أحمد بن محمد، جدّ شيخنا المذكور، أحد الرؤساء الأعيان الأكابر، أرباب المناقب الجمّة والمآثر، وأصحاب علوّ الهمّة، ونفاذ الكلمة، المشهورين بمكارم الأخلاق، المقصودين من الآفاق، عالم فاضل، وأديب كامل، وناظم ناثر، تنطق بفضله ألسنة الأقلام وأفواه المحابر.
سمع الحديث بمكة ومصر وغيرهما، فسمع من زاهر بن رستم الأصبهانىّ، وأبى عبد الله محمد بن إسماعيل بن أبى الصّيف اليمنىّ، ومن أبى محمد يونس بن يحيى بن أبى الحسين الهاشمىّ، ومن القاضى أبى محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله [بن] المحلىّ، وأبى عبد الله محمد بن عبد الله بن البنّا، وأبى القاسم حمزة بن علىّ بن عثمان المخزومىّ؛ ومن
_________________
(١) فى النسختين ا وج: «أماراتها».
(٢) رواه أحمد بن حنبل والبخارى ومسلم وابن ماجه والترمذى والنسائى. (¬*) انظر أيضا: نهاية الأرب للنويرى ٨/ ٥١، وطبقات السبكى ٢/ ٢٨٨، وتاريخ ابن الفرات ٧/ ١٢، ومعجم المؤلفين ٢/ ١٤١، والأعلام ١/ ٢١٢.
[ ١١٢ ]
الحافظ أبى الحسن (^١) بن المفضّل المقدسىّ، ومن أبى عبد الله الحسين بن المبارك بن الزّبيدىّ.
وحدّث سمع منه جماعة؛ منهم السيّد الشريف أبو القاسم [أحمد] بن محمد بن عبد الرّحمن، المنعوت عزّ الدّين الحسينىّ النّقيب، وقاضى القضاة سعد الدّين مسعود ابن أحمد الحارثىّ الحافظ الحنبلىّ، وأبو الفتح محمد بن محمد بن أبى بكر الأبيوردىّ، وأبو الطّاهر أحمد بن يونس بن أحمد الإربلىّ، وعبد الغفّار/ بن محمد بن عبد الكافى السّعدىّ وغيرهم.
قال الشّريف: كان أبو العبّاس فاضلا؛ وله النّظم الجيّد والنّثر الحسن، مع ما كان عليه من الكرم والإيثار، والإحسان إلى من يرد عليه.
وقال قاضى القضاة سعد الدّين الحارثىّ: كان أحد الأعيان النّبلاء، والشّيوخ الفضلاء، وقال: قرأت عليه كتاب التّرمذىّ كلّه، وكان ثقة مرضيّا.
وذكره شيخ شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزّبير وقال: رحل مع أبيه من الأندلس
_________________
(١) كذا فى س وج، وفى بقية الأصول ومعها ط: «أبى الحسين» وهو تحريف، وفى جميع الأصول: «بن الفضل» وهو تحريف أيضا. وأبو الحسن ابن المفضل هو الحافظ العلامة على بن الأنجب أبى المكارم المفضل بن على بن مفرج اللخمى المقدسى الإسكندرانى المالكى، ولد ليلة السبت الرابع والعشرين من ذى القعدة سنة ٥٤٤ هـ بثغر الإسكندرية، وصحب الحافظ أبا الطاهر السلفى- بكسر السين المهملة المشددة وفتح اللام نسبة إلى جده الملقب بسلفه، بكسر السين أى غليظ الشفة أو مشقوقها- وانتفع به، وكان من أكابر حفاظ الحديث وعلومه، كما كان فقيها مالكيا فاضلا، وقد صحبه الحافظ العلامة زكى الدين أبو محمد عبد العظيم المنذرى ولازم صحبته، وبه انتفع وعليه تخرج، توفى يوم الجمعة مستهل شعبان سنة ٦١١ هـ بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم، انظر فيما يتعلق بأخباره: ابن خلكان ١/ ٣٢٩، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٧٧، ودول الإسلام ٢/ ٨٦، وورد فيه: «الحدسى» وهو تحريف صوابه «المقدسى»، وانظر أيضا: مرآة الجنان ٤/ ٢١، وابن كثير ١٣/ ٦٨، والنجوم ٦/ ٢١٢، وحسن المحاضرة ١/ ١٦٣، ونيل الابتهاج- على هامش الديباج/ ٢٠٠، والشذرات ٥/ ٤٧، وايضاح المكنون ١/ ٢٦٥، وهدية العارفين ١/ ٧٠٤، وطبقات ابن مخلوف ١/ ١٦٥، ومعجم المؤلفين ٧/ ٢٤٤، والأعلام ٥/ ١٧٥.
