ﷺ (^١)
محمّد رسول الله ﷺ، وحبيبه وصفيّه (^٢) وخيرته من خلقه، وأفضل الأوّلين والآخرين، أبو القاسم (^٣) بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصىّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، الذى قيل فيه (^٤):
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف … كما علا برسول الله عدنان
هذا هو المتّفق على صحّته. ومن هنا الى آدم ﵊ مختلف فيه، ومذكور فى كتب السّير المطوّلة، فمن أراد الوقوف عليه فليراجعها.
ولد ﷺ يوم الاثنين، فى شهر ربيع الأوّل من عام الفيل، قيل: ثانيه، وقيل: ثالثه، وقيل ثانى عشره، وقيل غير ذلك.
يوم أضاء به الزمان وفتّحت … فيه الهداية زهرة الآمال
ومات أبوه وله من العمر ثمانية وعشرون شهرا، وقيل: شهران، وقيل: سبع، وقيل: وهو حمل، وكفله جدّه عبد المطّلب، ثم توفى عبد المطّلب وله ﷺ من العمر إذ ذاك ثمان سنين وشهران وعشرة أيّام، فكفله عمّه أبو طالب.
وماتت أمّه آمنة، وهو ابن أربع سنين، وقيل: ست.
وأرضعته حليمة السّعديّة، وثويبة الأسلميّة، وحضنته أمّ أيمن.
ولما بلغ اثنتى عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام، خرج مع عمّه أبى طالب إلى الشام، فلما بلغ بصرى رآه بحيرى الرّاهب، فعرفه، بصفته، فجاءه وأخذ بيده، وقال: هذا رسول ربّ
_________________
(١) أفاد المصنف فى هذا الفصل من الفصل الذى ساقه الصفدى، فى كتاب الوافى بالوفيات ١/ ٥٦ - ٥٧.
(٢) بعد هذا فى ص زيادة: «وخليله».
(٣) بعد هذا فى ص زيادة: «الأمين».
(٤) نسب الثعالبى هذا البيت لابن الرومى، فى التمثيل والمحاضرة ٢١.
[ ١ / ٤١ ]
العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، إنكم/حين أقبلتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلاّ خرّ ساجدا، ولا يسجد إلاّ لنبىّ، وإنّا نجده فى كتبنا.
وقال لأبى طالب: لئن قدمت به إلى الشام لتقتلنّه اليهود. فردّه خوفا عليه منهم.
ثمّ خرج مرة ثانية إلى الشام، مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد، فى تجارة لها قبل أن يتزوّجها، فلما قدم الشام، نزل تحت ظلّ شجرة قريبا من صومعة راهب، فقال الراهب:
ما نزل تحت ظلّ هذه الشجرة إلا نبىّ.
وكان ميسرة يقول: إذا كان الهاجرة، واشتدّ الحرّ، نزل ملكان يظلاّنه (^١).
ولما رجع من سفره تزوّج خديجة بنت خويلد، وعمره خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيّام، وقيل غير ذلك.
ولمّل بلغ خمسا وثلاثين سنة شهد بنيان الكعبة، ووضع الحجر الأسود بيده.
ونشأ رسول الله ﷺ فى قومه، وقد طهّره الله تعالى من دنس الجاهليّة ومن كل عيب، ومنحه كلّ خلق جميل، حتى لم يكن يعرف من بينهم إلاّ بالأمين؛ لما رأوه من أمانته، وصدق لسانه، وطهارته.
ولمّا بلغ أربعين سنة ويوما بعثه الله بشيرا ونذيرا، وأتاه جبريل ﵇ بغار حراء، فقال: اقرأ.
فقال: ما أنا بقارئ.
قال رسول الله ﷺ: فأخذنى فغطّنى حتى بلغ منّى الجهد، ثمّ أرسلنى، فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
_________________
(١) فى ص: «يظللانه»، والمثبت فى: ط، ن، والوافى بالوفيات.
[ ١ / ٤٢ ]
فقال فى الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ (^١).
وقالت عائشة: رضى الله تعالى عنها: أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى، الرؤيا الصّادقة فى النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح، وحبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه-وهو التعبّد-الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع الى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع لخديجة فيتزوّد لمثلها، حتى جاءه الحقّ. رواه البخارىّ (^٢) ومسلم (^٣).
وكان مبدأ النبوّة فيما ذكر يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأوّل.
