إبراهيم بن هبة الله بن علىّ الحميرىّ، القاضى نور الدّين الأسنائىّ، كان فقيها فاضلا، أصوليّا نحويّا، ذكىّ الفطرة (^١)، حسن الخلق.
أخذ الفقه على مذهب الشافعىّ عن الشيخ بهاء الدّين هبة الله (^٢) بن عبد الله القفطىّ، والأصول عن الشيخ شمس الدّين محمد بن محمود الأصبهانىّ، والنّحو عن الشيخ بهاء الدّين محمد بن إبراهيم الحلبىّ بن النّحاس، وصنّف فى الفقه والأصول والنّحو، واختصر
_________________
(١) - لناصر خسرو/ ٧٠ ورحلة ابن جبير/ ٦٠، وقوانين ابن مماتى/ ١٠٧، وياقوت يفرق بين سيوط وأسيوط، فالأولى للكورة والثانية للمدينة، ويقول: «سيوط بفتح أوله وآخره طاء كورة جليلة من صعيد مصر، خراجها ستة وثلاثون ألف دينار أو زيادة»، قال فى حقها الشاعر أبو الحسن على بن محمد بن على بن الساعاتى: لله يوم فى سيوط وليلة … صرف الزمان بمثلها لا يغلط بتنا وعمر الليل فى غلوائه … وله بنور البدر فرع أشمط والطير يقرأ والغدير صحيفة … والريح تكتب والغمامة تنقط والظل فى تلك الغصون كلؤلؤ … نظم يصافحه النسيم فيسقط انظر: معجم البلدان ٣/ ٣٠١، ويقول ياقوت فى موضع آخر: «أسيوط- بالفتح ثم السكون وياء مضمومة- مدينة فى غربى النيل، من نواحى صعيد مصر، وهى مدينة جليلة كبيرة، حدثنى بعض النصارى من أهلها أن فيها خمسا وسبعين كنيسة للنصارى وهم بها كثير- وكانت إحدى متنزهات أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون»، انظر: المعجم ١/ ١٩٣، وانظر أيضا: تقويم البلدان/ ١١٢، و١١٣، والانتصار لابن دقماق ٥/ ٢٢، والقلقشندى يضبطها بضم ألفها وسكون السين نقلا عن السمعانى فى الأنساب، ويقول إن إثبات ألفها هو الجارى على ألسنة العامة بالديار المصرية، والثابت فى الدواوين حذفها؛ انظر: صبح الأعشى ٣/ ٣٩٥، وانظر كذلك: ابن شاهين/ ٣٣، ولم يفرق صاحب القاموس (٢/ ٣٦٧) بين أسيوط وسيوط، وضبطهما بضم أولهما، وانظر: الخطط الجديدة ١٢/ ٩٨، والقاموس الجغرافى ٤/ ٢٥، وقاموس بوانه/ ٨٩، وما كتبه «بكر Becker «فى دائرة المعارف الإسلامية ٢/ ٢٠١، ورحلة مجدى/ ٩٣، وإعجام الأعلام/ ٢٠٦. (¬*) انظر أيضا: طبقات السبكى ٦/ ٨٣، والسلوك ٢/ ٢٣٣، والدرر الكامنة ١/ ٧٤، والمنهل الصافى ١/ ١٧٠، وبغية الوعاة/ ١٨٩، وحسن المحاضرة ١/ ١٩٣، وكشف الظنون/ ١٨٤٩، والشذرات ٦/ ٥٤، والخطط الجديدة ٨/ ٦٢، وهدية العارفين ١/ ١٣، وطبقات الأصوليين ٢/ ١٢٢، ومعجم المؤلفين ١/ ١٢٣، والأعلام ١/ ٧٣.
(٢) فى د وج: «ذكى الفطنة» وهو تحريف.
(٣) ستأتى ترجمته فى الطالع.
[ ٦٩ ]
«الوسيط» (^١)، وصحّح ما صحّحه الرّافعىّ، واختصر «الوجيز» (^٢)، وشرح «المنتخب» (^٣) فى أصول الفقه، ونثر «ألفيّة» ابن مالك وعمل عليها شرحا، وولى القضاء بمنية زفتى (^٤) فى أوائل عمره، وبمنية (^٥) ابن خصيب، وتولّى أقاليم منها: سيوط وإخميم وقوص، وكان حسن السّيرة، جميل الطريقة، صحيح العقيدة؛ قال لى: أردت أن أقرأ على الشيخ شمس الدّين الأصبهانىّ فلسفة، فقال: حتى تمتزج بالشّرعيات امتزاجا جيّدا.
