أبى حنيفة، ﵁، وشنّعوا بها عليه،
وما أجيب به عنه، وذكر بعض ما مدح به من
الشّعر، وما نسب إليه، وما تمثل به منه، وغير ذلك
قال قاضى القضاة ابن خلّكان، فى «وفيات الأعيان» (^٥)، بعد أن ذكر طرفا صالحا
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧، ومناقب الكردرى ١/ ٢٦٥، ومناقب الإمام الأعظم ١٦،٢/ ١٠.
(٢) هذان البيتان، فى المختار من شعر بشار ٦٧، وتخريجهما فى حاشيته، وهما فى ذيل الجواهر المضية ٢/ ٤٩٨.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧، ومناقب الكردرى ١/ ٢٦٦، ومناقب الإمام الأعظم ٢/ ١١، وذيل الجواهر المضية ٢/ ٤٩٨.
(٤) وصدر البيت فى المناقب: «هم يحسدونى وشر الناس منزلة».
(٥) وفيات الأعيان ٥/ ٤١٣.
[ ١ / ١١٥ ]
من مناقب الإمام رضى الله تعالى عنه: ومناقبه وفضائله كثيرة، وقد ذكر الخطيب فى «تاريخه» (^١) منها شيئا كثيرا، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق تركه والإضراب عنه، فمثل هذا الامام لا يشكّ فى دينه، ولا فى ورعه وتحفّظه، ولم يكن يعاب بشيء سوى قلّة العربيّة.
*فمن ذلك ما روى (^٢) أن أبا عمرو بن العلاء سأله عن القتل بالمثقل هل يستوجب القود أم لا؟
فقال: لا. كما هو قاعدة مذهبه، خلافا للإمام الشّافعىّ.
فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق؟.
فقال: ولو قتله بأبا قبيس.
يعنى الجبل المطلّ على مكّة، حرسها الله تعالى.
قال: وقد اعتذروا عن أبى حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يقول: إن الكلمات السّت المعربة بالحروف «أبوه، وأخوه، وحموه، وهنوه، وفوه، وذو مال» إن إعرابها يكون فى الأحوال (^٣) بالألف. وأنشدوا على ذلك (^٤):
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا فى المجد غايتاها
وهى لغة الكوفيّين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، فهى لغته. انتهى كلام ابن خلّكان.
قلت: وهو مع ما اشتمل عليه من الصّواب فى الجواب لا يخلو من شائبة التّعصّب، حيث جزم بأنّ الإمام رضى الله تعالى عنه كان قليل العربيّة، بمجرّد كلمة صدرت منه على لغة أهل بلده، واستعملها غير واحد ممّن يحتجّ بقوله فى شعره، والحال أنه لم ينقل عن أحد من أهل اللغة وحملة العربيّة، أنه قال: إن كلّ من تكلّم بكلمة غير فصيحة فى عرض
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٨٦ - ٣٩٤.
(٢) روى الخطيب بعض هذا الخبر، فى تاريخ بغداد ١٣/ ٤١٢.
(٣) فى وفيات الأعيان بعد هذا زيادة: «الثلاث».
(٤) وهو لأبى النجم الفضل بن قدامة العجلى. انظر شواهد القطر للشربينى ٤٢، وشرح الشواهد للعينى ١/ ٧٠.
[ ١ / ١١٦ ]
كلامه، على لغة أهل بلده وهى غير شاذّة/، ولم يدوّنها فى كتاب من كتبه، يكون لحّانا قليل العربيّة. هذا الإمام الشافعىّ رحمه الله تعالى، مع كونه ممّن يحتجّ بقوله فى اللغة، قال فى بعض تآليفه: «ماء عذب أو مالح»، فقال: «مالح» ولم يقل «ملح» وهى لغة شاذّة، أنكرها أكثر أهل اللغة، ولم يقل أحد فى حقّه بسبب ذلك، إنه كان قليل العربيّة واللغة، ولكن جرى الأمر فى ذلك على قول الشاعر (^١):
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة … كما أنّ عين السّخط تبدى المساويا
وقد ذكر بعض من صنّف فى مناقب الإمام الأعظم، فى حقّ الإمام الشافعىّ من مثل هذه المؤاخذات شيئا كثيرا، أضربنا عن ذكره؛ لعدم الفائدة، ولأنّ الأليق بكلّ إنسان أن يكفّ لسانه عن التكلّم فى حقّ مثل هؤلاء الأئمة، الذين اتّفق الناس على علمهم، وصلاحهم، وعلوّ مقامهم، إلاّ بخير؛ فإنه قلّما أطلق أحد لسانه فى حق السّلف، إلاّ وعجّلت له النّكبة فى الدنيا قبل الآخرة، عصمنا الله من ذلك بمنّه وكرمه.
*** ومن جملة التّشنيعات (^٢) فى حقّ الإمام، رضى الله تعالى عنه (^٣)، قول بعض الحسّاد: إنه كان قليل الرّواية، وليس له إحاطة بكثير من الأحاديث والآثار، كغيره من مجتهدى عصره، ومن تأخّر بقليل عنهم.
والجواب عن ذلك هو المنع؛ بدليل أنّ أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، كان أكثر الناس تفريعا للأحكام، ووضعا للمسائل، وكثرة الفروع تدلّ على كثرة الأصول، وصحّتها على صحّتها، وقد سلّموا أن أبا حنيفة أقوى فى القياس من غيره، وأعرف به من سواه، وإنما يقاس على الكتاب والأثر، وكثرة قياسه فى المسائل تدلّ على كثرة اطّلاعه على الآثار، وكثرة إحاطته بها.
وإنما قلّت الرّواية عنه لما ذكرناه سابقا، من كونه كان يشترط فى جواز الرّواية حفظ الرّاوى لما يرويه من يوم سمعه إلى يوم يحدّث به، ولأنه صاحب مذهب، نصب نفسه
_________________
(١) هذا البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وهو فى العقد الفريد ٢/ ٣٤٨.
(٢) انظر تاريخ بغداد ١٣/ ٤٢٠.
(٣) ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن.
[ ١ / ١١٧ ]
لتدوين الفقه، وإثبات الأحكام، وتفقيه الناس وإفتائهم، وهذا لا يدلّ على أن ما كان يرويه عن غيره، عن النبىّ ﷺ كان قليلا؛ لأن صاحب المقالة والمذهب، إذا أنهى إليه الخبر، أخذ حكمه المشتمل عليه، فدوّنه، وأثبته عنده، وجعله أصلا ليقيس عليه نظائره؛ فمرّة يفتى بحكمه ولا يروى الخبر، فيخرجه على وجه الفتوى، فيقف لفظ الخبر، وينقطع عنده. وكذا فعل أكثر فقهاء الصّحابة؛ كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وزيد، وغيرهما من فقهاء الصّحابة، ﵃.
ويدلّك على هذا، أن الخلفاء الأربعة صحبوا رسول الله ﷺ من مبعثه إلى وفاته، وكانو لا يكادون يفارقونه فى سفر ولا حضر، وكذلك عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر؛ وأبو هريرة أكثر رواية منهم، وإنما صحب النبىّ ﷺ نحو سنتين؛ لأنه تأخّر إسلامه، أفتراه سمع من رسول الله ﷺ أكثر ممّا سمع هؤلاء، أو شاهد أكثر ممّا شاهد هؤلاء!!، وقد روى الناس عنه أكثر ممّا رووا عنهم!! وإنما كان كذلك؛ لأن الخلفاء الرّاشدين، ﵃، كانوا فقهاء الصّحابة، وكانوا أصحاب مقالات ومذاهب، وكذلك عبد الله بن مسعود، وكانوا يفتون بكلّ علم صدر عن قول رسول الله صلّى الله/عليه وسلّم أو عن فعله، فيخرجونه على وجه الفتوى، ولا يروونه، وربّما رواه البعض منهم عند احتياجه إلى الاحتجاج به على غيره ممّن خالفه من نظرائه.
وهذا هو المعنىّ فى قلّة رواية ذى المقالة والمذهب عن النبىّ ﷺ للناس، وقلّة روايتهم عنه.
