أحمد بن علىّ بن إبراهيم بن علىّ بن الزّبير، أبو الحسن (^١) القرشىّ الأسدىّ الأسوانىّ، ينعت بالرّشيد، ذكره غير واحد، منهم العماد الأصبهانىّ وقال (^٢): كان ذا علم غزير، وفضل كبير، شاعر وله رسالة أودعها من كلّ علم مشكله، ومن كلّ فنّ أفضله، وكان عالما بالهندسة والمنطق وعلوم الأوائل، وفد اليمن رسولا، وأراد أن يدّعى الخلافة.
وسمع باليمن والإسكندرية من السّلفىّ، وقرأ على القاضى الأديب ابن النّضر (^٣)، وبأسوان على ابن موقن، وعلى ابن بركات السّعيدىّ، وابن القطّاع، وأبى الفتح الجيش (^٤)، وقرأ على الحافظ السّلفىّ كثيرا، وكان يحضر درسه، قال السّلفىّ: كان يقول لى: قد هان علىّ ما أنا فيه من المكوس بما آخذه عنك من الحديث.
وقد وقفت أنا على رسالته (^٥). وهى تدلّ على جودة معرفته بالفقه والنّحو واللغة والتّصريف والأنساب، والكلام والمنطق والهيثة والموسيقى والطبّ وأحكام النّجوم وغير ذلك.
_________________
(١) (¬*) انظر أيضا. طبقات ابن سمرة/ ١٦٧؛ والخريدة- شعراء مصر- ١/ ٢٠٠، ومعجم الأدباء ٤/ ٥١، ومعجم البلدان ١/ ١٩٢، والروضتين ١/ ١٤٧، وابن خلكان ١/ ٥١، ومرآة الجنان ٣/ ٣٦٧، والنجوم ٥/ ٣٧٣، وحسن المحاضرة ١/ ٢٤٩، وبغية الوعاة/ ١٤٦، وكشف الظنون/ ١٦٩، والشذرات ٤/ ١٩٧ و٢٠٣، والروضات/ ٧٦، وإيضاح المكنون ١/ ٢٧٣، وهدية العارفين ١/ ٨٦، وضبظ الأعلام/ ٤ و٦٦، وأعيان الشيعة ٩/ ٨٤، ومعجم المؤلفين ١/ ٣١٥، والأعلام ١/ ١٦٨.
(٢) كذا فى أصول الطالع، وكذلك هو فى معجم البلدان والشذرات وهدية العارفين، وجاء فى معجم الأدباء ووفيات الأعيان وبغية الوعاة وحسن المحاضرة وكشف الظنون: «أبو الحسين».
(٣) انظر: الخريدة ١/ ٢٠٠.
(٤) هو على بن محمد بن محمد بن النضر، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٥) فى ج: «الحبشى».
(٦) هى «أمنية الألمعى ومنية المدعى» انظر: كشف الظنون/ ١٦٩، وفى معجم الأدباء ٤/ ٥٤ «منية الألمعى وبلغة المدعى»، وفى بغية الوعاة/ ١٤٦ «منية الألمعى ومنية المدعى»، وفى الشذرات ٤/ ٢٠٣ «منية الألمعى وبينة المدعى».
[ ٩٨ ]
روى عنه السّلفىّ شيئا من شعره، وقال محمد بن عيسى اليمنىّ (^١): كان الرّشيد أستاذى فى الهندسة.
أنشد له العماد فى الخريدة (^٢) / قوله:
إذا ما نبت بالحرّ دار يودّها … ولم يرتحل عنها فليس بذى حزم
وهبه بها صبّا ألم يدر أنّه (^٣) … سيزعجه عنها الحمام (^٤) على رغم
ولم تكن (^٥) الدّنيا تضيق على فتى … يرى الموت خيرا من مقام على هضم
وأنشد له أيضا:
لئن خاب ظنّى فى رجائك بعد ما … ظننت بأنّى قد ظفرت بمنصف
فإنّك قد قلّدتنى كلّ منّة … ملكت بها شكرى لدى كلّ موقف
لأنّك قد حذّرتنى كلّ صاحب … وأعلمتنى أن ليس فى الأرض من يفى
وله قصيدة يمدح بها ابن فريج (^٦)، منها:
[ولمّا تناءت (^٧) أرضنا وديارنا … وخان زمان ناقض العهد غدّار
كفانا معالى كلّ أمر أهمّنا … وحكّمنا فيما نحبّ ونختار
وأنزلنا من ربعه الرّحب حسنه … يفيض بها من رحب كفّيه أنهار
لنعم الذّرى يلقى به الجار رحبه … إذا ما نبت بالجار عن أهله الدّار
فظلنا كأنّا نازلون بأهلنا … ولم تنأ أوطان علينا وأوطار]
_________________
(١) فى جميع أصول الطالع: «محمد بن عيسى التميمى»، وهو تحريف صوابه «اليمنى» كما ورد فى الخريدة وابن خلكان، وهو مهندس فاضل، ورد بغداد سنة ٥٥٠ هـ، انظر: عمارة اليمنى: النكت المصرية/ ٥٦٦.
(٢) انظر: الخريدة ١/ ٢٠٠.
(٣) كذا فى أصول الطالع وابن خلكان، وفى الخريدة: «أنها».
(٤) فى الخريدة وابن خلكان: «منها».
(٥) ورد فى الخريدة قبل هذا البيت: ولولا الأجل الكامل الملك أرقلت … بى العبس فى البيداء والسفن فى اليم
(٦) فى ا وب: «ابن قريح».
(٧) انفردت التيمورية برواية هذه الأبيات الخمسة التى سقطت من بقية النسخ.
