وحسن عهده، رضى الله تعالى عنه
عن قيس بن الرّبيع (^٣)، قال: كان أبو حنيفة رجلا ورعا فقيها محسودا، وكان كثير الصّلة والبرّ لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه.
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٩.
(٢) تاريخ بغداد ٣٣٠،١٣/ ٣٢٩، وانظر أيضا الخيرات الحسان ٦١، ومناقب الإمام الأعظم ٢/ ١٧١.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٠.
[ ١ / ١٠٦ ]
وقال أيضا: كان أبو حنيفة من عقلاء الرّجال، وكان يبعث بالبضائع إلى بغداد، يشترى (^١) بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشترى بها حوائج الأشياخ المحدّثين وأقواتهم، وكسوتهم، وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقى الدّنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا فى حوائجكم، ولا تحمدوا إلاّ الله؛ فإنى ما أعطيتكم من مالى شيئا، ولكن من فضل الله علىّ فيكم، وهذه أرباح بضاعتكم؛ فإنه هو والله ممّا يجريه الله لكم على يدى فما فى رزق الله حول لغيره.
وحدّث حجر بن عبد الجبّار (^١)، قال: ما رأى الناس أكرم مجالسة من أبى حنيفة، ولا أكثر إكراما لأصحابه.
وقال حفص بن حمزة القرشىّ: كان أبو حنيفة ربّما مرّ به الرّجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، وإن مرض عاده.
وكان أكرم الناس مجالسة.
وروى (^٢) أنه رأى على بعض جلسائه ثيابا رثّة، فأمره فجلس حتى تفرّق الناس، وبقى وحده. فقال له: ارفع المصلّى، وخذ ما تحته.
فرفع الرجل المصلّى وكان تحته ألف درهم. فقال له: خذ هذه الدّراهم فغيّر بها من حالك.
فقال الرجل: إنّي موسر، وأنا فى نعمة، ولست أحتاج إليها.
فقال له: أما بلغك الحديث: «إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده»، فينبغى لك أن تغيّر حالك، حتى لا يغتمّ صديقك.
وروى (^٣) أن امرأة جاءت إلى أبى حنيفة تطلب منه ثوب خزّ، فأخرج لها ثوبا.
فقالت له: إنّى امرأة ضعيفة، وإنها أمانة فبعنى هذا الثوب بما يقوم عليك.
_________________
(١) فى تاريخ بغداد: «فيشترى».
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦١.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦١.
[ ١ / ١٠٧ ]
فقال: خذيه بأربعة دراهم.
فقالت: لا تسخر بى، وأنا امرأة عجوز كبيرة.
فقال: إنّي اشتريت ثوبين، فبعت أحدهما برأس المال إلاّ أربعة دراهم، فبقى هذا يقوم علىّ بأربعة دراهم.
وجاء إليه يوما رجل (^١)، فقال: يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خزّ.
فقال: ما لونه؟
قال: كذا، وكذا.
فقال له: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، إن شاء الله تعالى.
فما دارت الجمعة حتى وقع، فمرّ به الرجل، فقال: قد وقعت حاجتك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبه، فقال: يا أبا حنيفة، كم أزن (^٢)؟
قال: درهما.
فقال الرجل: يا أبا حنيفة ما كنت أظنّك تهزأ!
قال: ما هزأت، إنّي اشتريت ثوبين بعشرين دينارا ودرهم، وإنّي بعت أحدهما بعشرين دينارا، وبقى هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق.
ومن المشهور (^٣) عن مروءته، ووفائه ورعايته حقّ الجوار، ما روى أنّه كان له جار بالكوفة/إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنّه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل معه لحما فطبخه أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دبّ الشراب فيه غنىّ بصوت، وهو يقول. (^٤)
أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٢.
(٢) بعد هذا فى تاريخ بغداد زيادة: «للغلام».
(٣) تاريخ بغداد ٣٦٣،١٣/ ٣٦٢، والقصة على نحو آخر فى مناقب الإمام الأعظم ١/ ٢٢٤، ومناقب الكردى ١/ ٢٣٦.
(٤) البيت للعرجى، وهو فى: الأغانى ١/ ٤١٣، زهر الآداب ١/ ٥٥٩، وهو فى المناقب أيضا.
[ ١ / ١٠٨ ]
فلا يزال يشرب ويردّد هذا البيت، حتى يأخذه النوم.
وكان أبو حنيفة يصلّى الليل كلّه، ففقد صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس.
فصلّى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلة، واستأذن على الأمير. فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط.
ففعل، فلم يزل الأمير يوسع له فى مجلسه، وقال: ما حاجتك؟
قال: لى جار إسكاف، أخذه العسس منذ ليال، ويأمر الأمير بتخليته.
فقال: نعم، وكلّ من أخذ فى تلك الليلة إلى يومنا هذا. فأمر بتخليتهم أجمعين.
فركب أبو حنيفة، والإسكاف يمشى وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه، فقال:
يا فتى، هل أضعناك؟.
فقال: لا، بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرا عن حرمة الجوار، ورعايته (^١).
وتاب الرجل، ولم يعد إلى ما كان عليه، ببركة الإمام، رضى الله تعالى عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلّبه ومثواه، (^٢) ونفعنا ببركاته، وبركات علومه فى الدنيا والآخرة (^٢).
فصل