وأمّا هو (^١) فقد سمع من الأخبار، وجمع ما لم يحط به غيره؛ فإنّ الأخبار منها ناسخ ومنسوخ، ومثبت وناف، وحاظر ومبيح، ونحو ذلك، فإذا ورد جميع ذلك إلى صاحب المقالة نظر فيها، وأخذ بالنّاسخ منها، وهو المتأخّر، فإن لم يعلم المتأخّر، أخذ بأرجحهما عنده، وترك الآخر، فإذا أخذ المتأخّر أو ما رجح عنده، فربمّا رواه، وربّما أفتى بحكمه، ولم يروه، وأسقط ما نافاه، ولم يلتفت اليه، وأصحاب الحديث يروون الجميع؛ فلهذا قلّت رواية الخلفاء الأربعة، ومن بعدهم من الفقهاء.
_________________
(١) ساقط من: ط، وهو فى: ص، ن.
[ ١ / ١١٨ ]
وقد يرد أيضا الخبر من طرق كثيرة، فيقتصر صاحب المذهب منه على أصحّ الطّرق، فيرويه منها، وربّما أفتى بحكمه ولم يروه. وأصحاب الحديث يروونه من جميع طرقه، فلهذا قلّت الرواية عن الفقهاء أولى المقالات.
قال أبو بكر عتيق بن داود اليمانىّ: فإن قال قائل: قد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «بلّغوا عنّى ولو آية»، وقال ﵊: «نضّر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها، ثمّ أدّاها إلى من لم يسمعها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه». قيل له: إذا أفتى بما قال النبىّ ﷺ، أو بما فعل، فقد بلّغ أشدّ التّبليغ؛ لأنّ صاحب المقالة والمذهب، يلزمه أن لا يروى جميع الأخبار المتنافية، لأن ذلك يؤدّى إلى تحيّر من يستفتى، ولا يحصل له التخلّص ممّا نزل به من الحادثة، فإذا أفتاه بالصّحيح عنده، أو رواه، حصلت للمستفتى الفائدة، وفى هذا كفاية لكل ذى بصر.
فهذا يدلّ على أن قلّة الرّواية عنه، لا تدلّ على قلّة ما نقله من الأخبار والآثار، عن النبىّ ﷺ. انتهى.
هذا، ولئن سلّم ما زعمه المشنّع من قلّة الرّواية، فجوابه أنّا نقول: قال أبو عمر بن عبد البرّ (^١): الذى عليه جماعة [فقهاء] المسلمين وعلمائهم ذمّ الإكثار-يعنى من الحديث -دون تفقّه ولا تدبّر، فالمكثر لا يأمن من مواقعة (^٢) الكذب على رسول الله، ﷺ (^٣).
ثمّ روى بسنده، عن قتادة، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إيّاكم وكثرة الحديث، ومن قال عنّى فلا يقولنّ إلاّ حقّا».
وروى بسنده أيضا، عن وهب بن بقيّة (^٤)، قال: سمعت خالد بن عبد الله، يقول:
سمعت ابن شبرمة، يقول: أقلل الرّواية تفقه.
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٢٤، وما بين المعقوفتين زيادة منه.
(٢) فى الأصول: «من موافقة»، والمثبت فى جامع بيان العلم وفضله.
(٣) زاد ابن عبد البر بعد هذا: «لروايته عمن يؤمن وعمن لا يؤمن».
(٤) فى الأصول: «منبه»، والمثبت فى جامع بيان العلم وفضله.
[ ١ / ١١٩ ]
وقال أيضا (^١): أمّا طلب الحديث على ما يطلبه (^٢) كثير من أهل عصرنا [اليوم]، دون نفقّه فيه، ولا تدبّر لمعانيه، فمكروه عند جماعة أهل العلم.
ثمّ ذكر (^٣) بعد كلام طويل، قول الأعمش لأبى يوسف: أنتم الأطبّاء ونحن الصّيادلة.
ومن ها هنا قال التّرمذىّ: إنّ من يحمل الحديث ولا يعرف فيه التأويل كالصّيدلانىّ.
وعن ابن المبارك، أنه قال: ليكن الذى تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأى ما يفسّر لك الحديث.
ولله درّ بعضهم حيث يقول:
إن الرّواة على جهل بما حملوا … مثل الجمال عليها يحمل الودع
/لا الودع ينفعه حمل الجمال له … ولا الجمال بحمل الودع تنتفع
وقال ابن أبى ليلى: لا يفقه الرجل فى الحديث حتى يأخذ منه ويدع.
*** ومن التّشنيعات أيضا، قولهم: إن مذهب أبى حنيفة فى موضوعه مخالف لما عليه أساس الإمارة والإمامة، ولا يوافق فى كثير من فروعه للأمراء والأئمّة.
والجواب عن ذلك هو المنع، بل مذهبه أوفق للإمامة والإمارة، والأصلح للولاة والأئمّة.
والدّليل على ذلك، ما ذكرناه سابقا (^٤) من الجواب عنه لأبى جعفر المنصور فى مسألة الاستثناء المنفصل، وخلافه فيه لابن عبّاس؛ فإنه أوفق للإمامة والإمارة، بخلاف مذهب غيره.
وكان بعض السّلف يقول: لا يزال الإسلام مشيّد الأركان ما بقى له ثلاثة أشياء:
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٢٧، وما بين المعقوفتين زيادة منه.
(٢) فى ص: «يطلقه»، وفى ط: «يطلعه»، والمثبت فى: ن.
(٣) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٣١.
(٤) انظر ما تقدم فى صفحة ١١٢.
[ ١ / ١٢٠ ]
الكعبة، والدّولة العبّاسيّة، والفتيا على مذهب أبى حنيفة. فلولا الموافقة بين الدولة العباسيّة ومذهب أبى حنيفة ما قرن بينها.
وقال بعض الشعراء فى ذلك:
أبو حنيفة فاق الناس كلّهم … فى العلم والزّهد والعلياء والباس
له الإمامة فى الدّنيا مسلّمة … كما الخلافة فى أولاد عبّاس
وسمّاهما بعض السّلف التّوأمين؛ لاتّفاقهما فى الموضوع، وظهورهما فى زمن واحد.
وكيف يجوز أن يدّعى أن أبا حنيفة على خلاف الإمامة مع ما ذكرناه عنه سابقا، حين منع من الفتوى (^١)، وسألته ابنته عن مسألة فقال لها: سلى أخاك؛ فإن الأمير (^٢) منعنى من الفتيا.
فلم يرض لنفسه أن يعمل بخلاف سلطان زمانه فى جواب مسألة.
والذى يدلّ على صحّة ذلك أنّ من صفة الإمامة أن يكون الإمام غالبا، قاهرا، نافذ الأمر، جائز التصرّف فى مملكته، مطلق اليد فى الرّعيّة. وعلى مذهب أبى حنيفة كلّ هذا مفوّض إلى الأئمّة أينما نزلوا، ومذهب المخالفين ليس على هذه الصّفة.
وبيان ذلك فى مسائل كثيرة من فروع الفقه، لا بأس بذكر بعضها فى هذا الموضوع للإيضاح.
*مسألة، من له أرض خراجيّة، عجز عن زراعتها، وأداء خراجها.
قال أبو حنيفة: للإمام أن يؤجّرها من غيره، ويأخذ الخراج من أجرتها، سواء رضى بذلك صاحبها أم لم يرض.
وقال الشافعىّ: ليس للإمام ذلك.
_________________
(١) انظر ما تقدم فى صفحة ٩٥،٩٤.
(٢) فى ط: «أمير المؤمنين»، والمثبت فى: ص، ن.
[ ١ / ١٢١ ]
*مسألة، إذا فتح السّلطان بلدة من بلاد الكفار، فأراد أن يمنّ عليهم ويقرّهم على أملاكهم، ويضع الجزية على رءوسهم، ولا يقسمها بين الأجناد.
قال أبو حنيفة: له أن يفعل ذلك، سواء رضى الجند بذلك أم لم يرضوا.
وقال الشافعىّ: ليس له ذلك إلا برضى الجند، وعليه أن يقسمها بين الغانمين.