وكان إذا أخذ درسا تيقّنه وتحقّقه ويستوفى الكلام عليه، إلّا أنّه كان لا يثبت له كلّما يلقيه، وكان محبّا للعلم، لم تشغله عنه المناصب، ولمّا ولّى قوص قرأ على شيخنا نجم الدّين عبد الرحمن (^٦) بن يوسف الأسفونىّ الجبر والمقابلة، وقرأ الطبّ على الحكيم شهاب الدّين المغربىّ، وما زال مشتغلا/ إلى حين وفاته.
وكان له همّة، لمّا اتّفق جلول [ركاب] الملك النّاصر محمد بن الملك المنصور [قلاوون] إلى قوص، كان فى خدمته عبد الكريم النّاظر، فطلب من مال الأيتام
_________________
(١) هو «الوسيط» فى الفروع للامام حجة الإسلام أبى حامد محمد بن الغزالى الشافعى المتوفى سنة ٥٠٥ هـ؛ انظر: كشف الظنون/ ٢٠٠٨، وفهرس الدار القديم ٣/ ٢٨٩.
(٢) هو «الوجيز» فى الفروع للغزالى أيضا؛ انظر: كشف الظنون/ ٢٠٠٢، وفهرس الدار القديم ٣/ ٢٨٩، ومعجم سركيس/ ١٤١٥.
(٣) هو «المنتخب» فى أصول المذهب لحسام الدين محمد بن محمد بن عمر المتوفى عام ٦٤٤ م؛ انظر: كشف الظنون/ ١٨٤٨.
(٤) فى ط «بمدينة زفتى» وهو تحريف نقله على مبارك فى الخطط ٨/ ٦٢، وفيها يتعلق بمنية زفتى انظر: الانتصار لابن دقماق ٥/ ١٠٩.
(٥) ذكر الشريف الإدريسى خطأ أنها على الضفة الشرقية للنيل، وقد وصفها بأنها قرية عامرة، حولها جنات، وأرض متصلة العمارات … انظر: نزهة المشتاق/ ٤٥، وذكر ياقوت أنها مدينة كبيرة حسنة، كثيرة الأهل والسكن، انظر: معجم البلدان ٥/ ٢١٨، وانظر أيضا: نخبة الدهر لشيخ الربوة/ ٢٣٢، وتقويم البلدان لأبى الفداء/ ١١٤ و١١٥، والانتصار ٥/ ٢١، والعلامة المقريزى ينسبها إلى الخصيب ابن عبد الحميد صاحب خراج مصر من قبل هارون الرشيد؛ انظر: الخطط ١/ ٢٠٥، وانظر أيضا: ابن شاهين/ ٣٣، والخطط الجديدة ١٦/ ٥١.
(٦) ورد فى الدرر الكامنة خطأ: «نجم الدين بن عبد الرحمن»، كما ورد خطأ فى الخطط الجديدة: «عزّ الدين».
[ ٧٠ ]
شيئا من الزّكاة، فذكر له أنّ هذه العادة أن تفرّق على الفقراء، ثمّ إنّه لمّا ألحّ (^١) عليه فى الطّلب، ركب واجتمع بعلاء الدّين بن الأثير، [وأخبره] (^٢) موقع السرّ وعرّفه، فلمّا وصل الخبر إلى مولانا السلطان، رسم ألّا يتعرّض إليهم، فشقّ ذلك على الأكرم (^٣) وعمل عليه، وبالغ مع شيخنا قاضى القضاة بدر الدّين بن جماعة فى صرفه فلم يجبه، ثمّ بعد مدّة صرف وأقام بالقاهرة، وعرض عليه أسيوط والجيزة (^٤) [فامتنع] وقال: أنا فى هذا الوقت وجدت بعينى غشاوة، وأريد أن أستعمل أدوية، ثمّ طلع له طلوع بعنقه فكان سببا لوفاته.
توفّى بالقاهرة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، ووصّى بشئ للفقراء، ووقف لهم وقفا، وليس له عقب [رحمه الله تعالى].