[ ١١٣ ]
فى سنّ الصّغر، وكان بالبلاد يشار إليه فى البلاغة والتقدّم فى علم الحديث والفضل التّام، وأخذ النّاس عنه بالمشرق والمغرب.
وهو وهم من الأستاذ، فإنّه ولد بمصر، ولم يكن فى علم الحديث كما وصف، وقد نبّه على الوهم الحافظ أبو الفتح (^١) القشيرىّ، وقد وهم فيه أيضا جماعة من المتأخرين، وقالوا فيه: يعرف بابن المزيّن ..، وشبيه (^٢) الوهم أبو العبّاس أحمد القرطبىّ مختصر «صحيح» مسلم، و«صحيح» البخارىّ، وصاحب كتاب «المفهم (^٣)»، فهو كبير فى العلم، ومقدّم فى علم الحديث، وهو يعرف بابن المزيّن.
والقرطبىّ القنائىّ هذا مقدّم فى الأدب، متمسك منه بأقوى سبب، وأكثر مقامه بقنا، وتوفّى بها، وله بها ذرّيّة.
وكان يكاتب الرؤساء الأعيان من الأمراء والوزراء والقضاة، وله ترسّل، جمع منه مجلدة وقفت عليها، وأخبرنى من يوثق به أنّه لمّا تزوّج بقنا عمل شيئا كثيرا، فقال له أبوه، وكان من العلماء الصالحين: أرسلت إلى الشّيخ الحسن (^٤) بن عبد الرّحيم شيئا؟
فقال: لا، فقال: ما يحمله إلّا أنت، فأخذ طبقا على رأسه، وحمله إلى الشّيخ الحسن؛ وأخبر أباه بذلك، فدعا له أن يرفع الله قدره.
وكتبت من ترسّله هذا الكتاب، جواب كتاب الشّيخ تقىّ (^٥) الدّين بن دقيق العيد، لما تضمّنه من البلاغة، وأوّله بعد البسملة:
_________________
(١) هو محمد بن على بن وهب، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٢) كذا فى الأصول، والمعنى: «وشبيهه الذى سبب الوهم».
(٣) هو «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ذكر فيه أنه لما لخص صحيح مسلم ورتبه وبوبه، شرح غريبه ونبه على نكت من إعرابه، وعلى وجوه الاستدلال بأحاديثه، وهو من أجل الكتب، وحسبه اعتماد الإمام النووى عليه فى كثير من المواضع؛ انظر: كشف الظنون/ ٥٥٧.
(٤) هو الحسن بن عبد الرحيم بن أحمد، وستأتى ترجمته فى الطالع.
(٥) هو محمد بن على بن وهب، وستأتى ترجمته فى الطالع.
[ ١١٤ ]
«يخدم المجلس العالى العالمى صفات، يقف الفضل عندها، ويقفو الشّرف مجدها، وتلتزم المعالى حمدها، وسمات يبسم ثغر الرّئاسة منها، وتروى أحاديث السيادة عنها، الصّدرىّ الرئيسىّ المفيدى، معان استحقّها بالتمييز، واستوجبها بالتّبريز، وسبكته الإمامة لها فألفته (^١) خالص الإبريز، ومغان أقرّته فى سويدائها، وأطلعته فى سمائها، العلّامىّ الفاضلىّ، التقوى نسب اختصّ بها اختصاص التّشريف، لا تشريفا له فالشّمس تستغنى عن التّعريف، لا زالت إمامته كافلة بصون/ الشّرائع، واردة من دين الله وكفالة رسول الله أشرف الموارد وأعذب الشّرائع، آخذة بآفاق سماء الشّرف فلها قمراها والنّجوم الطّوالع، قاطعة أطماع الآمال عن إدراك فضله، وما زالت تقطع أعناق الرجال المطامع، صارفة عن جلالته مكاره الأيّام صرفا لا تعتوره القواطع، ولا تعترضه الموانع.
«وينهى ورود عذرائه التى لها الشّمس خدر والنّجوم ولائد، وحسنائه التى لها اللفظ درّ والدّرارىّ قلائد، ومشرفته التى لها من براهين البيان شواهد، وكريمته التى لها الفضل ورد والمعالى موارد، وبديعته التى لها بين أحشائى وقلبى معاهد.
وآيته الكبرى التى دلّ فضلها … على أنّ من لم يشهد الفضل جاحد
وأنّك سيف سلّه الله للورى … وليس لسيف سلّه الله غامد
فامثلها يحسن صوغ السّوار، ولفضلها يقال: أناة أيّها الفلك المدار، وإنّها فى العلم أصل فرع نابت، والأصل عليه النّشأة والقرار، وفرع أصل ثابت، والفرع [فيه] الورق والثّمار، هذه التى وقفت قرائح الفضلاء عند استحسانها، وأوقفتنى على قدم التعبّد لإحسانها، وأيقنت أنّ مفترق الفضائل مجتمع فى إنسانها، وكنت أعلم علمها بالأحكام الشّرعيّة، فإذا هى فى النّثر ابن مقفّعها، وفى الفضائل أخو حسّانها.