[ ٩٩ ]
وصنّف كتاب «الجنان (^١) ورياض الأذهان»، ذيّل به على «اليتيمة» (^٢)، وذكره ابن خلّكان وغيره، وأنشدوا له:
جلّت لدىّ الرّزايا بل جلت هممى … وهل يضرّ جلاء الصّارم الذّكر
غيرى يغيّره عن حسن شيمته … صرف الزّمان وما يلقى (^٣) من الغير
لو كانت النّار للياقوت محرقة … لكان يشتبه الياقوت بالحجر
لا تغررنّ (^٤) بأطمارى وقيمتها … فإنّما هى أصداف على درر
ولا تظنّ خفاء النّجم عن (^٥) صغر … فالذنب فى ذاك محمول على البصر
وذكره الحافظ أبو الطّاهر أحمد السّلفىّ (^٦) وقال: كان من أفراد الدّهر فضلا فى فنون كثيرة، ولّى نظر الدّواوين بالإسكندرية بغير اختياره [فأرضى النّاس وخصوصا الفقهاء]، ثم قتل ظلما فى شهر المحرّم سنة ثلاث وستّين وخمسمائة.
أخيرنا الفقيه المفتى أبو العبّاس [أحمد بن المصفى] الإسكندرانىّ، أخبرنا الحافظ منصور بن سليم إجازة، أخبرنا عبد الوهاب بن ظافر الرّواجىّ، أخبرنا الحافظ السّلفىّ، فيما كتب به إلىّ، أنبأنى غير واحد عن الحافظ المنذرىّ، قرأت على ابن الصابونىّ عن
_________________
(١) ذكره ياقوت باسم «جنان الجنان وروضة الأذهان»، وقال إنه فى أربع مجلدات، يشتمل على شعر شعراء مصر ومن طرأ عليهم؛ المعجم ٤/ ٥٥، وذكره العماد فى الخريدة ١/ ٢٠٢، وحاجى خليفة فى كشف الظنون/ ٦٠٦، والكتاب مصدر مهم للشعر المصرى فى العصر الفاطمى، وقد اعتمد عليه ابن سعيد فى «المغرب»، والعماد فى «الخريدة».
(٢) هى «يتيمة الدهر فى محاسن أهل العصر» لأبى منصور عبد الملك بن محمد الثعالبى المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، انظر: كشف الظنون/ ٢٠٤٩، وفهرس الدار ٣/ ٤٣٨، واكتفاء القنوع/ ٢٧٢، ومعجم سركيس/ ٦٦٠.
(٣) فى ابن خلكان: «وما ياتى».
(٤) كذا فى س: وفى بقية الأصول: «لا تغتررن»، وقد ورد هذا البيت فى ط آخر الأبيات، وهو خطأ فى الترتيب؛ انظر: ابن خلكان ١/ ٥٢.
(٥) فى ابن خلكان: «من صغر».
(٦) انظر: معجم السلفى (نسخة مصورة بدار الكتب المصرية) الورقة/ ٢٢.
[ ١٠٠ ]
الحافظ السّلفىّ، أنشدنا القاضى أبو الحسين (^١) الأسوانىّ [له] (^٢).
سمحنا لدنيانا بما بخلت به … علينا ولم نحفل بجلّ أمورها
فيا ليتنا لمّا حرمنا سرورها … وقينا أذى آفاتها وشرورها
وله [أيضا] من قصيدة:
فإنّ التّدانى ربّما أحدث القلا … وإنّ التّنائى ربّما زاد فى الودّ
/ فإنّى رأيت السّهم ما زاد بعده … عن القوس إلّا زيد فى الشّكر والحمد
ولن يستفيد البدر أكمل نوره … من الشّمس إلّا وهو فى غاية البعد
ونسب إليه أنّه [كان] شارك «شيركوه» فى قصده؛ فكان سبب قتله؛ وقال المنذرىّ عنه: كانت فى نفسه عظمة؛ دخل مع «النّاصر» الإسكندرية؛ وكتب فى أمور؛ فأخذه «شاور» وعذّبه عذابا شديدا؛ فبلغه أنّه قال: الهوان والعذاب من الملوك فى طلب الملك ليس بعار؛ فأمر به فضربت عنقه.
وقال أبو عبد الله محمد بن شاكر الحموىّ فى مشيخته: كان الرّشيد عالى الهمّة، سامى القدر، عزيز النّفس، يترفّع على الملوك ويرقى بنفسه عنهم.
وذكره ابن سعيد فى «المغرب» وقال: قال ابن أبى المنصور فى كتاب «البداية»:
كان قد اجتمعت فيه صفات وخلائق تعين على هجائه، منها أنّه كان أسود، ويدّعى الذّكاء وأنّ خاطره من نار، فقال فيه ابن قادوس:
إن قلت من نار خلق … ت وفقت كلّ النّاس فهما
_________________
(١) هو صاحب الترجمة فى الأصل.
(٢) انظر أيضا: معجم الأدباء ٤/ ٥٤.
[ ١٠١ ]
قلنا صدقت فما الذى … أطفاك حتّى صرت فحما (^١)
ولمّا توجّه رسولا إلى اليمن (^٢)، داعيا للخليفة الحافظ، فى شهر ربيع الأوّل سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، تلقّب بعلم المهتدين، فقال فيه بعض شعراء اليمن، من قصيدة بعث بها إلى صاحب مصر:
بعثت لنا علم المهتدين ولكنّه علم أسود
قلت: وقد وقفت على محضر كتبه باليمن، فيه خطّ جماعة كثيرة، أنّه لم يدّع الخلافة، وأنّه مواظب على الدّعوة للخليفة، رأيت المحضر بأسوان.
وكان من محاسن الزّمان.