قال الصّلاح الصّفدىّ (^٣): رأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا، وبعضها لم يذكروا معه شهرا، وطلبت الخاصّة فى ذلك فلم أجدهم أتوا بشهر إلاّ مع شهر يكون أوّله حرف راء، مثل شهرى ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان، ولم أدر العلة فى ذلك ما هى؟، ولا وجه المناسبة؟ لأنه كان ينبغى أن يحذف لفظ شهر من هذه المواضع؛ لأنه يجتمع فى ذلك راءان، وهم قد فرّوا (^٤) من ذلك وكتبوا: داود، وناوس، وطاوس، بواو واحدة؛ كراهية (^٥) الجمع بين المثلين. انتهى
_________________
(١) الآية ٨٠.
(٢) الآية ٢٤.
(٣) الوافى بالوفيات ١/ ٢١.
(٤) فى ص: «فرقوا»، وفى ط، ن: «فرقا»، والمثبت فى: الوافى.
(٥) ساقط من: ط، ن، وهو فى: ص، والوافى.
[ ١ / ١٨ ]
وقال الحافظ جلال الدين السّيوطىّ فى كتابه «نظم العقيان، فى أعيان الأعيان (^١)»، بعد نقله كلام الصّفدىّ هذا، قلت: قد تعرّض للمسألة من المتقدّمين ابن درستويه، فى الكتاب «المتمم»، فقال: الشهور كلها مذكّرة إلاّ جمادى، وليس شئ منها يضاف إليه شهر إلاّ شهرا ربيع، وشهر رمضان، قال الله تعالى (^٢): ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
وقال الرّاعى (^٣):
شهرى ربيع ما تذوق لبونهم … إلاّ حموضا وخمة ودويلا (^٤)
فما كان من أسمائها اسما للشهر، أو صفة قامت مقام الاسم، فهو الذى لم يجز أن يضاف الشهر إليه، ولا يذكر معه، كالمحرّم، إنما معناه الشهر المحرّم؛ وهو من الأشهر الحرم، وكصفر، وهو اسم معرفة كزيد، من قولهم: صفر الإناء يصفر صفرا، إذا خلا، وجمادى، وهى معرفة، وليست بصفة، وهى من جمود الماء، ورجب وهو معرّف، مثل صفر، وهو من قولهم: رجبت الشئ. أى عظّمته؛ لأنه أيضا من الأشهر الحرم، وشعبان؛ وهو صفة بمنزلة عطشان، من التشعّب والتفرّق، وشوال، وهو صفة جرت مجرى الاسم، وصارت معرفة، وفيها تشول الإبل، وذى القعدة، وهى صفة قامت مقام الشهر والقعود عن التصرف، كقولك، هذا الرجل ذو الجلسة، فإذا حذفت الرجل قلت: ذو الجلسة، وذى الحجّة مثله، مأخوذ من الحجّ.
وأما الربيعان، ورمضان، فليست بأسماء للشهر، ولا صفات له، فلا بدّ من إضافة شهر إليها، كقولك شهر ربيع، وشهر رمضان، ويدلّك على ذلك أن رمضان فعلان من الرّمضاء،
_________________
(١) نظم العقيان ١٢،١١.
(٢) سورة البقرة ١٨٥.
(٣) البيت فى جمهرة أشعار العرب ٣٤٧ من ملحمته، واللسان (دول) ١١/ ٢٥٤، وانظر شعر الراعى ١٤١.
(٤) الحموض: جمع حمض، ووخمة: ذات وخم، والدويل: اليابس من النبات وغيره، وهو أيضا: الكلأ الذى أتت عليه سنتان. ورواية الجمهرة «وخمة وذبيلا»، والذبيل: اليابس أيضا.
[ ١ / ١٩ ]
كقولك الغليان، وليس الغليان بالشهر ولكنّ الشهر شهر الغليان، وجعل رمضان اسما معرفة للرّمضاء، فلم يصرف (^١) لذلك، فأمّا رواة الحديث فيروون أنه اسم من أسماء الله تعالى.
وربيع إنما هو اسم للغيث، وليس الغيث بالشهر، ولكنّ الشهر شهر غيث، فصار ربيع اسما للغيث معرفة كزيد، فإذا قلت: شهر ربيع (^٢) الأول والآخر، فهما صفتان (^٢) لشهر، وإعرابهما كإعرابه، ولا يكونان صفة لربيع، وإن كان معرفة، لأنه ليس هنا ربيعان، وإنما هو ربيع واحد، وشهرا ربيع، ولو كان كذلك لكانا نكرتين، ولكانا مضافين إلى معرفة، وصارا به معرفة.
انتهى كلام ابن درستويه كما نقله السّيوطىّ.
ويؤخذ منه أن رجب لا يضاف إليه لفظ شهر. كما ذكر الصّفدىّ، فليتأمّل.
وجرت (^٣) العادة بأن يقولوا فى شهر المحرّم: شهر الله. وفى شهر رجب: شهر رجب الفرد، أو الأصمّ، أو الأصبّ، وفى شعبان: المكرّم، وفى رمضان: رمضان المعظّم. وفى شوّال: شوال المبارك، ويؤرّخوا أوّل شوّال بعيد الفطر، وثامن الحجّة/، بيوم التّروية، وتاسعه، بيوم عرفة، وعاشره بعيد النّحر، وتاسع المحرّم بيوم تاسوعاء، وعاشره بيوم عاشوراء.
فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر، ولكن لا بد من ذكر السّنة.