«هذه وأبيك أمّ الرّسائل المبتكرة، وبنت الأفكار التى هذّبتها الآداب فهى
_________________
(١) فى ابن الفرات ٧/ ١٣: «فألقته» خطا.
[ ١١٥ ]
فى سهل الإيجاز البرزة، وفى صون الإعجاز المخدّرة، والملّية (^١) ببدائع البداية فمتى تقاضاها متقاض لم تقل: فنظرة إلى ميسرة، والبديعة التى لم توجّه إليها الآمال فكرها استحالة غير مسبوق بالشعور، ولم تسم إليها مقل الخواطر لعدم الإحاطة بغيب الصّدور قبل الصّدور (^٢)، والبديهة التى فصّل البيان كلماتها تفصيل الدّرّ بالشّذور، وإنّ كلمتها (^٣) لتميس فى صدورها وأعجازها، وتختال فى صدودها بين بديعها وإعجازها، وتنثال عليها أعراض المعانى بين إسهابها وإيجازها، فهى فرائد ائتلفت من أفكار الوائلىّ (^٤) والإيادىّ، وقلائد انتظمت انتظام الدّرر أو الدّرارىّ، ولطائف فضّت (^٥) عن العنبر الشّحرىّ (^٦) أو المسك الدّارىّ (^٧)، لا جرم أنّ غوّاصى الفضائل ضلّوا فى غمراتها خائضين، وفرسان الكلام أصبحوا فى حلباتها راكضين، وأبناء البيان تليت عليهم آياتها، فظلّت أعناقهم لها/ خاضعين:
ما إن لها فى الفضل مثل كائن … وبيانها أجلى البيان وأمثل
فالعجز عنها معجز متيقّن … ونبيّها فى الفضل فينا مرسل
ما ذاك إلّا أنّ ما يأتى به … وحى الكلام على اليراعة ينزل
بزغت شمسا لا ترضى غير صدره فلكا، وانقادت معانيها طائعة لا تختار سواه ملكا، وانتبذت بالعراء فلا تخشى إدراك الأفكار ولا تخاف دركا، وبدت شواردها فلا تقتنصها الخواطر ولو نصبت هدب الجفون (^٨) شركا:
_________________
(١) الملية خطأ، وحقها: «الملأى» أو «الملآنة».
(٢) الصدور الأولى: جمع صدر، والثانية مصدر.
(٣) فى د: «وإن حليها ليميس».
(٤) يريد بالوائلى: سحبان بن وائل، وبالإيادى: قس بن ساعدة.
(٥) فى ا: «أفشت».
(٦) الشحر: ساحل البحر بين عمان وعدن؛ القاموس ٢/ ٥٦.
(٧) منسوب إلى «دارين» فرضة بالبحرين، بها سوق يحمل المسك من الهند إليها؛ القاموس ٢/ ٣٢.
(٨) فى التيمورية: «هدب العيون».
[ ١١٦ ]
فللأفاضل فى عليائها سمر … إنّ الحديث عن العلياء أسمار
وللبصائر هاد من فضائلها … يهدى أولى العزم إن ضلّوا وإن حاروا
بادى الأمانة لا يخفى على أحد … كأنّه علم فى رأسه نار
أعجب بها من كلم جاءت كغمام الظّلال على سماء الأنهار، وسرت كعليل النسيم عن أندية الأسحار، وجليت محاسنها كلؤلؤ الطّلّ (^١) على خدود البهار (^٢)، وتجلّت كوجه الحسناء فى فلك الأزرار، وأهدت نفحة الرّوض متأوّدة الغصن بليلة الإزار، حبتنا بذلك النّفس المعطار، وحيّتنا بأحسن من كأسى لمى (^٣) وعقار، وآسى ريحان (^٤) وعذار، ولؤلؤى حبب (^٥) وثغر، وعقيقى شفة وخمر، وربيعى زهر ونهر، وبديعى نظم ونثر.
«ولم أدر ما هى؟ أثغور ولائد (^٦)، أم شذور قلائد (^٧)، أم توريد خدود، أم هيف (^٨) قدود، أم نهود صدور أم عقود نحور، أم بدور ائتلقت فى أضوائها، أم شموس أشرقت فى سمائها؟
_________________
(١) الطل: الندى؛ القاموس ٤/ ٧.