ثم حصره أهل مكّة هو وأهل بيته فى الشّعب ثلاث سنين، ثم خرج من الشّعب وله تسع وأربعون سنة.
وبعد ذلك بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوما، مات عمّه أبو طالب.
وماتت خديجة، رضى الله تعالى عنها بعد أبى طالب بثلاثة أيام.
وكانت أوّل من آمن بما جاء به، ثم آمن أبو بكر، ثمّ علىّ بن أبى طالب، وزيد بن حارثة، وبلال رضى الله تعالى عنهم، ثم بعد هؤلاء عمرو بن عبسة السّلمىّ، وخالد بن سعيد ابن العاص، وسعد بن أبى وقّاص، وعثمان بن عفّان، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله ابن عثمان، ثم كان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه تمام الأربعين إسلاما. ذكر ذلك ابن حزم فى «مختصر السيرة (^٤)»
ولما بلغ خمسين سنة وثلاثة أشهر قدم عليه جنّ نصيبين (^٥)، فأسلموا.
ولما بلغ إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر، أسرى به إلى البيت المقدس.
_________________
(١) سورة العلق ١ - ٥.
(٢) صحيح البخارى (باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله ﷺ ١/ ٣.
(٣) صحيح مسلم (باب بدء الوحى إلى رسول الله ﷺ، من كتاب الإيمان) ١/ ١٣٩.
(٤) جوامع السيرة لابن حزم ٥١،٤٦،٤٥.
(٥) نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة، على جادة القوافل من الموصل إلى الشام. معجم البلدان ٤/ ٧٨٧.
[ ١ / ٤٣ ]
روى البخارىّ (^١)، ومسلم (^٢)، (^٣) والتّرمذىّ، والنّسائىّ (^٣)، عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه، أن نبىّ الله ﷺ حدّثهم عن ليلة أسرى به، قال: «بينما أنا فى الحطيم» -وربّما قال: «فى الحجر مضطجع» -ومنهم من قال: «بين النّائم واليقظان»، «إذ أتانى آت»، قال: فسمعته يقول: «فشقّ ما بين هذه إلى هذه». فقيل للجارود/: ما يعنى به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته. وسمعته يقول: من قصّه (^٤) إلى شعرته. «فاستخرج قلبى ثمّ أتيت بطشت من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبى ثمّ حشى، ثمّ دعى بدابّة دون البغل وفوق الحمار» فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ فقال أنس: نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه «فحملت عليه، فانطلق بى جبريل ﵇، حتّى أتى السّماء الدّنيا، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال جبريل. قيل: ومن معك؟ قال:
محمّد. قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجئ جاء» الحديث بطوله. ورأى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ورأى من آيات ربّه الكبرى، ثمّ دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى، وأوحى إليه ما أوحى، وفرضت الصّلاة تلك الليلة، ولمّا أصبح قصّ على قريش ما رأى.
وروى البخارىّ (^٥)، ومسلم (^٦)، والتّرمذىّ (^٧) عن جابر، أنه سمع رسول الله ﷺ، يقول: «لمّا كذبنى قريش قمت إلى الحجر الأسود، فجلا الله لى بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا انظر إليه».
_________________
(١) صحيح البخارى (باب كيف فرضت الصلوات فى الإسراء من كتاب الصلاة) ١/ ٩٧.
(٢) صحيح مسلم (باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات، وفرض الصلوات، من كتاب الإيمان) ١/ ١٤٥. (¬٣ - ٣) بحثت جهد الطاقة فلم أعثر بمكان الحديث فيها.
(٣) فى الأصول: «قصته»، والتصويب فى النهاية ٤/ ٧١، وفيها: القص والقصص، عظم الصدر المغروز فيه شراسيف الأضلاع فى وسطه.
(٤) صحيحه فى (باب سورة بنى إسرائيل، من كتاب التفسير) ٦/ ١٠٤.
(٥) صحيحه بشرح النووى فى (باب الإسراء برسول الله ﷺ، من كتاب الإيمان) ٢/ ٢٣٧.
(٦) سنن الترمذى (بشرح ابن العربى) ٢٩٣،١١/ ٢٩٢، فى (تفسير سورة بنى إسرائيل، من أبواب التفسير)، وفيه: «لما كذبتنى قريش قمت فى الحجر …».
[ ١ / ٤٤ ]
وقد اختلف الناس فى كيفيّة الإسراء، فالأكثرون من طوائف المسلمين متّفقون على أنه بجسده ﷺ، والأقلّون قالوا بروحه.
