بالنّظر فى العلم
عن أبى يوسف (^١) أنه قال: قال لى أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخيّر العلوم، وأسأل عن عواقبها، فقيل لى: تعلّم القرآن.
فقلت: إذا تعلمت القرآن، وحفظته، فما يكون آخره؟.
قالوا: تجلس فى المسجد، ويقرأ عليك الصّبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن تخرج منهم من هو أحفظ منك، أو يساويك فى الحفظ، فتذهب رياستك.
قلت: فإن سمعت الحديث، وكتبته حتى لم يكن فى الدنيا أحفظ منّى؟.
قالوا: إذا كبرت وضعفت، حدّثت واجتمع عليك الأحداث والصّبيان، ثم لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب، فيصير عارا عليك فى عقبك.
_________________
(١) ذكر هذا الخطيب، فى تاريخ بغداد ٣٣٢،١٣/ ٣٣١.
[ ١ / ٧٧ ]
فقلت: لا حاجة لى فى هذا.
قلت: فإذا (^١) حفظت العربيّة، وتعلّمت النحو ما يكون آخر أمرى؟.
قالوا: تقعد معلّما، فأكثر رزقك ديناران إلى الثلاثة.
قلت: وهذا لا عاقبة له.
قلت: فإن نظرت فى الشّعر، فلم يكن أشعر منّى، ما يكون آخر أمرى؟
قالوا: تمدح هذا فيهب لك، أو يحملك على دابّة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته، فصرت تقذف المحصنات.
فقلت: لا حاجة لى فى هذا.
قلت: فإن نظرت فى الكلام، ما يكون آخره؟.
قالوا: لا يسلم من نظر فى الكلام من مشنّعات الكلام، فيرمى بالزّندقة، فإما أن يؤخذ فيقتل، وإمّا أن يسلم فيكون مذموما ملوما.
قلت: فإن تعلّمت الفقه؟
قالوا: تسأل، وتفتى الناس، وتطلب للقضاء، وإن كنت شابّا.
قلت: ليس فى العلوم شئ أنفع من هذا. فلزمت الفقه، وتعلّمته.
وعن زفر بن الهذيل (^٢)، قال: سمعت أبا حنيفة، يقول: كنت انظر فى الكلام، حتى بلغت فيه مبلغا يشار إلىّ فيه بالأصابع، وكنّا نجلس بالقرب من حلقة حمّاد بن أبى سليمان، فجاءتنى امرأة يوما، فقالت:/رجل له امرأة أمة، أراد أن يطلّقها للسّنّة، كيف يطلّقها؟
فلم أدر ما أقول، فأمرتها تسأل حمّادا، ثمّ ترجع فتخبرنى.
_________________
(١) فى ص: «فإن»، وفى تاريخ بغداد: «إذا»، والمثبت فى: ط، ن.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٣.
[ ١ / ٧٨ ]
فسألت حمّادا، فقال: يطلّقها وهى طاهرة من الحيض والجماع تطليقة، ثمّ يتركها حتى تحيض حيضتين، فإذا اغتسلت فقد حلّت للأزواج.
فرجعت، فأخبرتنى، فقلت: لا حاجة لى فى الكلام، وأخذت نعلىّ، وجلست إلى حمّاد، فكنت أسمع مسائله، فأحفظ قوله، ثمّ يعيدها من الغد، فأحفظ ويخطئ أصحابه، فقال: لا يجلس فى صدر الحلقة بحذائى غير أبى حنيفة، فصحبته عشر سنين.
ثمّ إنّي نازعتنى نفسى لطلب الرياسة، فأحببت أن أعتزله، وأجلس فى حلقة لنفسى، فخرجت يوما بالعشىّ وعزمى أن أفعل، فلما دخلت المسجد، فرأيته، لم تطب (^١) نفسى أن أعتزله، فجئت فجلست معه، فجاءه فى تلك الليلة نعىّ قرابة له، قد مات بالبصرة، وترك مالا وليس له وارث غيره، فأمرنى أن أجلس مكانه، فما هو إلا أن خرج حتى وردت علىّ مسائل لم أسمعها منه، فكنت أجيب وأكتب جوابى، فغاب شهرين، ثم قدم، فعرضت عليه المسائل، وكانت نحوا من ستّين مسألة، فوافقنى فى أربعين، وخالفنى فى عشرين. فآليت على نفسى أن لا أفارقه حتى (^٢) يموت، فلم أفارقه حتى مات.
وروى عن أبى حنيفة أنه قال (^٣): قدمت البصرة، فظننت أنّى لا أسأل عن شئ إلاّ أجبت فيه، فسألونى عن أشياء لم يكن عندى فيها جواب، فجعلت على نفسى أن لا أفارق حمّادا حتى يموت، فصحبته ثمانى عشرة سنة.
وعن ابن سماعة (^٤)، أنه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما صلّيت صلاة مذ مات حمّاد إلاّ استغفرت له مع والدىّ، وإنّي لأستغفر لمن تعلّمت منه علما، أو علّمته علما.
وعن يونس (^٥) بن بكير، أنه قال: سمعت إسماعيل بن حمّاد بن أبى سليمان، يقول:
عاب أبى غيبة فى سفر له، ثم قدم، فقلت له: يا أبة، إلى أىّ شئ كنت أشوق؟
_________________
(١) فى ط، ن: «تطلب»، والمثبت فى: ص، وتاريخ بغداد.
(٢) ساقط من: ط، ن، وهو فى: ص، وتاريخ بغداد.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٣.
(٤) هو إبراهيم، كما جاء فى تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٤.
(٥) فى ط: «يوسف»، وفى ن: «أبى يوسف»، وكل ذلك خطأ، والصواب فى: ص، وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٤.
[ ١ / ٧٩ ]
قال: وأنا أرى أنه يقول: إلى ابنى.
فقال: إلى أبى حنيفة، ولو أمكننى أن لا أرفع طرفى عنه فعلت.
وعن أبى مطيع البلخىّ (^١) أنه قال: قال أبو حنيفة: دخلت على أبى جعفر أمير المؤمنين، فقال: يا أبا حنيفة عن من أخذت العلم؟.
قال: قلت عن حمّاد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عبّاس.
قال: فقال أبو جعفر: بخ بخ، استوثقت ما شئت يا أبا حنيفة عن الطّيّبين المباركين، صلوات الله عليهم.
وعن ابن أبى أويس (^٢)، قال: سمعت الرّبيع بن يونس، يقول: دخل أبو حنيفة يوما على المنصور، وعنده عيسى بن موسى، فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم.
فقال له: يا نعمان، عن من أخذت العلم؟
قال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علىّ عن علىّ، وعن أصحاب عبد الله عن عبد الله، وما كان فى وقت ابن عبّاس على وجه الأرض أعلم منه.
قال: لقد استوثقت لنفسك.
وروى عن أبى حنيفة، أنه قال: رأيت رؤيا فأفزعتنى، رأيت كأنى أنبش قبر النبىّ ﷺ، فأتيت البصرة، فأمرت رجلا أن يسأل محمّد بن سيرين، فسأله، فقال:
هذا رجل ينبش أخبار رسول الله ﷺ.
وفى رواية أنه قال: صاحب هذه الرؤيا يثوّر (^٣) علما لم يسبقه إليه/أحد قبله.
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٤.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٥.
(٣) فى تاريخ بغداد: «يثير». وثور العلم: بحثه أو بحث فى معانيه.
[ ١ / ٨٠ ]
قال هشام (^١): فنظر أبو حنيفة، وتكلّم حينئذ (^٢). والله تعالى أعلم.
فصل