(٢) فى ط «الأزهار»، والبهار- بفتح الباء الموحدة- قال فى اللسان: «نبت طيب الريح، الجوهرى: البهار: العرار الذى يقال له عين البقر، وهو بهار البر، وهو نبت جعد له فقاعة صفراء، ينبت أيام الربيع، يقال له العرارة»؛ انظر: اللسان ٤/ ٨٤.
(٣) اللمى: مثلثة اللام: سمرة فى الشفة، وهو ألمى وهى لمياء؛ انظر: القاموس ٤/ ٣٨٧، والعقار- بضم العين-: الخمر، لمعاقرتها أى لملازمتها الدن، أو لعقرها شاربها عن المشى؛ انظر: القاموس ٢/ ٩٤.
(٤) الريحان: نبت طيب الرائحة، أو كل نبت كذلك؛ القاموس ١/ ٢٢٤، والآس: شجر معروف، والواحدة: آسة؛ القاموس ٢/ ١٩٩، والعذار- بكسر العين المهملة- الشعر النازل على اللحيين؛ المصباح/ ٤٧٤، والقاموس ٢/ ٨٦.
(٥) الحبب والحباب- بفتح الحاء المهملة- من الماء معظمه، أو فقاقيعه التى تطفو؛ القاموس ١/ ٥١.
(٦) الولائد: جمع وليدة وهى الصبية؛ القاموس ١/ ٣٤٧.
(٧) القلائد: جمع قلادة: ما جعل فى العنق؛ القاموس ١/ ٣٣٠.
(٨) الهيف- محركة- رقة الخاصرة؛ القاموس ٣/ ٢٠٨، والقدود: جمع قد وهو القامة؛ القاموس ١/ ٣٢٥.
[ ١١٧ ]
جمعن شتيت الحسن من كلّ وجهة … فحيّرن أفكارى وشيّبن مفرقى (^١)
وغازلها قلبى بودّ محقق … وواصلها ذكرى بحمد مصدّق
وما كنت عشّاقا لذات محاسن … ولكنّ من يبصر جفونك يعشق
ولم أدر والألفاظ منها شريفة … إلى الشّمس تسمو أم إلى البدر ترتقى
إنّما هى جملة إحسان، يلقى الله الرّوح من أمره على قلبها، أو روضة بيان تؤتى أكلها كلّ حين بإذن ربّها، أو ذات فضل اشتملت على أدوات الفضائل، وجنت ثمار العلوم فاجتنتها بالضّحى والأصائل، أو نفس زكت فى صنيعها، فنفث روح القدس فى روعها، فسلكت سبل البيان ذللا، وعدمت مماثلا فأصبحت لأبناء المعالى مثلا، أو سرت إلى جوز (^٢) المعانى فقسم لها واهب النّعم أشرف الأقسام/ فجادت فى الإنفاق، ولم تمسك خشية الإملاق، وقيّدت نفسها فى طلق الطّاعة فجاءها توقيع التّفضيل على الإطلاق:
ابن لى معزاها (^٣) أخا الفهم إنّها … إلى الفضل تعزى أم إلى المجد تنسب؟
هى الشّمس إلّا أنّ فكرك مشرق … بإبدائها عندى وصدرى مغرب
وقد أبدعت من فضلها وبديعها … فجاءت إلينا وهى عنقاء (^٤) مغرب
فأعرب عن كلّ المعانى فصيحها … بما عجزت عنه نزار ويعرب
_________________
(١) مفرق- كمجلس أو كمقعد- وسط الرأس، وهو الذى يفرق فيه الشعر؛ القاموس ٣/ ٢٧٤.
(٢) الجوز- بفتح الجيم- وسط الشئ ومعظمه؛ القاموس ٢/ ١٧٠، وفى النسخة ا: «حوراء المعانى» خطأ.
(٣) فى ط: «مغزاها» بالغين المعجمة خطأ، والمعزى- بالعين المهملة- الاعتزاء، أى الانتماء والانتساب؛ انظر: اللسان ١٥/ ٥٢.
(٤) العنقاء المغرب- بضم الميم والباء- وعنقاء مغرب ومغربة- بالضم أيضا فيهما- ومغرب بالجر على الإضافة: طائر معروف الاسم مجهول الجسم، أو طائر عظيم يبعد فى طيرانه، أو من الألفاظ الدالة على غير معنى ..؛ انظر: القاموس ١/ ١١٠.