وهذه مسألة نفيسة، والعمل بها على مذهبنا.
*مسألة، السّلب فى حال القتال لا يكون للقاتل عند أبى حنيفة، إلا أن يكون الإمام قال قبل ذلك: من قتل قتيلا فله سلبه.
وقال الشافعىّ: السّلب للقاتل، سواء قال الإمام ذلك أو لم يقل.
*مسألة، من عزّره الإمام؛ لاستحقاقه التعزيز، فمات فى تعزيره.
قال أبو حنيفة: لا ضمان/عليه، ودمه هدر.
وقال الشافعىّ: يجب عليه الضّمان.
*مسألة، من أحيا أرضا مواتا.
قال أبو حنيفة: إن أحياها بإذن الإمام ملكها.
وقال الشافعىّ: يملكها، ولا يحتاج إلى إذن الإمام.
*مسألة، إذا كان للرجل عبد، فزنى، أو شرب خمرا، لا يقيم مولاه عليه الحدّ إلاّ بإذن الإمام.
وقال الشافعىّ: يقيم مولاه، ولا يحتاج إلى إذن الإمام.
وهو افتيات على السّلطان فى ولايته؛ قال ﵊: «الحدود للولاة».
*مسألة، إذا كان للرجل سوائم، وحال عليها الحول، وأدّى صاحبها زكاتها.
قال أبو حنيفة: للسلطان أن يأخذ زكاتها ثانيا (^١)، ويصرفها إلى الفقراء.
_________________
(١) زيادة من: ص، على ما فى: ط، ن.
[ ١ / ١٢٢ ]
وقال الشافعىّ: ليس للسّلطان ذلك.
وهو افتيات على السّلطان أيضا؛ فإن القبض فى الأموال الظاهرة له، لا إلى أصحاب الأموال.
*مسألة، أهل مصر خرجوا إلى المصلّى يوم العيد، وأرادوا أن يصلّوا العيد.
قال أبو حنيفة: إن كان السلطان أو نائبه معهم جاز (^١)، وإلا فلا.
وقال الشافعىّ: يجوز، ولا يحتاج إلى حضور السّلطان ولا نائبه.
*مسألة، رجل قتل لقيطا متعمّدا.
قال أبو حنيفة: للسّلطان ولاية استيفاء القصاص من قاتله.
وقال الشافعىّ: ليس عليه ذلك.
*مسألة، رجل مات، فحضر السّلطان وأولياء الميت جنازته.
قال أبو حنيفة: السّلطان أحقّ بالتّقديم للصّلاة عليه من الأولياء.
وقال الشافعىّ: الأولياء أحقّ.
*مسألة، الجزية إذا أخذت على مذهبنا حصل أكثر ممّا أخذت على مذهبه، وكان أنفع لبيت المال؛ فإنّ عندنا يوضع على الغنىّ الظاهر الغنى فى كلّ سنة ثمانية وأربعون درهما، وعلى المتوسّط الغنى أربعة وعشرون درهما، وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهما، وتؤخذ سلفا، وعنده على كل شخص دينار، والدّينار عشرة دراهم، فظهر التفاوت بينهما.
*مسألة، الإمام إذا أخذ صدقات أموال الناس، ثم أراد أن يمنع أعيان الصدقة، ويدفع أبدالها وأثمانها إلى الفقراء.
قال أبو حنيفة: له فعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة.
_________________
(١) بعد هذا فى ص زيادة: «لهم»، والمثبت فى: ط، ن.
[ ١ / ١٢٣ ]
وقال الشافعىّ: ليس له ذلك.
*مسألة، السّلطان إذا احتاج إلى تقويه الجيش، فأخذ من أرباب الأموال ما يكفيه من غير رضاهم، له ذلك.
ومثل هذه المسائل كثيرة، قلّ أن تحصر فى مصنّف، وفيما ذكرناه منها كفاية للمنصف؛ فإنه إذا تأمّل ما أوردناه، ونظر بعين الإنصاف إلى ما قرّرناه، ظهر له أن مذهبنا أوفق للإمامة من غيره، وأكثر تفويضا للأئمّة من سواه، والله الموفّق للصّواب.
*** ومن التّشنيعات أيضا، قولهم: إنّه قدّم القياس الذى اختلف الناس فى كونه حجّة على الأخبار الصّحيحة، التى اتّفق العلماء على كونها حجّة.
والجواب/أن هذا القول (^١) زعم منهم، فإن أبا حنيفة أخذ بكتاب الله تعالى، ثم بسنّة رسول الله ﷺ، ثم بما اتّفقت عليه الصحابة، ثم بما جاء عن واحد من الصّحابة، وثبت ذلك واشتهر ولم يظهر له فيه مخالف، وإن كان أمرا اختلف فيه الصّحابة والعلماء فإنه يقيس الشئ بالشئ حتى يتّضح الأمر، ثم بالقياس إن لم يكن فى الحادثة شئ ممّا ذكرناه.
والدّليل على أن مذهب أبى حنيفة على الصّفة المشروحة، ما روى أبو مطيع البلخىّ، قال: [كتب] (^٢) أبو جعفر المنصور إلى أبى حنيفة يسأله عن مسائل، وكان ممّا سأل:
أخبرنى عن ما أنت عليه، فقد وقع فيك الناس، وزعموا أنّك ذو رأى، وصاحب اجتهاد وقياس، وكتبت (^٣) إليك بالمسائل، فإن كنت بها عالما علمنا أنك تقول بما نقول، وإن اشتبهت عليك، وتماديت فيها، علمنا أنك تقول بالقياس، والسّلام.
_________________
(١) فى ط، ن: «القدر»، والمثبت فى: ص.
(٢) تكملة لازمة.
(٣) فى ص: «فكتبت»، والمثبت فى: ط، ن.
[ ١ / ١٢٤ ]
فأجاب عن تلك المسائل، وقال: يعلم أمير المؤمنين أن الذين يقعون فينا لأنّا نعمل بكتاب الله، ثم سنّة رسوله ﵊، ثم بأحاديث الصحابة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى ونحوهم، وهذا حسد منهم، وطعن فى الدّين، وهذا علم لا يعرفه إلاّ الخبير البصير، والله ما تكلّمت بمسألة حتى أذنت (^١) نفسى بالنصيحة، وليس بين الله وبين خلقه قرابة، وقد قالت الصّحابة والتابعون: الأمر بالرّأى لا بالكبر والسّنّ، فمن وافق كان أقرب إلى الحقّ، وأوفق للقرآن والسّنن، فالأولى أن يعمل بقولهم.
وقال أبو مطيع البلخىّ لأبى حنيفة: أرأيت لو رأيت رأيا، ورأى أبو بكر رأيا غيره، أتدع رأيك برأيه؟
قال: نعم.
فقلت: أرأيت (^٢) لو رأيت رأيا، ورأى عمر رأيا، أتدع رأيك برأيه؟
قال: نعم.
قال: ثم سألته عن عثمان وعلىّ، فأجاب بمثل هذا، وقال: إنّي أدع رأيى عند رأى جميع الصحابة، إلا ثلاثة أنفس: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب.
فهذا يدلّ على أنه يؤخّر القياس عند الآثار.
ويدلّ على ذلك أيضا، ما روى عن محمّد بن النّضر، وكان من كبار العلماء، وأنه قال:
ما رأيت أحدا تمسّك بالآثار أكثر (^٣) من أبى حنيفة.
وعن أبى مطيع البلخىّ، أن سفيان الثّورىّ، ومقاتل بن حيّان (^٤)، وحمّاد بن سلمة، وغيرهم من فقهاء ذلك العصر، اجتمعوا وقالوا: إن النّعمان هذا يدّعى الفقه، وما عنده إلا
_________________
(١) فى ص: «أدبت»، والمثبت فى: ط، ن.
(٢) تكملة لازمة.
(٣) فى ط: «أكبر»، والمثبت فى: ص، ن.
(٤) فى الأصول: «حبان» والتصحيح عن ميزان الاعتدال ٤/ ١٧١، وهو أبو بسطام النبطى البلخى الخراسانى الخزاز، وكان عابدا، كبير القدر، صاحب سنة وصدق، توفى قبل الخمسين ومائة.