حكى الطّبرىّ فى «تفسيره» (^١) عن حذيفة، أنه قال: كل ذلك رؤيا. وحكى هذا القول أيضا عن عائشة، وعن معاوية رضى الله تعالى عنهما.
ومنهم من قال بجسده إلى البيت المقدس، ومن هناك إلى السّماوات السّبع بروحه.
قال الصّلاح الصّفدىّ، بعد أن نقل ما ذكرناه من الأقوال، قلت: والصّحيح الأول؛ لأنه قد صحّ أنّ قريشا كذّبته، ولو قال رسول الله ﷺ: رأيت رؤيا، لما كذّب، ولا أنكر ذلك على غيره، فضلا عنه؛ لأن آحاد الناس يرون فى منامهم أنهم ارتقوا إلى السموات. وما ذلك ببدع.
قال: أنشدنى لنفسه الشيخ الإمام شهاب الدّين أبو الثّناء محمود بن سلمان (^٢) بن فهد الحلبىّ الكاتب رحمه الله تعالى قراءة منّى عليه، من جملة قصيدة طويلة، من جملة مجلّدة فيها مدح النبىّ ﷺ:
أسرى إلى الأقصى بجسمك يقظة … لا فى المنام فيقبل التّأويلا
إذ أنكرته قريش قبل ولم تكن … لترى المهول من المنام مهولا
ولمّا بلغ ﷺ ثلاثا وخمسين سنة هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصّدّيق رضى الله تعالى عنه، ومولى أبى بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثىّ.
قال الحافظ عبد الغنىّ، وغيره: وهو كافر، ولم نعرف له إسلاما.
فأقام بالمدينة عشر سنين. وكان يصلّى الى بيت المقدس مدّة إقامته بمكّة، ولا يستدبر الكعبة يجعلها بين يديه، وصلّى إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة سبعة عشر شهرا، أو ستّة عشر شهرا، ولمّا أكمل فى المدينة عشر سنين سوا توفّى وقد بلغ ثلاثا وستين سنة، وقيل غير
_________________
(١) تفسير الطبرى ١٣،١٥/ ١٢.
(٢) فى ط، ن: «سليمان»، وهو خطأ صوابه فى: ص، والوافى بالوفيات ١/ ٦٠، والدرر الكامنة ٥/ ٩٢، وفوات الوفيات ٢/ ٥٦٤.
[ ١ / ٤٥ ]
ذلك، وفيما تقدم من التواريخ خلاف، وكانت وفاته يوم الاثنين، حين اشتدّ الضّحى، لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل، ومرض أربعة عشر يوما، ودفن ليلة الأربعاء.
ولما حضره الموت كان عنده قدح فيه ماء، فجعل يدخل يده فيه ويمسح وجهه ويقول:
«اللهمّ /أعنّى على سكرات الموت». وسجّى ببرد حبرة (^١). وقيل: إن الملائكة سجّته.
وكذّب بعض أصحابه بموته دهشة، يحكى ذلك عن عمر رضى الله تعالى عنه، وأخرس عثمان رضى الله تعالى عنه، وأقعد علىّ رضى الله تعالى عنه، ولم يكن فيهم أثبت من العباس، وأبى بكر رضى الله تعالى عنهما.
ثم إن الناس سمعوا من باب الحجرة: لا تغسّلوه، فإنه طاهر مطهّر. ثمّ سمعوا بعد ذلك:
اغسلوه؛ فإن هذا إبليس، وأنا الخضر، وعزّاهم فقال: إن فى الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، فإن المصاب من حرم الثواب.
واختلفوا فى غسله، هل يكون فى ثيابه أو يجرّد عنها؟
فوضع الله عليهم النّوم، فقال قائل، لا يدرى من هو: اغسلوه فى ثيابه. فانتبهوا، وفعلوا ذلك.
والذين ولوا غسله علىّ والعباس، وولداه الفضل، وقثم، وأسامة وشقران مولياه، وحضرهم أوس بن خولىّ من الأنصار، ونفضه علىّ فلم يخرج منه شئ، فقال: صلّى الله عليك وسلّم، طبت حيّا وميّتا.
وكفّن فى ثلاثة أثواب بيض سحوليّة، ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة.
وصلّى المسلمون عليه أفذاذا، ولم يأمّهم أحد.