[ ١١٨ ]
ومذ أشرقت قبل التّناهى بأوجها (^١) … عفا فى سناها بدر تمّ وكوكب
تناهت علاء والشباب رداؤها … فما ظنّكم بالفضل والرأس أشيب
لئن كان ثغرى بالفصاحة باسما … فثغرك بسّام الفصاحة أشنب (^٢)
وإن ناسبتنى بالمجاز بلاغة … فأنت إليها بالحقيقة تنسب
ومذ وردت سمعى وقلبى فإنّها … لتوكل حسنا بالضمير وتشرب
وإنّى لأشدو فى الورى ببيائها … كما ناح فى الغصن الحمام المطرّب
وتشهد أبناء البيان إذا انتدوا … بإنّى من قسّ الأيادى أخطب
وإنّى لتدنينى إلى المجد عصبة … كرام حوتهم أوّل الدّهر يثرب
وإنّى إذا خان الزّمان وفاءه … وفىّ على الضرّاء حرّ مجرّب
وإن (^٣) أبت نفس وفاء وشيمة … قضى لى بها فى المجد أصل مهذّب
ونفس أبت إلّا اهتزازا إلى العلا … كما اهتزّ يوم الرّوع رمح ومقضب (^٤)
ولى نسب فى الأكرمين تعرّقت … إليه المعالى وهو غرثان مخصب
نمته أصول فى العلاء أصيلة … لها المجد خدن والسّيادة مركب
تلاقى عليه المطعمون تكرّما … إذا احمرّ أفق بالمجرّة مجدب
من اليمنيّين الذين سما بهم … إلى العزّ بيت فى العلاء مطنّب (^٥)
_________________
(١) فى التيمورية: «بوجهها».
(٢) ثغر أشنب: به شنب- بالتحريك- وهو ماء ورقة وبرد وعذوبة فى الأسنان؛ القاموس ١/ ٨٩.
(٣) فى د: «أنا إن أبت نفسى».
(٤) المقضب- بكسر وسكون- السيف القطاع؛ القاموس ١/ ١١٧.
(٥) مطنب- على صيغة البناء للمفعول- أى مشدود وممدود بالأطناب، والأطناب، جمع طنب- بضمتين-: حبل طويل يشد به سرادق البيت؛ القاموس ١/ ٩٨.
[ ١١٩ ]
قروا تبّعا (^١) بيض المواضى ضحاءة (^٢) … وكوم عشار (^٣) بالعشيّات (^٤) تهضب (^٥)
فرحّله الجود العميم ومنصل (^٦) … له الغمد شرق والذّوائب (^٧) مغرب
هم نصروا والدّين قلّ نصيره (^٨) … وآووا وقد كادت يد الدّين تقضب (^٩)
وخاضوا غمار الموت فى حومة الوغى … فعاد نهارا بالهدى وهو غيهب (^١٠)
/ أولئك قومى حسبى الله مثنيا … عليهم وآى الله تتلى وتكتب
_________________
(١) تبع: واحد التتابعة من ملوك حمير، وسمى تبعا لكثرة أتباعه، وقيل: سموا تبابعة لأن الأخير يتبع الأول منهم فى الملك، وهم سبعون تبعا؛ قال النعمان بن بشير: لنا من بنى قحطان سبعون تبعا … أطاعت لها بالخرج منها الأعاجم وقال عبد الخالق بن أبى الطلح الشهابى: نعد تبابعا سبعين منا … إذا ماعد مكرمة قبيل انظر: منتخبات فى أخبار اليمن/ ١٢.
(٢) الضحاء- بالتذكير والمد- إذا قرب انتصاف النهار؛ القاموس ٤/ ٣٥٤، ولم أجدها بالتأنيث: «ضحاءة».
(٣) الكوم- بضم الكاف- القطعة من الإبل؛ القاموس ٤/ ١٧٣، والعشار- بكسر العين المهملة- قال ثعلب: «العشار من الإبل التى قد أتى عليها عشرة أشهر»، وقيل: «العشار: اسم يقع على النوق حتى ينتج بعضها، وبعضها ينتظر نتاجها»؛ انظر: اللسان ٤/ ٥٧٢، والقاموس ٢/ ٩٠.
(٤) فى س وا وج: «بالعشار» وهو تحريف.
(٥) فى ط خطأ: «يهضب»، وتهضب، بكسر الضاد المعجمة، أى تكثر، قال ابن منظور: «هضبت السماء: دام مطرها أياما لا يقلع- وهضب فلان فى الحديث: إذا اندفع فيه فأكثر، قال الشاعر: لا أكثر القول فيما يهضبون به … من الكلام قليل منه يكفينى وهضب القوم واهتضبوا فى الحديث: خاضوا فيه دفعة بعد دفعة، وارتفعت أصواتهم، يقال: أهضبوا با قوم أى تكلموا، وفى الحديث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا معه فى سفر، فعرسوا ولم ينتبهوا حتى طلعت الشمس، والنبى ﷺ نائم، فقالوا: أهضبوا، معنى أهضبوا تكلموا وأفيضوا فى الحديث لكى يتنبه رسول الله ﷺ بكلامهم، يقال: هضب فى الحديث وأهضب إذا اندفع فيه، كرهوا أن يوقظوه، فأرادوا أن يستبقظ بكلامهم»، انظر: اللسان ١/ ٧٨٥، وانظر أيضا: الصحاح/ ٢٣٨، والنهاية ٤/ ٢٤٩، والقاموس ١/ ١٤٠.