[ ١ / ١٢٥ ]
القياس، فتعالوا حتى نناظره فى ذلك، فإن قال: إنه قياس. قلنا له: عبدت الشمس بالمقاييس، وأوّل من قاس إبليس، لعنه الله، حيث قال (^١): ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
فناظرهم أبو حنيفة، يوم الجمعة فى جامع الكوفة، وعرض عليهم مذهبه كما ذكرنا، فقالوا: إنك سيّد العلماء، فاعف عنّا؛ فإنّنا وقعنا فيك من غير تجربة ولا رويّة.
فقال لهم أبو حنيفة: غفر الله لنا ولكم.
وروى أن أبا حنيفة كان يتكلّم فى مسألة من المسائل القياسيّة، وشخص من أهل المدينة يتسمّع، فقال: ما هذه المقايسة، دعوها فإن أوّل من قاس إبليس.
فأقبل عليه أبو حنيفة، فقال: يا هذا، وضعت الكلام فى غير موضعه/، إبليس ردّ على الله تعالى أمره، قال الله تعالى (^٢): ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)،﴾ وقال تعالى (^٣): ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ)،﴾ وقال (^٤): ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ)،﴾ وقال (^٥): ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ فاستكبر وردّ على الله أمره، وكلّ من ردّ على الله تعالى أمره فهو كافر، وهذا القياس الذى نحن فيه نطلب فيه اتّباع أمر الله تعالى؛ لأنّا نردّه إلى أصل أمر الله تعالى فى الكتاب، أو السّنّة، أو إجماع الصّحابة والتّابعين، فلا نخرج من أمر الله تعالى، ويكون العمل على الكتاب والسّنّة والإجماع، فاتّبعنا فى أمرنا إليها أمر الله تعالى، قال الله تعالى (^٦): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)،﴾ فنحن ندور حول الاتّباع، فنعمل بأمر الله تعالى، وإبليس خالف أمر الله تعالى، وردّه عليه، فكيف يستويان؟ فقال الرجل: غلطت يا أبا حنيفة، وتبعت إلى الله تعالى، فنوّر الله قلبك كما نوّرت قلبى.
***
_________________
(١) سورة الأعراف ١٢.
(٢) سورة الكهف ٥٠
(٣) سورة الحجر ٣١،٣٠.
(٤) سورة البقرة ٣٤
(٥) سورة الإسراء ٦١.
(٦) سورة النساء ٩٥.
[ ١ / ١٢٦ ]
ولا بأس بذكر بعض المسائل الشّاهدة لما ذكرنا، والموضّحة لما قرّرنا، على أنها لا تدخل تحت الحصر، والله الموفّق للصّواب:
*مسألة، رجل ردّ عبدا آبقا من مسيرة ثلاثة أيّام.
قال أبو حنيفة: له الجعل أربعون درهما. وكان القياس أن لا يجب، فترك القياس وأخذ من ذلك بالخبر الذى روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه، فى خبر طويل، أن رجلا قدم بآبق من الفيّوم (^١)، فقال القوم: لقد أصاب أجرا.
فقال ابن مسعود: وأصاب جعلا.
وقال من خالفه: لا يجب الجعل. فترك الخبر وأخذ بالقياس.
*مسألة، ولو أن رجلا حلق لحية رجل، أو حاجبيه، فلم تنبت ثانيا.
قال أبو حنيفة: يجب على الحالق دية كاملة.
وقال من خالفه: لا يجب الدّية على الكمال.
وكان القياس أن لا تجب الدّية على الكمال، فترك القياس، وأخذ بالخبر المروىّ فى حديث سعيد بن المسيّب، رحمه الله تعالى.
*مسألة، ولو أن رجلا أوجب على نفسه أن ينحر ولده.
قال أبو حنيفة: يلزمه أن يذبح شاة.
وقال من خالفه: لا يجب عليه شئ. فأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلا حلف، وقال: إن فعلت كذا فأنا برئ من الإسلام. ففعل ذلك.
_________________
(١) لعله يعنى فيوم العراق، وهو موضع قريب من هيئت. معجم البلدان ٣/ ٩٣٣.
[ ١ / ١٢٧ ]
قال أبو حنيفة: يجب عليه كفّارة يمين.
وكان القياس أن لا يجب عليه شئ، فترك القياس، وأخذ بالخبر المروىّ عن عائشة، وابن عمر، ﵄، أنهما أوجبا فيه كفّارة يمين.
وقال من خالفه: لا شئ عليه إلاّ التّوبة. فأخذ بالقياس.
*مسألة، ولو أن رجلا اشترى شيئا بألف درهم، وقبضة، ولم ينقد الثمن، ثم باعه من البائع بخمسمائة درهم.
قال أبو حنيفة: بيع الثانى لا يجوز.
وكان ينبغى فى القياس أن يجوز. فترك القياس، وأخذ فى ذلك بخبر روى عن عائشة، ﵂، أنها قالت للمرأة التى سألتها عن هذا البيع: أبلغى زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل جهاده/مع رسول الله ﷺ إن لم يتب.
وقال من خالفه: يجوز بيعه. فأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلا باع من ذمّىّ خمرا.
قال أبو حنيفة: جاز بيعه.
وكان ينبغى فى القياس أن لا يجوز، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر الذى روى عن عمر أنه قال: ولّوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها.
وقال من خالفه: لا يجوز بيعه. وأخذ بالقياس وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلا اغتسل من الجنابة، ولم يتمضمض ولم يستنشق، وصلّى على ذلك.
قال أبو حنيفة: لا يجوز ما لم يتمضمض ويستنشق.
فرآهما فرضين فى الجنابة، وكان القياس أن لا يكونا فرضين، فترك القياس، وأخذ بخبر
[ ١ / ١٢٨ ]
الواحد، وهو ما روى عن ابن عبّاس، رضى الله تعالى عنهما، أنه قال: من ترك المضمضة، والاستنشاق، فى الجنابة، وصلّى، تمضمض، واستنشق، وأعاد ما صلّى.
وقال من خالفه: المضمضة والاستنشاق غير مفروضين فى غسل الجنابة. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
ويقع (^١) الخلاف من هذا الجنس بين أبى حنيفة ومالك؛ لأن عند أبى حنيفة الخبر المروىّ من طريق الآحاد مقدّم على القياس، وعند مالك، القياس مقدّم على الخبر المروىّ من طريق الآحاد.
*مسألة، ولو أن صائما أكل، أو شرب، أو جامع، ناسيا.
قال أبو حنيفة: لا يبطل صومه.
وكان القياس أن يبطل، فترك القياس، وأخذ بخبر رواه أبو هريرة، عن النبى ﷺ: «الصّائم إذا أكل أو شرب ناسيا فليتمّ صومه، فإنّ الله تعالى أطعمه وسقاه».
وقال من خالفه: يبطل صومه. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، ولو أن رجلا تزوّج أمة على حرّة.
قال أبو حنيفة: لا يجوز.
وكان القياس أن يجوز؛ إلاّ أنه ترك القياس، وأخذ فى ذلك بخبر، روى عن النبىّ ﷺ، أنه قال: «لا تنكح الأمة على الحرّة».
وقال من خالف: يجوز نكاحها. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، إذا تزوّج العبد بإذن مولاه.
_________________
(١) فى ص: «ولا يقع» والمثبت فى: ط، ن.
[ ١ / ١٢٩ ]
قال أبو حنيفة: لا يجوز أن يتزوّج أكثر من امرأتين.
وكان القياس أن يجوز له أن يتزوّج بأربع نسوة كالحرّ، إلاّ أن أبا حنيفة ترك القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روى عن النبىّ ﷺ، أنه قال: «لا يتزوّج العبد أكثر من اثنتين».
وقال من خالفه بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، رجل وهب آخر هبة، ولم يقبضها الموهوب له.
قال أبو حنيفة: لا تصحّ الهبة.
