من إرادتهم إيّاه على القضاء
وامتناعه من قبوله، وضربهم إيّاه بالسّياط على ذلك
رحمه الله تعالى
روى الخطيب (^٥) بسنده، أن ابن هبيرة (^٦) كلّم أبا حنيفة أن يلى قضاء الكوفة، فأبى
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٨.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٨.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٩.
(٤) ساقط من: ط، ن، وهو فى: ص، وتاريخ بغداد.
(٥) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٦، وانظر فى هذا الفصل أيضا مناقب الإمام الأعظم،٢/ ١٦٩ وما بعدها.
(٦) يعنى أبا خالد يزيد بن عمر بن هبيرة، والى مروان بن محمد على العراقين. قتل سنة اثنتين وثلاثين ومائة. تاريخ الإسلام ٥/ ٣١٥، وفيات الأعيان ٥/ ٣٥٧.
[ ١ / ١٠٣ ]
عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلمّا رأى ذلك خلّى سبيله.
وكان ابن هبيرة إذ ذاك عامل مروان على العراق، فى زمان بنى أميّة.
وروى الخطيب أيضا (^١)، أنه كان يخرجه كلّ يوم، أو بين الأيّام، فيضرب، ليدخل فى القضاء، فيأبى.
ولقد بكى فى بعض الأيّام، فلما أطلق، قال: كان غمّ والدتى أشدّ علىّ من الضّرب.
وكان أحمد بن حنبل (^١) إذا ذكر له ذلك بكى، وترحّم عليه، خصوصا بعد أن ضرب هو أيضا.
وروى عن إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة، أنه قال: مررت مع أبى بالكناسة (^٢)، فبكى، فقلت: ما يبكيك يا أبت؟
قال: يا بنىّ، فى هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبى عشرة أيّام، فى كل يوم عشرة أسواط، على أن يلى القضاء، فلم يفعل.
وروى الخطيب (^٣) بسنده، عن بشر بن الوليد الكندىّ، قال: أشخص أبو جعفر المنصور أبا حنيفة من الكوفة، فأراده على أن يولّيه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل (^٣)، فحلف المنصور ليفعلنّ، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل (^٤)، فقال الربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف!
فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفّارة أيمانه أقدر منّى على كفّارة أيمانى.
فأبى أن يلى، فأمر به إلى الحبس فى الوقت.
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٧.
(٢) الكناسة: القمامة، وموضعها، وهى محلة بالكوفة. معجم البلدان ٤/ ٣٠٧، القاموس (ك ن س).
(٣) تاريخ بغداد ٣٢٨،١٣/ ٣٢٧.
(٤) ساقط من: ط، ن، وهو فى: ص، وتاريخ بغداد.
[ ١ / ١٠٤ ]
وروى (^١) أنّ أبا جعفر المنصور بعد أن حبسه دعاه يوما، وقال له: أترغب عن ما نحن فيه؟.
فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، لا أصلح للقضاء.
فقال له: كذبت.
ثم عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة: قد حكم علىّ أمير المؤمنين أنّى لا أصلح للقضاء، لأنّه نسبنى إلى الكذب، فإن كنت كاذبا فلا أصلح، وإن كنت صادقا فقد أخبرت أمير المؤمنين أنّى لا أصلح.
فلم يقبل منه وردّه إلى الحبس، فأقام به إلى أن مات فيه، على الصحيح من الرّوايات.
وحدّث عبّاس الدّورىّ (^٢)، قال: حدّثونا عن المنصور، أنه لما بنى مدينته، ونزلها، ونزل المهدىّ فى الجانب الشّرقىّ، وبنى مسجد الرّصافة، أرسل إلى أبى حنيفة، فجئ به، فعرض عليه قضاء الرّصافة، فأبى. فقال: إن لم تفعل ضربتك بالسّياط.
قال: أو تفعل؟!
قال: نعم.
فقعد فى القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان فى اليوم الثالث أتاه رجل صفّار ومعه آخر، فقال الصّفار: لى على هذا درهمان وأربعة دوانيق، ثمن تور (^٣) صفر.
فقال أبو حنيفة: اتّق الله، وانظر فيما يقول الصفّار.
قال: ليس له علىّ شئ.
فقال أبو حنيفة للصّفّار: ما تقول؟
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٨.
(٢) فى الأصول: «الدورقى»، وهو خطأ، صوابه فى تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٩.
(٣) التور: إناء يشرب فيه. القاموس (ت ور).
[ ١ / ١٠٥ ]
قال: استحلفه.
فقال أبو حنيفة للرجل: قل والله الذى لا إله إلا هو. فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة عازما على أن يحلف، قطع عليه، وضرب بيده إلى كمّة فحلّ صرّة، وأخرج درهمين ثقيلين، فقال للصّفّار: هذان عوض من باقى تورك.
فنظر الصّفّار إليهما، وقال: نعم. فأخذ الدّرهمين.
فلما كان بعد يومين، اشتكى أبو حنيفة، فمرض ستة أيّام، ثم مات، رحمه الله تعالى، ورضى عنه.
قال عبّاس: وهذا قبره فى مقابر الخيزران/إذا دخلت من باب القطّانين يسرة، بعد قبرين أو ثلاثة.
وقيل (^١): إن المنصور أقدمه بغداد لأمر آخر غير القضاء.
وقيل (^٢): إنه أقام بعد قدومه إلى بغداد خمسة عشر يوما، ثمّ سقاه المنصور، فمات، رحمه الله تعالى، ورضى الله عنه، وذلك فى سنة خمسين ومائة، وله من العمر سبعون سنة.
فصل