(٦) المنصل- بفتح الصاد المهملة وضمها-: السيف؛ القاموس ٤/ ٥٨.
(٧) الذوائب: جمع ذؤابة، وهى الجلدة المعلقة على آخرة الرحل؛ القاموس ١/ ٦٧.
(٨) فى النسخة ج: «هم نصروا الدين قبل نصيره».
(٩) تقضب: تقطع؛ القاموس ١/ ١١٧.
(١٠) الغيهب: الظلمة كالغيبهان، واغتهب: سار فى الظلام؛ القاموس ١/ ١١٢.
[ ١٢٠ ]
«هذه اليتيمة أيّدك الله ملحة الإمحاض (^١)، وتحكيم الألفاظ فى أبعاض الأغراض، لتسرح مقل الخواطر فى مختلفات الأنواع، ويتنوّع الوارد على القلوب والأسماع، وإلّا فلا تقابل فى الأدوات، وإن وقع التّماثل فى الذّوات، فكالجمع فى التّورية بين السّراج والشّمس، واشتمال الإنسانيّة على القلامة والنّفس، والتّوارد الإدراكىّ بين كلّىّ العقل وجزئىّ الحسّ، وكالعناصر فى افتقار الذّوات إليها، وإن تميّزت الحرارة منها عليها، وكالمشاركة الحيوانيّة فى البضعة اللّسانيّة، واختصاص النّاطقيّة بالذات الإنسانيّة …
«فسيّدنا ثمر الرّوض ونسيمه، وسواه ثراه وهشيمه، وهو زهره وأنداؤه، وغيره شوكه وغثاؤه (^٢)، والبدر نوره وإشراقه، وسواه هلال ليلته ومحاقه، اشتراك فى الأشخاص، وامتياز فى الخواص، ومشابهة فى الأنواع والأجناس، ومغايرة فى العقول والحواس، كالورد والشقيق (^٣)، والبهرمان (^٤) والعقيق (^٥)، تماثلا فى الجوهر والأعراض، وتغايرا فى تمييز الأغراض، فسيّدنا فى كلّ جنس رئيسه، ومن كلّ جوهر نفيسه …
وأمّا حسناء العبد- على مذهبهم فى تسميتهم القبيح بالحسن، والحسن بالقبيح،
_________________
(١) فى ط: «الإحماض» وهو تحريف، والإمحاض: الإخلاص، من أمحضه الود: أخلصه؛ القاموس ٢/ ٣٤٣.
(٢) الغثاء- كغراب- الزبد والهالك والبالى من ورق الشجر المخالط زبد السيل؛ القاموس ٤/ ٣٦٨.
(٣) الذى فى المعاجم «شقائق» النعمان للجمع والمفرد، وقيل للمفرد: شقيقة، سميت لحمرتها تشبيها بشقيقة البرق، وأضيفت إلى ابن المنذر لأنه جاء إلى موضع فيه من الشقائق ما راقه فحماه؛ انظر: القاموس ٣/ ٢٥٠، وانظر مادة «شقق» فى الصحاح واللسان، وانظر أيضا فيما يتعلق بشقائق النعمان: المعتمد فى الأدوية المفردة/ ١٨٥.
(٤) البهرمان: العصفر أو ضرب منه؛ انظر: الجماهر للبيرونى/ ٣٥، والقاموس ٤/ ٨٢، والمعتمد/ ٢٨، والعصفر: نبات يصبغ به؛ انظر: اللسان ٤/ ٥٨١، وانظر أيضا: المعتمد/ ٢٢٦، والقاموس ٢/ ٩١.
(٥) قال المجد: «خرز أحمر يكون باليمن وبسواحل بحر رومية»؛ انظر: القاموس ٣/ ٢٦٦ وفيما يتعلق بالعقيق انظر أيضا: الجماهر للبيرونى/ ١٧٢، والمعتمد/ ٢٢٨.