وكان القياس أن تصحّ، إلاّ أنه ترك القياس، وأخذ بالخبر الوارد فى ذلك، وهو ما روى عن أبى بكر الصّدّيق، ﵁، أنه قال لعائشة: كنت نحلتك جداد (^١) عشرين وسقا بالعالية (^٢)، ولم تكونى حزتيه، ولا قبضتيه، وإنما هو مال الوارث. جعل القبض شرطا.
ومخالفه أخذ بالقياس، وترك الخبر.
*/مسألة، إذا تزوّج الرّجل امرأة وهو غير كفء لها.
قال أبو حنيفة: للأولياء حقّ الاعتراض.
وكان القياس أن لا يكون لهم ذلك، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روى عن النبىّ ﷺ، أنه قال؛ «لا تزوّج النّساء إلاّ من كفء (^٣)».
ومخالفه أخد بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، عبد بين اثنين، أعتقه أحدهما وهو معسر.
_________________
(١) فى ن: «جذاد»، والمثبت فى: ص، ط. والجداد: صرام النخل. القاموس (ج د د).
(٢) العالية: اسم لكل مكان من جهة نجد من المدينة، من قراها وعمائرها إلى تهامة. معجم البلدان ٣/ ٥٩٢.
(٣) فى ص: «الأكفاء»، والمثبت فى: ط، ن.
[ ١ / ١٣٠ ]
قال أبو حنيفة: على العبد أن يسعى فى نصف قيمته.
وكان القياس أن لا سعاية عليه؛ لأنه لم تكن منه جناية، فترك أبو حنيفة القياس، وأخذ بالخبر، وهو ما روى أبو هريرة ﵁، عن النبىّ ﷺ، أنه قال فى عبد بين اثنين أعتقه أحدهما: «إن كان موسرا ضمن نصف قيمته، وإن كان معسرا سعى العبد فى نصف قيمته غير مشقوق (^١) عليه».
وقال المخالف: لا سعاية عليه. فأخذ القياس وترك الخبر.
*مسألة، السّكران إذا طلّق امرأته.
قال أبو حنيفة: يقع طلاقه وعتاقه.
وكان القياس أن لا يقع، فترك القياس، وأخد بخبر رواه أبو هريرة رضى الله تعالى عنه، عن النبىّ ﷺ، أنه قال: «ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: الطّلاق، والعتاق، والنّكاح».
وقال من خالفه: لا يقع طلاقه، وعتاقه؛ لأنه لا يعقل. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
*مسألة، لو اجتمع جماعة فى قتل رجل عمدا.
قال أبو حنيفة: يقتلون جميعا.
وكان القياس أن لا تقتل الجماعة بواحد، فترك القياس، وأخذ بخبر روى عن عمر رضى الله تعالى عنه، أنّه قتل سبعة نفر بقتل رجل واحد، فترك القياس بهذا، حتى قال عمر، رضى الله تعالى عنه: لو اجتمع أهل صنعاء على قتله لقتلتهم به.
وقال من خالفه: لا تقتل الجماعة بواحد. فأخذ بالقياس، وترك الخبر.
وفى هذا القدر كفاية فى الدّلالة على أن أبا حنيفة ﵁ لم يقدّم القياس على
_________________
(١) فى ط، ن: «مشفوق»، والمثبت فى: ص.
[ ١ / ١٣١ ]
الخبر، ومن ادّعى ذلك فليس عنده خبر، وأن مخالفه هو الذى فعل ذلك، والله أعلم.
*** ومن جملة التّشنيعات فى حقّ الإمام، رضى الله تعالى عنه، أنهم زعموا أنه ترك من (^١) فروع الفقه طريق الاحتياط والتورّع، وأفرط فى الرّخصة فيما يحتاج فيه إلى التحرّج.
والجواب عن ذلك، أن هذا زعم ممنوع، وقول غير مسموع، لأن أبا حنيفة رضى الله تعالى عنه، كان من أزهد الناس وأورعهم وأتقاهم لله تعالى، وقد ذكرنا سابقا من شهادة العلماء له (^٢) بذلك ما فيه الكفاية، والدّلالة على أنه كان أجلّ قدرا من أن يترك الاحتياط، ويتساهل فى الدّين.
ولا بأس بذكر بعض المسائل، التى تدلّ على أنه أخذ فيها بالأحوط، وترك غيره. فنقول، وبالله التوفيق:
*مسألة، إذا أكل أو شرب فى رمضان متعمّدا.
قال أبو حنيفة: يجب عليه الكفّارة، كما يجب على المجامع. فأخذ بالاحتياط.
وقال من خالفه: يجب عليه قضاء يوم واحد/، ولا يجب عليه الكفارة.
وفيما ذهب إليه المخالف ترك الاحتياط.
*مسألة، إذا شرع الرجل فى صوم التّطوّع، ثم أفطر.
قال أبو حنيفة: يجب عليه القضاء.
وقال من خالفه: لا يجب عليه القضاء.
والاحتياط فيما ذهب إليه أبو حنيفة، لا فيما ذهب إليه المخالف.
_________________
(١) فى ص: «فى» والمثبت فى: ط، ن.
(٢) انظر ما تقدم فى صفحة ٩٩ وما بعدها.
[ ١ / ١٣٢ ]
*مسألة: إذا صبّ فى جوف الصّائم شراب أو طعام.
قال أبو حنيفة: انتقض صومه، وعليه القضاء. وسلك فيه طريقة الاحتياط.
وقال المخالف: لا ينتقض صومه. فترك الاحتياط فى فتواه.
*مسألة، إذا قاء الرجل، أو رعف أو افتصد.
قال أبو حنيفة: انتقض وضوءه.
وقال المخالف: لا ينتقض.
والأحوط ما قاله الإمام.
*مسألة، إذا صلّى الرّجل خلف إمام، والإمام محدث أو جنب وهو لا يعلم، ثم علم بعد فراغه من الصّلاة.
قال أبو حنيفة: لا تجوز صلاة الإمام، ولا صلاة المقتدى.
وقال من خالفه: صلاة المقتدى جائزة.
والاحتياط فيما ذهب إليه الإمام.
*مسألة، إذا نسى الرجل الظهر والعصر، فى يومين مختلفين، ولا يدرى أيّهما الأوّل.
قال أبو حنيفة: يصلّى الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، حتى يسقط الفرض عن ذمّته بيقين، ويكون ذلك أخذا بالاحتياط.
وقال من خالفه: يصلّى مرّة واحدة، ولا يصلّى مرّتين.
وفي ذلك ترك الاحتياط، لأن الفرض لا يسقط عن ذمّته بيقين.
*مسألة، إذا تكلّم الرّجل فى صلاته ناسيا.
قال أبو حنيفة: تفسد صلاته.
وقال من خالفه: لا تفسد إن كان قليلا، وإن كان كثيرا تفسد.
[ ١ / ١٣٣ ]
والاحتياط فيما ذهب إليه الإمام.
*مسألة، إذا تناول المحرم من محظورات إحرامه ناسيا.
قال أبو حنيفة: تلزمه الذّكاة.
وقال من خالفه: لا تجب عليه إذا كان ناسيا، إلاّ فى الأشياء التى نصّ الله فى كتابه على تحريمها، نحو قتل الصّيد والجماع، وحلق الرأس.
والاحتياط فيما ذهب إليه الإمام.
*مسألة، إذا اشترك الرّهط المحرمون فى قتل الصّيد.
قال أبو حنيفة: يجب على كلّ واحد منهم كفّارة على حدة.
وقال من خالفه: يجب عليهم كفارة واحدة.
والاحتياط فيما قاله أبو حنيفة.
*مسألة، إذا استأجر الرجل شيئا، ثم أجره من غيره بأكثر ممّا استأجره، ولم يزد من عنده شيئا.
قال أبو حنيفة: لا يطيب له الفضل، ويتصدّق به.
والاحتياط فيما ذهب إليه أبو حنيفة، حتى لا يكون داخلا تحت نهيه ﵊ عن ربح ما لم يضمن.
ومسائل هذا النوع لا تنحصر، وفيما ذكرناه كفاية.
*** ومن جملة ما يشنّع به الحسّاد على أبى حنيفة، ﵁، أنه من جملة الموالى وليس هو من العرب، وأنّ من كان مجتهدا من العرب أولى بالتّقديم من غيره.
