يعرف منها فضيلة بيان طبقات الفقهاء، ومراتبهم والاحتياجات إلى ذلك.
رأيتها فى آخر «رسالة» ألّفها الإمام العلامة أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا (^٣). تتعلق الرسالة بالكلام على مسألة دخول ولد البنت فى الموقوف على أولاد الأولاد.
قال رحمه الله تعالى: «لا بدّ للمفتى المقلّد أن يعلم حال من يفتى بقوله، ولا نعنى بذلك معرفته باسمه ونسبه إلى بلد من البلاد، إذ لا يسمن ذلك من جوع ولا يغنى، بل نعنى معرفته
_________________
(١) فى ص: «فوائد مهمة»، والمثبت فى: ط، ن.
(٢) نقله المصنف عن الصفدى، من الوافى بالوفيات ١/ ٤٣.
(٣) تأتى ترجمته، إن شاء الله فى هذا الجزء، برقم ١٩٩.
[ ١ / ٣٢ ]
فى الرّواية، ودرجته فى الدّراية، وطبقته من طبقات الفقهاء، ليكون على بصيرة وافية فى التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية فى الترجيح بين القولين المتعارضين.
فنقول وبالله التوفيق: اعلم أن الفقهاء على سبع طبقات: الأولى، طبقة المجتهدين فى الشرع، كالأئمة الأربعة، ﵃، ومن سلك مسلكهم فى تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع عن الأدلة الأربعة؛ الكتاب والسّنة والإجماع والقياس، على حسب تلك القواعد، من غير تقليد لأحد، لا فى الفروع، ولا فى الأصول.
والثانية: طبقة المجتهدين فى المذهب، كأبى يوسف ومحمد، وسائر أصحاب أبى حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلّة المذكورة على مقتضى القواعد التى قرّرها أستاذهم أبو حنيفة، وإن خالفوه فى بعض الأحكام الفروع، لكن يقلّدونه فى قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين فى المذهب، ويفارقونهم، كالشافعىّ ونظرائه، المخالفين لأبى حنيفة فى الأحكام، غير مقلدين له فى الأصول.
والثالثة: طبقة المجتهدين فى المسائل التى لا رواية فيها عن أصحاب المذهب، كالخصّاف، وأبى جعفر الطّحاوىّ، وأبى الحسن الكرخىّ، وشمس الأئمة الحلوانىّ (^١)، وشمس الأئمة السّرخسىّ، وفخر الإسلام البزدويّ، وفخر الدّين قاضى خان، وأمثالهم؛ فإنهم لا يقدرون على المخالفة لشيخ، لا فى الأصول، ولا فى الفروع، ولكنهم يستنبطون الأحكام فى المسائل التى لا نصّ عنه فيها حسب أصول قرّرها، ومقتضى قواعد بسطها.
والرّابعة:/طبقة أصحاب التّخريج من المقلّدين، كالرّازىّ، وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمأخذ، يقدرون على تفصيل قول مجمل ذى وجهين، وحكم مهمّ محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن واحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم فى الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظرائه من الفروع، وما وقع فى بعض المواضع من «الهداية» من قوله: «كذا فى تخرج الكرخىّ وتخريج الرّازىّ»، من هذا القبيل.
_________________
(١) الحلوانى، هكذا ينسب شمس الأئمة أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن نصر، ويقال له الحلوائى أيضا، وكلا النسبتين بفتح الحاء وسكون اللام، وهى نسبة الى عمل الحلواء وبيعه، وقد ساق اللكنوى فى التعليقات السنية ٩٧،٩٦ بحثا قيما فى هذه النسبة، ورجح أنه الحلوانى، بفتح الحاء، لا الحلوائى.
[ ١ / ٣٣ ]
والخامسة: طبقة أصحاب التّرجيح من المقلّدين، كأبى الحسين القدورىّ، وصاحب «الهداية»، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الرّوايات على بعض آخر، بقولهم: هذا أولى، وهذا أصحّ رواية، وهذا أرفق للناس.
والسّادسة: طبقة المقلّدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقوىّ، والضّعيف، وظاهر المذهب، وظاهر الرّواية، والرّواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخّرين، مثل صاحب «الكنز»، وصاحب «المختار»، وصاحب «الوقاية»، وصاحب «المجمع»، وشأنهم أن لا ينقلوا فى كتبهم الأقوال المردودة، والروايات الضّعيفة.
والسّابعة: طبقة المقلّدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرّقون بين الغثّ والسّمين، ولا يميّزون الشّمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون، كحاطب الليل، فالويل لهم ولمن قلّدهم كلّ الويل».
انتهى ما قاله ابن كمال باشا بحروفه، وهو تقسيم حسن جدّا.