[ ١٢١ ]
والضّرير بالبصير، والأخرس بالفصيح- فما صدت ولا صدّت عن كاسها، ولا شذّت فى مذهب ولائه عن اطّراد قياسها، ولا زوت عن وجه جلالته وجه إيناسها، ولا جهلت أنّه فى العلوم الشّرعيّة ابن أنسها، وفى المعانى الأدبيّة أبو نواسها، ولا خفى عنها أنّ سيّدنا مجرى اليمين (^١)، وأنّه فى وجه السّيادة إنسان المقلة وغرّة الجبين، والدّرّة فى تاج الجلالة والشّذرة فى العقد الثمين، وأنّه الصّدر الذى يأرز (^٢) العلم إلى صدره، وتفترع عقائل المعانى من فكره، ويأتمّ الهدى ببدره، وتنتهى الهداية إلى سرّه، وأنّها فى الإيمان بمحمّديّته لأمّ عمارة (^٣) لا أمّ عمره (^٤)، وأنّه غاية فخارها، ونهاية إيثارها، وآية نهارها، ومستوطن إفادتها بين شموس فضائلها وأقمارها، فكيف يصدّ وفيه كلّيّة أغراضها، ومنه وعليه جملتها وأبعاضها، وفى محلّه قامت حقائق جواهرها وأعراضها، لكنّها توارت بالحجاب، ولاذت بالاحتجاب، وقرّت بمجلس الكمال، ليكمل ما بها من نقص كمال وكمال عيب، وتجمع بين حقيقتى الشهادة والغيب، وتعرض على الرأى التّقوى سليمة الصّدر/ نقيّة الجيب، وأشهد أنّها جاءت تمشى على استحياء وليست كبنت شعيب …
_________________
(١) كناية عن كرمه وكثرة عطائه.
(٢) أى يرجع ويعود، وفى ط خطأ، «يأزر».
(٣) يريد بها نسيبة- بفتح النون وكسر السين، وقيل بضم النون على التصغير- بنت كعب بن عمرو الأنصارية النجارية، شهدت بيعة العقبة وأحدا وبيعة الرضوان، كما شهدت قتال مسيلمة باليمامة، وجرحت يومئذ اثنتى عشرة جراحة، وقطعت يدها وقتل ولدها، روت عن النبى صلوات الله وسلامه عليه، وروى حديثها الترمذى والنسائى وابن ماجه، وكانت ممن أبلى فى أحد بلاء حسنا، قال فى حقها الرسول ﵇: «ما التفت يوم أحد يمينا ولا شمالا إلا وأراها تقاتل دونى»، وقد توفيت حوالى عام ١٣ هـ؛ انظر: ابن هشام ٣/ ٨٦، و٤/ ١٠٩، وابن سعد ٨/ ٤١٨، وحلية الأولياء ٢/ ٦٤، والاستيعاب/ ١٩٤٨، وصفة الصفوة ٢/ ٣٤، وأسد الغابة ٥/ ٥٥٥ و٦٠٥، والمشتبه/ ٦٤١، وابن كثير ٤/ ٣٤، والتهذيب ١٢/ ٤٥٥، والإصابة ٨/ ١٩٨ و٢٦١، وخلاصة الخزرجى/ ٤٩٦، والأعلام ٨/ ٣٣٤، وأعلام النساء ٥/ ١٧١.
(٤) يريد بها صاحبة عروة بن الورد سلمى، وقال الأصمعى: ليلى بنت شعواء، وقال أبو الفرج: سلمى أم وهب، وكانت فى بنى النضير، استوهبوها من عروة بعد أن سقوه خمرا فوهبها لهم، وكان قد نزل بهم، وقد أجلاها النبى ﷺ مع من أجلى من بنى النضير؛ انظر: ابن هشام ٣/ ٢٠١، والأغانى ٣/ ٧٥.
[ ١٢٢ ]
«هذا ولم تشاهد وجه حسنائه، ولا عاينت سكينة حسنه وهند أسمائه، ولا قابلت نثر فضله وبدر سمائه [أقسم] لقد كاد يصرفها الوجل، ويصدّها الخجل، عالمة أنّ البحر لا يساجل، والشمس لا تماثل، والسيف لا يخاشن، والبدر لا يحاسن، والأسد لا يكعم (^١) والطّود لا يزحم، والسحاب لا يبارى، والبحر (^٢) لا يجارى، وأنّى تبلغ الفلك هامة المتطاول، وأين الثريّا من يد المتناول ..
«تلك معارف استولت على المعالى استيلاءها على المعالم، وشهدت له الفضائل بالسّيادة، شهادة النبوّة بسيادة قيس بن عاصم، ولا خفاء بواضح هذا الصواب، عند مقابله البداية بالجواب …
«أقتصر وللبيان فى بحر فضائله سبح طويل، وللسّعى فى غاياته معرّس (^٣) ومقيل، وللمحامد بتشبيه محاسنه صبابة جميل، وإنّى وإن كنت كثيّر عزّة ودّها إلّا أنّى فى حلبة الفضل لست من فرسان ذلك الرّعيل (^٤)، لا سيّما وقد وردت مشرع (^٥) ألفاظه التى راقت معانيها، ورقّت حواشيها، فأدنت ثمرات الفضائل من يمين جانيها، فجاءت كالنّسيم العليل، والشّذا من نفحة الأصيل، والمشرع البارد والظلّ الظّليل:
طبع تدفّق رقة وسلاسة … كالماء عن متن الصفاء يسيل
والمقلة الحسناء زان جفونها … كحل وأخرى زانها التّكحيل
والرّوضة الغنّاء يحسن عرفها … ويزاد حسنا والنّسيم عليل
والخاطر التّقوّي كمّل ذاته … علما وليس لكامل تكميل
_________________
(١) كعم البعير- كمنع- فهو مكعوم وكعيم: شد فمه لئلا يعض أو يأكل؛ انظر: القاموس ٤/ ١٧٢.
