوخها منهم مؤلفنا الكمال الأدفوىّ، وتقىّ الدّين السّبكىّ وابنه تاج الدّين، والجمال الأسنوى، وابن قاسم وابن عقيل والسمين والسفاقسى، وابن مكتوم والرعينىّ والصفدىّ وخلائق، وفى ذلك يقول التّاج السبكىّ فى «الطبقات الكبرى (^١)»:
«سمع عليه الجم الغفير وأخذ عنه غالب مشيختنا وأقراننا: منهم الشيخ الإمام الوالد، وناهيك بها لأبى حيّان منقبة».
وقد تصدر أبو حيّان فى مصر لتدريس الحديث فى المدرسة المنصورية، كما تصدر لتدريس النحو بعد وفاة شيخه ابن النحاس.
وكان أبو حيّان ظاهرىّ المذهب، ثم اعتنق مذهب الشافعىّ ﵁، ويقول ابن تغرى بردى (^٢) «إنه كان مالكيا» وقد انفرد بهذه الدعوى ولم أجد من يقول بها.
والعلامة ابن حجر يقول (^٣) «كان ظاهريا وانتمى إلى الشافعية وكان أبو البقاء يقول إنه لم يزل ظاهريا، قلت كان أبو حيّان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه».
وقالوا: إن أبا حيّان كان ظاهريّا حتى فى النحو، ونقل ذلك ابن الوردى فقال (^٤):
«كان بحرا زاخرا فى النحو وهو فيه ظاهرىّ»، وقد فسر ذلك «جولد زيهر Goldziher «فيما نقله عنه «هوتسما Houtsma «بدائرة المعارف الإسلامية (^٥) أن
_________________
(١) الطبقات ٦/ ٣٢.
(٢) النجوم الزاهرة ١٠/ ١١١.
(٣) الدرر الكامنة ٤/ ٣٠٤.
(٤) تاريخ ابن الوردى ٢/ ٣٣٩.
(٥) دائرة المعارف ١/ ٣٣٢.
[ ٨ ]
أبا حيّان حاول أن يتمسك بآراء الأوائل من أئمة علم النحو وخاصة سيبويه.
والذى لا شك فيه أن أبا حيّان كان يعظم سيبويه ويتعصب له إلى حد بعيد، وكان ذلك سببا لما وقع بينه وبين العلّامة ابن تيميّة من خصومة، فقد كان أبو حيّان يحترم ابن تيميّة ويجلّه ويعظمه إلى أن عاب ابن تيميّة سيبويه فحدثت القطيعة، وتناوله أبو حيّان بالتجريح فى تفسيره «النهر» الذى اختصر به «البحر».
ولقد التزم أبو حيّان منهجا في النحو، وهو ألّا يقرئ أحدا إلّا إذا كان فى «سيبويه» أو فى «التّسهيل» لابن مالك. أو فى تصانيفه (^١).
ولقد كان الشيخ بحق أمة وحده، ومدرسة كبرى جامعة لأنواع المعرفة الإسلامية فى عصره، ملما باللغات الشرقية من فارسية وتركية وحبشية مصنفا فيها، وهو كما يقول تلميذه الصفدىّ (^٢) «ثبت فيما ينقله محرر لما يقوله، عارف باللغة ضابط لألفاظها، وأما النحو والتصريف فهو إمام الدنيا فى عصره فيهما، ولم يذكر معه أحد فى أقطار الأرض، وله اليد الطولى فى التفسير والحديث، وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم، وله التصانيف التى سارت وطارت، وانتشرت وما انتثرت، وقرئت ودرست، ونسخت وما نسخت، أخملت كتب المتقدمين، وألهت المقيمين بمصر والقادمين.
«وقرأ الناس عليه وصاروا أئمة وأشياخا فى حياته، وهو الذى جسر الناس على مصنفات الشيخ جمال الدّين ابن مالك، ورغبهم فى قراءتها، وشرح لهم غامضها، وغاص بهم لججها، وفتح لهم مقفلها»
ويقول فى حقه السّيوطىّ (^٣): «نحوىّ عصره ولغويّه ومفسره ومحدثه ومقرئه ومؤرخه وأديبه».
وكان أبو حيّان ينظم الشعر وإن لم يكن شاعرا؛ قال الصفدىّ تلميذه (^٤) إنه انتقى
_________________
(١) فوات ابن شاكر ٢/ ٣٥٢، ونكت الهميان/ ٢٨٠.
(٢) نكت الهميان/ ٢٨٠.
(٣) بغية الوعاة/ ١٢١.
(٤) نكت الهميان/ ٢٨٤.
[ ٩ ]
ديوانه وسمعه منه وكتبه، ويقول ابن الوردىّ (^١): «وله نظم ليس على قدر فضيلته»، ويقول ابن تغرى بردى (^٢): «ومذهبى فى أبى حيّان أنه عالم لا شاعر»
وابن حجر يقول: إن شعره كثير من جيد وضعيف.
وقد عمر شيخنا حتى جاوز التسعين (^٣) وأضرّ قبل موته بقليل، وكانت وفاته بمنزله بظاهر القاهرة خارج باب البحر، فى الثامن والعشرين من صفر- وقيل فى الثامن عشر سنة ٧٤٥ هـ- ودفن من الغد بمقبرة الصوفية خارج باب النصر، وصلّى عليه بالجامع الأموى بدمشق صلاة الغائب فى شهر ربيع الآخر.
ورثاه كثيرون منهم تلميذه الصلاح الصفدىّ الذى رثاه بقصيدة مطلعها (^٤):
مات أثير الدّين شيخ الورى … فاستعر البارق واستعبرا
ورقّ من حزن نسيم الصّبا … واعتلّ فى الأسماء لمّا سرى
هذه عجالة فى ترجمة أبى حيّان، لم نتعرض فيها لتصانيفه، كما لم نعرض له بالدراسة والتحليل، وحسبنا أن صدّرنا كتابنا بهذه العجالة فقد كان الكتاب ثمرة إيحائه وتلبية إشارته.