يتعيّن إيرادها، ولا يستغنى عنها، نقلتها من خطّ المولى العلاّمة على چلبى بن أمر الله الشّهير بقنالى زاده، رحمه الله تعالى.
اعلم، وفّقك الله تعالى، أن مسائل أصحابنا الحنفيّة، رحمهم الله تعالى، على ثلاث طبقات:
الأولى: مسائل الأصول، وتسمّى ظاهر الرّواية أيضا، وهى مسائل رويت عن أصحاب المذاهب، وهم أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمّد، رحمهم الله تعالى، لكن الغالب الشائع فى ظاهر الرّواية، أن يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم.
ثمّ هذه المسائل التى تسمّى بظاهر الرّواية والأصول، هى ما وجد فى كتب محمّد التى هى: «المبسوط»، و«الزيادات»، و«الجامع الصّغير»، و«الجامع الكبير»، و«السّير».
وإنما سمّيت بظاهرة الرّواية، لأنها رويت عن محمّد بروايات الثّقات، فهى ثابتة عنه؛ إمّا متواترة، أو مشهورة.
[ ١ / ٣٤ ]
الثانية: مسائل النوادر، وهى مسائل مرويّة عن أصحاب المذاهب المذكورين، لكن لا فى الكتب المذكورة؛ إمّا فى كتب أخر لمحمّد غيرها، ك «الكيسانيّات»، و«الهارونيّات»، و«الجرجانيّات»، و«الرّقّيات».
وإنما قيل لها غير ظاهرة الرّواية؛ لأنها لم ترد عن محمّد بروايات ظاهرة ثابتة صحيحة كالكتب الأولى، وإمّا فى كتب غير كتب محمّد ككتاب «المجرّد» للحسن بن زياد، وغيره.
ومنها كتب «الأمالى» المرويّة عن أبى يوسف، والإملاء أن يقعد العالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيقول بما فتحه الله عليه من ظهر قلبه، وتكتبه التلامذة، ثم يجمعون ما يكتبونه فى المجالس، ويصير كتابا فيسمّونه الإملاء والأمالى.
وكان ذلك عادة لعلماء/السّلف من الفقهاء، والمحدّثين، وأصحاب العربيّة، فاندرست لذهاب العلم وأهله، وإلى الله تعالى المصير.
وإمّا بروايات مفردة، مثل رواية ابن سماعة، ومعلّى بن منصور، وغيرها، فى مسائل معيّنة.
والثالثة: الفتاوى، وتسمّى الواقعات أيضا، وهى مسائل استنبطها المجتهدون المتأخّرون لما سئل منهم، ولم يجدوا فيها رواية عن أصحاب المذهب، وهم أصحاب أبى يوسف ومحمّد، وأصحاب أصحابهما، وهلمّ جرّا، وهم كثيرون، موضع ضبطهم كتاب «الطبقات» لأصحابنا.
وغالب من ينقل عنهم المسائل أصحاب أبى يوسف ومحمّد، كمحمّد بن سلمة، ونصير ابن يحيى، وأبى القاسم الصّفّار.
ومن (^١) أصحاب أبى يوسف، مثل عصام بن يوسف، وابن رستم.
ومن أصحاب محمد، مثل أبى حفص البخارىّ، وكثيرين.
_________________
(١) من هنا إلى نهاية الفصل زيادة فى: ص، لم ترد فى سائر الأصول.
[ ١ / ٣٥ ]
وقد يتّفق لهؤلاء العلماء أن يخالفوا أصحاب المذاهب، لدلائل وأسباب ظهرت لهم بعدهم.
وأول كتاب جمع فى فتاويهم كتاب «النوازل» للفقيه أبى الليث السّمرقندىّ، وكذلك «العيون» له؛ فإنه جمع صور فتاوى جماعة من المشايخ، ممّن أدركهم بقوله: سئل أبو القاسم فى رجل كذا أو كذا، فقال: كذا وكذا. سئل محمد بن سلمة عن رجل كذا وكذا، فقال:
كذا أو كذا. وهكذا.
ثم جمع المشايخ بعده كتبا أخر فى الفتاوى ك «مجموع النوازل والواقعات» للنّاطفىّ، و«الواقعات» للصدر الشهيد، رحمه الله تعالى.
ثم جمع المتأخّرون هذه المسائل فى فتاواهم وكتبهم مختلطة، غير متميّزة، كما فى «جامع قاضى خان»، «الخلاصة»، وغيرهما.
وميّز بعضهم كما فى كتاب «المحيط» لرضىّ الدين السّرخسىّ؛ فإنه ذكر أولا مسائل الأصول، ثم النوادر، ثم الفتاوى، ونعم ما فعل.
واعلم أن من كتب الأصول، كتاب «الكافى» للحاكم الشهيد، وهو كتاب معتمد فى نقل المذهب.
وشرحه جماعة من المشايخ منهم: الإمام شمس الأئمّة السّرخسىّ وهو «مبسوط» السّرخسىّ، والإمام القاضى الإسبيجابىّ (^١)، وغيرهما.
ومن كتب المذهب «المنتقى» له أيضا، إلا أن فيه بعض النوادر؛ ولهذا يذكره صاحب «المحيط» بعد ذكره النوادر معنونا بالمنتقى، ولا يوجد «المنتقى» فى هذه الأعصار.
واعلم أيضا أن نسخ «المبسوط» المروىّ عن محمد متعددة، وأظهرها مبسوط أبى سليمان الجوزجانىّ.
وشرح «المبسوط» المتأخّرون، مثل شيخ الإسلام أبى بكر المعروف بخواهرزاده، ويسمى «المبسوط البكرىّ» والصدر الشهيد وغيرهما، ومبسوطهم شروح فى الحقيقة،
_________________
(١) نسبة إلى أسبيجاب، ويقال لها أسفيجاب، وهى بلدة كبيرة من أعيان بلاد ما وراء النهر، فى حدود تركستان. معجم البلدان ١/ ٢٤٩، وانظره فى ١/ ٢٣٧.
[ ١ / ٣٦ ]
ذكرها مختلطة بمبسوط محمد، كما فعل شرّاح «الجامع الصغير»، مثل فخر الإسلام، وشيخ الإسلام، وقاضى خان، وغيرهم.
وقد يقال: ذكره قاضى خان، فى «الجامع الصغير»، والمراد شرحه، وكذا غيره، فاعلم ذلك، والله أعلم.
فصل