(٢) كذا فى س والتيمورية، وفى بقية الأصول: «والسيل لا يجارى».
(٣) معرس القوم- بالبناء للمفعول- مكان نزولهم آخر الليل؛ القاموس ٢/ ٢٣٠، والمقيل: النوم فى القائلة، أى فى نصف النهار؛ القاموس ٤/ ٤٢.
(٤) الأصل فى الرعيل: القطعة من الخيل القليلة، أو مقدمتها، أو قدر العشرين أو الخمسة والعشرين؛ القاموس ٣/ ٣٨٥.
(٥) المشرع: الشرعة مورد الشاربة؛ القاموس ٣/ ٤٤.
[ ١٢٣ ]
«والله تعالى يبقيه جامعا للعلوم جمع الرّاحة بنانها، رافعا لها رفع القناة سنانها، حافظا لها حفظ العقائد أديانها والقلوب إيمانها:
ليضحى نديما للمعالى كأنّه … نديم صفاء مالك وعقيل (^١)
ويصبح ظلّ الفضل من فئ ظلّه … على كنف الإسلام وهو ظليل
وينشأ أبناء العلوم وكلّهم … لحسنائه فى العالمين جميل
دلالتها فى الفضل من ذات نفسه … وليس على شمس النّهار دليل».
وله من رسالته (^٢) إلى الصاحب شرف الدّين الفائزى من قصيدة أوّلها:
يقبّل أرضا طالما لثم الورى … ثراها وحلّ المجد أكنافها الخضرا
/ أعارت لواء الرّوض بهجة حسنها … وأهدت إلى المسك الزّكىّ به عطرا
إذا أنا بشّرت الأمانى بقربها … تقول هنيئا لى به ولك البشرى
وأنّى تذاكرنا صنائع ربّها … يقول النّدى منها: قفا نبك من ذكرى
ومهما طوت أيّامه نشر فضله … فلله سرّ يحمد الطىّ والنّشرا
وأخبرت أنّه كان له راتب بقوص، وأنّه تأخّر وأنّ الدّيوان السّلطانىّ أرسلوا حملا [من المال] ولمّا جاء مركب الحمل إلى قنا، نزل أخو الشّيخ ضياء الدّين وأخذ راتبهم من الحمل، فلمّا وصلوا بالحمل إلى مصر وجد ناقصا، فأخبر ديوان الباب بما فعل
_________________
(١) مالك وعقيل هما ابنا فارج، اللذان ردا لملك الحيرة جذيمة بن الأبرش ابن أخته المفقود عمرو ابن عدى، فأكرمهما وأحسن إليهما وحكمهما، فسألاه أن يكونا أبدا نديميه ففعل، وبهما يضرب المثل، وإليهما يشير متمم بن نويرة بقوله فى مرثيته لأخيه مالك: وكنا كندمانى جذيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا فلما تفرقنا كأنى ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وإليهما أيضا يشير أبو خراش الهذلى يرثى أخاه عروة: ألم تعلمى أن قد تفرق قبلنا … نديما صفاء مالك وعقيل انظر: الفاخر/ ٥٩، ومجمع الأمثال ٢/ ٧١، والشريشى ٢/ ٣ وسرح العيون/ ٤٠، وبلوغ الأرب ٢/ ١٧٩، وما كتبه «بول Buhl «فى دائرة المعارف الإسلامية ٦/ ٣١٦.
(٢) فى النسختين ا ود: «وله من رسالة».
[ ١٢٤ ]
أخو الشّيخ، فجاء كتاب بالإنكار على والى قوص والدّيوان الذين أخّروا راتب الشّيخ، وأحوجوهم أن فعلوا ذلك (^١).
ولد رحمه الله تعالى فى رابع عشرى رجب سنة اثنين (^٢) وستّمائة بمصر، وكانت وفاته بقنا سنة اثنين وسبعين وستّمائة، كذا أرّخ عبد الغفّار بن عبد الكافى، وقال الشّريف عزّ الدّين: توفّى فى النصف الأوّل من شوّال، وذكر البرزاليّ أنّه توفّى وهو ساجد.