والجواب، أن شرف العلم مقدّم على شرف النّسب، وشرف الدّين مقدّم على شرف المنتسبين، وأكرم الناس عند الله أتقاهم، وما يضرّ العالم العامل كونه من الموالى، وما ينفع الغوىّ الجاهل كونه حجازيّا،/أو تميميّا، وهو لا يعرف اليمين من الشمال، ولا يفرّق بين الهدى والضلال.
[ ١ / ١٣٤ ]
وممّا روى أن رجلا من بنى قفل (^١)، من خيار بنى تيم الله، قال لأبى حنيفة: أنت مولاى.
فقال: والله!! أنا والله أشرف لك منك لى.
فجعل أبو حنيفة شرف القرشىّ التّيمىّ يكون من مواليه مثل أبى حنيفة، أفضل من شرف أبى حنيفة بكونه من موالى القرشىّ التّيمىّ، وهذا ممّا لا شبهة فيه، فإنه ثابت بالكتاب والسّنّة.
أمّا الكتاب، فقوله تعالى (^٢): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾.
وأمّا السّنة، فقوله ﷺ: «لا فضل لعربىّ على عجمىّ إلاّ بالتّقوى»، وقال ﷺ: «سلمان منّا أهل البيت». ونفى الله تعالى ولد نوح ﵊ منه، فقال (^٣): ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾. وعلى هذا بلال الحبشىّ (^٤)، وأبو لهب الهاشمىّ، وأبو جهل (^٥) القرشىّ.
وقد أنشد الخطيب الخوارزمىّ (^٦) في هذا المعنى، وأجاد، فقال:
إلى التّقى فانتسب إن كنت منتسبا … فليس يجديك يوما خالص النّسب
بلال الحبشىّ العبد فاق تقى … أحرار صيد قريش صفوة العرب
غدا أبو لهب يرمى إلى لهب … فيه غدت حطبا حمّالة الحطب
وذكر القاضى عياض فى «الشفاء» (^٧) عن الشّعبىّ، قال: صلّى زيد بن ثابت على
_________________
(١) انظر المعارف ٤٩٥، وكان أبو حنيفة مولاهم.
(٢) سورة الحجرات ١٣.
(٣) سورة هود ٤٣.
(٤) ساقط من: ن، وهو فى ص، ط.
(٥) زيادة من: ص، على ما فى: ط، ن.
(٦) هو صاحب المناقب الموفق بن أحمد المكى، خطيب خوارزم، والأبيات فى مناقب الإمام الأعظم ٩،١/ ٨، وانظر أيضا مناقب الكردرى ١/ ٦٢.
(٧) انظر شرح الشفاء للخفاجى ٣/ ٤٦١.
[ ١ / ١٣٥ ]
جنازة أمّه، ثم قرّبت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عبّاس، فأخذ بركابه، فقال زيد: خلّ عنه يا ابن عمّ رسول الله ﷺ.
فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا.
فقبّل زيد يد ابن عباس، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا، ﷺ.
ففعل ابن عبّاس فعله معه بالعلم، وإنّه إنما بالغ فى التواضع إلى هذه الغاية، لكونه عالما، وابن عبّاس ابن عباس. انتهى.
وفي أوائل «شرح الهداية» لمحمّد بن محمّد المعروف بابن الشّحنة، حكاية مشهورة، نقلها (^١) هو وغيره (^١) عن عطاء، وأظنّه عطاء بن السّائب الكوفىّ. قال: دخلت على هشام بن عبد الملك بالرّصافة، فقال: يا عطاء، هل لك علم بعلماء الأمصار؟.
قلت: بلى، يا أمير المؤمنين.
فقال: من فقيه أهل المدينة؟.
قلت: نافع مولى ابن عمر.
قال: فمن فقيه أهل مكة؟.
قلت: عطاء بن أبى رباح.
قال: مولى أم عربىّ؟.
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل اليمن؟.
قلت: طاوس بن كيسان.
قال: مولى أم عربىّ؟.
قلت: مولى.
_________________
(١) (¬١ - ١) ساقط من: ص، وهو فى ط، ن، وممن نقل الحكاية الموفق المكى، فى مناقب الإمام الأعظم ٨،١/ ٧.
[ ١ / ١٣٦ ]
قال: فمن فقيه أهل الشام؟
قلت: مكحول.
قال: مولى أم عربىّ؟
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل الجزيرة؟
قلت: ميمون بن مهران.
قال: مولى أم عربىّ؟
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل خراسان؟
قلت: الضّحّاك بن مزاحم.
قال: مولى أم عربىّ؟
قلت: مولى.
قال: فمن فقيه أهل البصرة؟
قلت: الحسن، وابن سيرين.
قال: موليان أم عربيّان؟
قلت: موليان.
قال: فمن فقيه أهل الكوفة؟
قلت: إبراهيم النّخعىّ.
قال: مولى أم عربىّ؟
قلت: لا، بل عربىّ.
قال: كادت تخرج نفسى.
[ ١ / ١٣٧ ]
أقول (^١): إنّ اصطلاح أهالى الديار الرّوميّة فى هذه الأيّام إطلاق لفظ الموالى على العلماء الكبار منهم، سواء كانوا من قسم الموالى المذكورين هنا، أم من الأحرار أبا وجدّا، من غير أن يمسّهم أو يمسّ أحدا منهم الرّقّ، والسّبب/فى ذلك-والله تعالى أعلم-أنهم لمّا رأوا غالب العلماء من طائفة الموالى، أطلقوا هذا على علمائهم تشبّها بهم، وتقليدا لهم، ومنعوا من إطلاقه على غير أهل العلم، ثم طال الأمد، وقصرت الهمم، وتساهلت الناس فى إطلاق الألقاب، على غير ذوى الألباب، وشارك الفاضل المفضول، وتساوى العالم بالجهول،
وصار من ليس له منصب … يقال عنه جاهل يمذق (^٢)
ومن غدا بالمال ذا ثروة … يقال عنه عالم مفلق
مولى الموالى كلّهم وهو بال … حقّ غبىّ جاهل أحمق
والعلم عند الله لا يرتجى … به نوال لا ولا يرزق
ولا ترى عنه امرءا سائلا … ولا به يعطى ولا ينفق
هذا ولم يبق من يستحقّ أن يوصف بالمولويّة بالدّيار الرّوميّة، على الوجه الأكمل، والوصف الأجمل، إلاّ جماعة يسيرة، ذكر آباؤهم فى هذه الطبقات، ووفّينا كلاّ منهم حقّه، أدام الله تعالى بهم جمال هذه الدّولة العثمانية، بمنّه وكرمه (^٣).
*** وأمّا ما ينسب إلى أبى حنيفة من الشعر فكثير، منه قوله:
إن يحسدونى فإنّى غير لائمهم ..
البيتين السابقين (^٤).
_________________
(١) من أول هذا القول إلى آخر قوله: «بمنه وكرمه» الآتى ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن.
(٢) يمذق: يخلط.
(٣) آخر الساقط من: ص.
(٤) انظر ما تقدم، صفحة ١١٥
[ ١ / ١٣٨ ]
ومنه قوله وقد اتّفق له مع شيطان الطّاق (^١) فى الحمّام لمّا رآه الإمام مكشوف العورة، ونهاه عن ذلك، ما هو مشهور، وهو (^٢):
أقول وفى قولى بلاغ وحكمة … وما قلت قولا جئت فيه بمنكر
ألا يا عباد الله خافوا إلهكم … فلا تدخلوا الحمّام إلاّ بمئزر
وأمّا ما كان يتمثّل به أبو حنيفة من الشعر، وما مدح به رضى الله تعالى عنه من النظم، فكثير لا يدخل تحت الحصر، ومنه قول بعضهم (^٣):
لأبى حنيفة ذى الفخار قراءة … مشهورة منخولة غرّاء
عرضت على القرّاء فى أيّامه … فتعجّبت من حسنها القرّاء
لله درّ أبى حنيفة إنّه … خضعت له القرّاء والفقهاء
خلف الصّحابة كلّهم فى علمهم … فتضاءلت لجلاله العلماء
سلطان من فى الأرض من فقهائها … وهم إذا أفتوا له أصداء
إن المياه كثيرة لكنّه … فضل المياه جميعها صدّاء (^٤)
قال ابن الشّحنة: وكأنّ «أصداء» هذا جمع صدى بالقصر، وهو الذى يجيبك مثل صوتك فى الجبال وغيرها، إشارة إلى أن الأصل منه نشأ وعنه أخذ؛ لأنّه كان كافل الفقهاء ومربّيهم، لأنهم عياله، كما نصّ عليه الشّافعىّ. انتهى.
