ابراهيم بن علىّ المنعوت بالبرهان، يعرف بابن الفهّاد القوصىّ، كان من الفقهاء المتّقين، والقضاة المتورّعين، سار فى الأحكام أحسن سيره، وسلك فيها ما يرضى عالم العلانية والسريره، وكان قليل الرّزق مضيّقا عليه فى كثير من الأوقات، لا يجد القوت، رأيته فى الشتاء مرّات بمئزر صوف، وفى بعض الأوقات عرضيا (^٤) قطنا، وبعضها فوطة من صنعة البلاد، على حسب الوجدان.
_________________
(١) فى التيمورية: «ثم نزل إلى مكان ووقف وغرس عكازه».
(٢) انظر فيما يتعلق بالرباط والربط: الحاشية رقم ٢ ص ٤٢.
(٣) فى س: «فلا يجد». (¬*) انظر أيضا: الدرر الكامنة ١/ ٤٦.
(٤) منصوبة على تقدير «يلبس» أو «رأيته لابسا»، والعرضى: نوع متواضع من الثياب.
[ ٦٠ ]
أخذ الفقه على مذهب الشافعىّ عن الشيخ سراج الدّين موسى (^١)، والعربيّة عن الشيخ أبى الطيّب السّبتىّ (^٢)، تلميذ ابن أبى الرّبيع (^٣)، ولازمه وانتفع به، وسمع الحديث على شيخنا قاضى القضاة بدر الدّين بن جماعة، وعلى شيخنا محمد بن الدّشناوىّ (^٤) وعلى شيخنا أحمد بن محمد بن القرطبىّ (^٥)، والظهير موسى (^٦) القوصىّ، وعلى غيرهم.
ولم أر قاضيا أورع منه، لا يحاشى أحدا ولا من ينوب عنه، واشتغل بالحديث والتفسير والأصول كثيرا، وكان فى ذهنه وقفة، غير أنّه إذا فهم شيئا فهمه جيّدا ويستقرّ فى ذهنه، واتّفق أن حسّن له بعض الناس أن يستأجر أرضا للزراعة بما تنتهى إليه الرغبات، وهو قاض بدمامين فوافق، فحضر بعض المقطعين (^٧) عنده فى شغل، وشرع يدلّ عليه بعض الإدلال، فحلف أنّه لا يستأجر شيئا.
_________________
(١) هو موسى بن على بن وهب، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٢) فى ز: «أبو الطيب» وهو خطأ ظاهر، وفى ا وب وز: «البستى» وهو تحريف، وأبو الطيب السبتى هو محمد بن إبراهيم بن محمد، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٣) فى ز وط: «ابن الربيع» وهو خطأ، وقد ذكره الأدفوى فى ترجمة تلميذه أبى الطيب السبتى وقال: هو «عبيد الله بن أحمد بن عبيد الله بن محمد بن أبى الربيع». وهو الإمام النحوى العلامة أبو الحسين بن أبى الربيع القرشى الأموى الأندلسى الإشبيلى، إمام أهل النحو فى زمانه، ولد فى رمضان سنة ٥٩٩ هـ، ومات سنة ٦٨٨ هـ، انظر فيما يتعلق بأخباره: طبقات ابن الجزرى ١/ ٤٨٤، وبغية الوعاة/ ٣١٩، ونفح الطيب ١/ ٣٩٣، وكشف الظنون/ ٢١٢، وقد ورد فيه خطأ «عبد الله»، وروضات الجنات/ ٤٤٦، وهدية العارفين ١/ ٦٤٩، وتاريخ آداب اللغة لزيدان ٣/ ٥٧، ومعجم المؤلفين ٦/ ٢٣٦، والأعلام ٤/ ٣٤٤.
(٤) جاء محرفا فى نسختى ا وز «الدهسنواى»، وهو شيخ المؤلف محمد بن أحمد بن عبد الرحمن، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٥) فى ط: «أبى العباس أحمد» وهو خطأ، فهذه الكنية ليست لصاحبنا هذا، وإنما هى للجد أحمد بن محمد بن عمر القرطبى، وستأتى ترجمته فى الطالع، أما شيخ المؤلف المذكور فى النص فهو حفيده أحمد بن محمد بن أحمد، وستأتى ترجمته فى الطالع أيضا.
(٦) هو موسى بن الحسن بن يوسف، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٧) فى س: «بعض المنقطعين»، ولعل ما أثبتناه أجود، وهو اسم مفعول من «أقطع»، والمقطع أشبه شئ بالملتزم، أى الذى أقطع أرضا من قبل الحاكم، ثم يقوم هو بتأجيرها لمن يريد، ورواية النص تؤبد هذا المعنى، فهى تفيد أن القاضى صاحب الترجمة كان قد استأجر أرضا من بعض هؤلاء، فاتخذ ذلك ذريعة لأن يدل على القاضى فى مجلسه، فأقسم ألا يستأجر بعد هاء
[ ٦١ ]
وأفتى الشيخ محيى الدّين يحيى بن زكير (^١) مرّة ببطلان وقف؛ لعدم قبول الموقوف عليه المعيّن، وتوجّه إلى دمامين، فطلب منه الحكم به فامتنع وصمّم وقال: البغوىّ حالف فى ذلك، وما أدخل فى شئ من هذا، وجرى فى هذا كلام.
وربّما عزل وهو على حالة واحدة، وكان قليل الكلام، قليل المخالطة للنّاس، سافر مرّة فى مركب فيها الشيخ تاج الدّين عبد الوهاب بن السّديد، وكان معه جارية، فلمّا وصلوا إلى إخميم، طلبوا المكس (^٢) عليها، فقال [الشيخ] تاج الدّين: هذه حرّة، فلمّا وصلوا إلى مصر قال له البرهان (^٣): هذه حرّة؟ فقال: ما هى ملكى، هذه (^٤) لابنى وما قصدت إلّا دفع المكس، فلم يقبل منه، ومضى إلى قاضى القضاة بدر الدّين بن جماعة وأعلمه، وجرى/ بينهما كلام.
ومضى على جميل وسداد، رحمه الله تعالى، توفّى بقوص سنة خمس عشرة وسبعمائة، فى التاسع والعشرين من شهر شوّال.