_________________
(١) فى ن: «وحبرة»، والمثبت فى: ص، ط، والوافى بالوفيات ١/ ٦٠. والحبرة: ضرب من برود اليمن.
[ ١ / ٤٦ ]
وفرش تحته فى القبر قطيفة حمراء، كان يتغطّى بها. ونزل شقران، وحفر له، وألحد وأطبق عليه تسع لبنات.
واختلفوا: أيلحد، أم يضرح؟.
وكان بالمدينة حفّاران، أحدهما يلحد، وهو أبو طلحة، والآخر يضرح وهو أبو عبيدة، فاتفقوا أن من جاء منهما أولا عمل عليه، فجاء الذى يلحد، فلحد له. ونحّى فراشه، وحفر له مكانه فى بيت عائشة، رضى الله تعالى عنها.
وقال الحافظ عبد الغنىّ: حوّل فراشه.
وكان ابتداء وجعه فى بيت عائشة، واشتدّ أمره فى بيت ميمونة، فطلب من نسائه أن يمرّض فى بيت عائشة رضى الله تعالى عنها، فأذنّ له فى ذلك، وكان ما ابتدأ به من الوجع صداع، وتمادى به، وكان ينفث فى علّته شيئا يشبه أكل الزّبيب، ومات بعد أن خيّره الله تعالى بين البقاء فى الدنيا ولقاء ربّه، فاختار لقاء الله تعالى.
ويروى أن عمر رضى الله تعالى عنه سمع بعد وفاة النبىّ ﷺ يقول، وهو يبكى: بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لقد كان لك جذع تخطب عليه، فلما كثر الناس اتّخذت منبرا تسمعهم، فحنّ الجذع لفراقك، حتى جعلت يدك عليه، فسكن، فأمّتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم.
بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك، أن جعل طاعتك طاعته، فقال تعالى (^١): ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾.
بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أن أخبرك بالعفو عنك، قبل أن يخبرك بذنبك، فقال (^٢): ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.
بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعلك آخر الأنبياء،
_________________
(١) سورة النساء ٨٠.
(٢) سورة التوبة ٤٣.
[ ١ / ٤٧ ]
وذكرك فى أوّلهم، فقال تعالى (^١): ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
بأبى أنت وأمىّ يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أنّ أهل النار يودّون لو يكونوا أطاعوك، بين أطباقها يعذّبون، يقولون (^٢): ﴿يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾.
بأبى أنت وأمّى/يا رسول الله، إن كان موسى بن عمران ﵇، أعطاه الله حجرا تتفجّر منه الأنهار، فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلّى الله عليك وسلّم.
بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، فما ذلك بأعجب من البراق حين سرت عليه إلى السّماء السّابعة، ثمّ صلّيت الصّبح بالأبطح (^٣)، صلّى الله عليك وسلّم.
بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لئن كان عيسى ابن مريم ﵊، أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، فما ذلك بأعجب من الشّاة المسمومة حين كلّمتك وهى مشويّة، فقالت:
لا تأكلنى؛ فإنى مسمومة.
بأبى أنت وأمىّ يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه، فقال (^٤): ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّارًا﴾، ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطئ ظهرك، وأدمى وجهك، وكسرت رباعيتك (^٥)، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: «اللهمّ اغفر لقومى فإنّهم لا يعلمون».
بأبى أنت وأمىّ يا رسول الله، لقد اتّبعك فى قلّة سنّك، وقصر عمرك، ما لم يتبع نوحا فى كبر سنّه، وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل.
_________________
(١) سورة الأحزاب ٧.
(٢) سورة الأحزاب ٦٦.
(٣) الأبطح: هو المحصب، وهو خيف بنى كنانة، يضاف إلى منى، وإلى مكة؛ لأن المسافة بينهما واحدة، وربما كان إلى منى أقرب. معجم البلدان ١/ ٦٢.
(٤) سورة نوح ٢٦.
(٥) الرباعية، بوزن الثمانية: السن التى بين الثنية والناب. المصباح المنير (ر ب ع).
[ ١ / ٤٨ ]
بأبى أنت وأمّى يا رسول الله، لو لم تجالس إلا كفوا ما جالستنا، (^١) ولو لم تنكح إلاّ كفوا ما آكلتنا (^١)، لبست الصّوف، وركبت الحمار، ووضعت طعامك بالأرض، ولعقت أصابعك تواضعا منك صلّى الله عليك وسلم.