_________________
(١) هو أبو جعفر محمد على بن النعمان البجلى الكوفى الأحول. وإنما سمى بالطاق؛ لأنه كان يعانى الصرف بطاق المحامل بالكوفة. كان فصيحا بليغا، فقيها مناظرا. والشيعة تسميه مؤمن الطاق، ويقال: إن أبا حنيفة هو الذى سماه شيطان الطاق. وكانت وفاته نحو سنه ستين ومائة. أخبار شعراء الشيعة للمرزبانى (التلخيص)،٨٣، تاريخ بغداد ١٣/ ٤١١، رجال الكشى ١٢٣، لسان الميزان ٥/ ٣٠٠، الوافى بالوفيات ٤/ ١٠٤. وانظر القاموس (ط وق).
(٢) ذيل الجواهر المضية ٢/ ٤٧٧، ومناقب الكردرى ١/ ١٦٢، ومناقب الإمام الأعظم ١/ ١٦٩.
(٣) ذيل الجواهر المضية ٥١٢،٢/ ٥١١، والأبيات لصاحب المناقب، وهى فيها ٢/ ٧٩، وفى مناقب الكردرى أيضا ٢/ ٦٩.
(٤) صداء: ركية ليس عند العرب ماء أعذب منها، ومنه قولهم «ماء ولا كصداء» وهو مثل يقال فى الرجلين يكونان ذوى فضل، غير أن لأحدهما فضلا على الآخر. معجم البلدان ٣/ ٣٧٢.
[ ١ / ١٣٩ ]
وفى هذه الأبيات تصريح بأن الإمام، رضى الله تعالى عنه، كان من المتقدّمين فى فنّ القراءات، كما هو من المتقدّمين السّابقين فى علم الفقه، وهو كذلك، فقد أفردوا بالتآليف قراءته التى انفرد بها، ورووها عنه بالأسانيد.
وممّن أفردها بالتأليف أبو القاسم الزّمخشرىّ، وأبو القاسم يوسف بن على بن جبارة (^١) الهذلىّ البسكرىّ (^٢)، بموحّدة وسين مهملة، فى كتابه المعروف ب «الكامل»، وغيرهما.
وممّن روى عنه القراءة أبو يوسف، ومحمّد، رحمهما الله، وغيرهما.
وحروفه معروفة مذكورة فى «المناقب»، وغيرهما.
وقد وضع بعض الحسّاد قراءات، ونسبها إليه، فأظهر الله/الحقّ، ومحق الباطل، وجوزى كلّ بفعله.
وقال صاحب المناقب يمدحه (^٣):
رسول الله قال سراج دينى … وأمّتى الهداة أبو حنيفة
غدا بعد الصّحابة فى الفتاوى … لأحمد فى شريعته خليفه
وقال غيره، يصفه بالعلم والعبادة، من أبيات (^٤):
نهار أبى حنيفة للإفاده … وليل أبى حنيفة للعباده (^٥)
وودّع نومه خمسين عاما … لطاعته وخدّاه الوساده
وكان يحيى بن معين إذا ذكر من يتكلّم فى أبى حنيفة، يقول (^٦):
_________________
(١) بكسر الجيم فى لسان الميزان ٦/ ٣٢٥، وبضمها أيضا، فى القاموس (ج ب ر). وانظر التاج.
(٢) نسبة إلى بسكرة، بكسر الباء، وقيل: بفتحها، وهى بلدة من بلاد المغرب. اللباب ١/ ١٢٥.
(٣) البيتان فى: مناقب الإمام الأعظم ١/ ٢٣، مناقب الكردرى ١/ ٣٠.
(٤) نسب خطيب خوارزم هذين البيتين لنفسه فى المناقب ١/ ٢٥٥، من أبيات، وهما أيضا فى مناقب الكردرى ١/ ٢٥١.
(٥) بعد هذين البيتين فى ص زيادة: «منها»، والمثبت فى: ط، ن.
(٦) مناقب الإمام الأعظم ٢/ ١٥، ومناقب الكردرى ١/ ٢٦٨، والخيرات الحسان ٦٨، وفيه أن الذى تمثل بذلك هو أبو عاصم النبيل، والبيتان أيضا فى ذيل الجواهر المضية ٢/ ٤٩٨. والبيتان لأبى الأسود الدؤلى. انظر البيان والتبيين ٤/ ٦٣.
[ ١ / ١٤٠ ]
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا إنّه لذميم (^١)
وقيل لعبد الله بن طاهر: الناس يقعون فى أبى حنيفة، فقال (^٢):
ما يضرّ البحر أمسى زاخرا … أن رمى فيه غلام بحجر
ثم أنشد (^٣):
إن يحسدونى فزاد الله فى حسدى … لا عاش من عاش يوما غير محسود (^٤)
ما يحسد المرء إلاّ من فضائله … بالعلم والبأس أو بالمجد والجود
وقال (^٥):
فازداد لى حسدا من لست أحسده … إنّ الفضيلة لا تخلو عن الحسد (^٦)
وقال (^٧):
ما ضرّنى حسد اللّئام ولم يزل … ذو الفضل يحسده ذو والنّقصان
يا بؤس قوم ليس ذنبى بينهم … إلاّ تظاهر نعمة الرّحمن (^٨)
والله درّ الشريف الرّضىّ، حيث يقول (^٩):
نظروا بعين عداوة ولو أنّها … عين الرّضا لاستحسنوا ما استقبحوا (^١٠)
_________________
(١) فى البيان والتبيين، ومناقب الإمام الأعظم، ومناقب الكردرى «إنه لدميم».
(٢) مناقب الإمام الأعظم ٢/ ١٦، ومناقب الكردرى ١/ ٢٦٩، وذيل الجواهر المضية ٢/ ٤٩٨.
(٣) المصادر السابقة.
(٤) فى ذيل الجواهر المضية: «هم يحسدونى».
(٥) مناقب الإمام الأعظم ٢/ ١٧، ومناقب الكردرى ١/ ٢٦٩.
(٦) فى مناقب الإمام الأعظم، ومناقب الكردرى: «وازداد لى».
(٧) مناقب الإمام الأعظم ٢/ ١٧، وذكر أنهما لعمارة بن عقيل، ومناقب الكردرى ١/ ٢٦٩.
(٨) فى مناقب الإمام الأعظم: «ليس حربى بينهم»، وفى مناقب الكردرى: «وليس جرمى بينهم».
(٩) ديوان الشريف الرضى ٢٠٢،١/ ٢٠١، وبين البيتين تقديم وتأخير فيه، والبيتان أيضا فى: مناقب الإمام الأعظم ٢/ ١٩، ومناقب الكردرى ١/ ٢٦٩، وروايتهما فيهما توافق رواية الطبقات.
(١٠) فى الديوان: «بعين عداوة لو أنها».
[ ١ / ١٤١ ]
يولوننى شزر العيون لأنّنى … غلّست فى طلب العلى وتصبّحوا (^١)
ومما أنشده صاحب المناقب فى مدح الإمام، وذكر واقعته مع ابن هبيرة، قوله (^٢):
أرضيت نفسك ضارب النّعمان … فكسبت جهلا سخطة الرّحمن (^٣)
ما زلت تنقص لا تزيد بضربه … يا بئس ما قدّمت للميزان
أضربت عابد ربّه فى ليله … ونهاره يا عابد الشّيطان
أعطيته الدنيا ولكن ردّها … ردّ التّقىّ الخائف الرّبّانى (^٤)
حرّ السّياط قد ارتضى كى لا يرى … يوم الجزاء مقامع النّيران
ما ذلّ يا ابن هبيرة بالضّرب من … ملأ الفؤاد بعزّة الإيمان
ولصاحب المناقب أيضا فى مدحه قوله (^٥):
غدا مذهب النّعمان خير المذاهب … كما القمر الوضّاح خير الكواكب (^٦)
تفقّه فى خير القرون مع التّقى … فمذهبه لا شكّ خير المذاهب
ولا عيب فيه غير أنّ جميعه … حلا إذ تخلّى عن جميع المعايب (^٧)
لأنّ عداه قد أقرّوا بحسنه … وإقرارهم بالحسن ضربة لازب (^٨)
وكان له صحب بنود علومهم … تجلّى عن الأحكام سجف الغياهب (^٩)
ثلاثة آلاف وألف شيوخه … وأصحابه مثل النجوم الثّواقب
_________________
(١) فى الديوان «خرز العيون».
(٢) انظر مناقب الكردرى ٢/ ٣٠.
(٣) فى مناقب الكردرى «مسخط الرحمن».
(٤) فى مناقب الكردى: «الخائف الديان».
(٥) هذه المقدمة والأبيات بعدها زيادة من: ص، على ما فى: ط، ن. والأبيات فى: مناقب الإمام الأعظم ١٤٧،٢/ ١٤٦، مناقب الكردرى ١/ ٧٠.
(٦) فى مناقب الإمام الأعظم: «كذى القمر» وفى مناقب الكردرى: «كذا القمر».
(٧) فى مناقب الكردرى: «جلا إذ تخلى».
(٨) فى مناقب الإمام الأعظم، ومناقب الكردرى: ألدّ عداه قد أقرّوا بحسنه … وإقراره بالحسن ضربة لازب
(٩) فى مناقب الكردرى: «بنور علومهم .. سحب الغياهب».
[ ١ / ١٤٢ ]
وله أيضا يمدحه (^١):
نعمان فحل العلم يعسوب الهدى … فى خير قرن قد أتى وقران (^٢)
نعمان كان سراج أفضل أمّة … لكن سراجا دائم اللّمعان (^٣)
الفقه فى ناديه مجتمع النّوى … راسى القواعد شامخ البنيان
بحر موارده تراها عذبة … قذّافة للدّرّ والمرجان (^٤)
/وشقائق النّعمان فى بهجاتها … هزأت بهنّ دقائق النّعمان
كم قد رموه بمعضلات ردّها … بجواب حقّ ساطع البرهان
وعن سفيان بن عيينة، قال: قال مساور الورّاق، وكان رجلا صالحا، فى أبى حنيفة، وله فيه رأى (^٥):
إذا ما الناس يوما قايسونا … بمعضلة من الفتيا لطيفه (^٦)
أتيناهم بمقياس صحيح … بديع من طراز أبى حنيفة (^٧)
إذا سمع الفقيه به وعاه … وأثبته بحبر فى صحيفه (^٨)
_________________
(١) الأبيات فى مناقب الإمام الأعظم ٢/ ١٩٨.
(٢) فى ط، ن: «فى حين قرن»، والمثبت فى: ص. وفى مناقب الإمام الأعظم: «فحل الفقه …».
(٣) فى مناقب الإمام الأعظم: «مجتمع القوى».
(٤) صدر البيت فى مناقب الإمام الأعظم: *بحر موارده فردها عذبة*
(٥) الأبيات فى المعارف ٤٩٥، وكذلك الرد عليها، وهى أيضا فى: مناقب الإمام الأعظم ١٨٩،١٨٨،٢/ ٦٠، مناقب الكردرى ١٤٩،١/ ١٤٨.
(٦) فى مناقب الكردرى: «إذا ما الناس فقها قايسونا»، وفيه: «بفائدة من الفتيا طريفه»، وفى المعارف، ومناقب الإمام الأعظم: «بآيدة من الفتيا طريفه».
(٧) فى مناقب الإمام الأعظم: «بمقياس صليب»، وفى مناقب الكردى: «بمقياس عجيب». وفى مناقب الإمام الأعظم، ومناقب الكردرى: «مصيب من طراز أبى حنيفة»، وفى المعارف: «تلاد من طراز أبى حنيفة».
(٨) فى المعارف: «بها وعاها*وأثبتها بحبر …»، وفى مناقب الإمام الأعظم، ومناقب الكردى: «بها وعاه*وأثبتها بحبر …».
[ ١ / ١٤٣ ]
وعن الحسن بن الرّبيع، قال: سمعت عبد الله بن المبارك، يقول (^١):
رأيت أبا حنيفة كلّ يوم … يزيد نباهة ويزيد خيرا (^٢)
وينطق بالصّواب ويصطفيه … إذا ما قال أهل الحقّ حورا (^٣)
يقايس من يقايسه بلبّ … ومن ذا تجعلون له نظيرا (^٤)
كفانا فقد حمّاد وكانت … مصيبتنا به أمرا كبيرا (^٥)
رأيت أبا حنيفة حين يؤتى … ويطلب علمه بحرا غزيرا
إذا ما المشكلات تدافعتها … رجال العلم كان بها بصيرا (^٦)
وقال بعضهم يرثيه بقصيدة، أظنّها لصاحب «المناقب»، منها (^٧):
لقد طلع النّعمان من أرض كوفة … كغرّة صبح يستفيض انبلاجها
هو المرتضى فى الدّين والمقتدى به … وصدر الورى فى الخافقين وتاجها
إذا مرض الإسلام والدّين مرضة … فمن نكت النّعمان يلفى علاجها
وإن كسدت سوق الهدى وتوجّعت … فمن مذهب النّعمان أيضا رواجها
وإن فتحت أبواب جهل وبدعة … على الناس يوما كان منه رتاجها
وإن غمّة غمّت فمنه انجلاؤها … وإن شدّة ضاقت فمنه انفراجها
سقاه إله الخلق فى الخلد شربة … بكأس من الكافور كان مزاجها
_________________
(١) الأبيات فى: مناقب الإمام الأعظم ٢/ ١٩٢، مناقب الكردرى ١/ ١٢٩.
(٢) فى مناقب الإمام الأعظم ٢/ ١٩٢، ومناقب الكردرى: «وجدت أبا حنيفة». وفى ط: «يريد نباهة ويزيد جبرا»، والمثبت فى: ص، والتصوير ردئ فى: ن. وفى مناقب الإمام الأعظم، ومناقب الكردرى: «يزيد نبالة ويزيد خيرا». والخير، بالكسر: الكرم والشرف.
(٣) فى ص: «أهل الحق جورا» والمثبت فى: ط، ن. وفى مناقب الإمام الأعظم ومناقب الكردرى «أهل الجور جورا». والحور: النقص والهلاك. القاموس (ح ور).
(٤) فى مناقب الإمام الأعظم، ومناقب الكردرى: «بمقياس يقايسه بلب*فمن ذا تعلمون …».
(٥) فى مناقب الإمام الأعظم، ومناقب الكردرى «موت حماد … مصيبته لنا أمر كبيرا».
(٦) فى مناقب الإمام الأعظم، ومناقب الكردرى: «إذا ما المعضلات … رجال القوم …».
(٧) ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن.
[ ١ / ١٤٤ ]
وقال عبد الله بن صهيب الكلبىّ: كان أبو حنيفة يتمثّل كثيرا بهذين البيتين، وهما (^١):
عطاء العرش خير من عطائكم … وسيبه واسع يرجى وينتظر
أنتم يكدّر ما تعطون منّكم … والله يعطى فلا منّ ولا كدر
هذا، وما قيل فى حقّ الإمام من المديح، وما رثى به، وما مدح به، وما تمثّل به هو، أو تمثّل به الغير عند ذكره، فأمر لا يدخل كما قلنا تحت الحصر، وفيما ذكرناه منه كفاية، والله تعالى أعلم.
***
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٩، مناقب الإمام الأعظم ٢/ ٨٥، مناقب الكردرى ٢/ ٢٨، ذيل الجواهر المضية ٢/ ٥٠٦.
[ ١ / ١٤٥ ]
فصل