وثناء الناس عليه بذلك (^١)
عن يحيى بن معين (^٢)، أنه قال: سمعت يحيى القطّان، يقول: جالسنا، والله، أبا حنيفة، وسمعنا منه، وكنت والله إذا نظرت إليه عرفت فى وجهه أنه يتّقى الله ﷿.
وعن الحسن بن محمّد اللّيثىّ (^٣) أنّه كان يقول: قدمت الكوفة، فسألت عن أعبد أهلها، فدفعت إلى أبى حنيفة، ثم قدمتها وأنا شيخ، فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى أبى حنيفة.
وعن سويد بن سعيد، قال: سمعت سفيان بن عيينة، يقول: ما قدم رجل/مكة فى وقتنا أكثر صلاة من أبى حنيفة.
وقال أبو مطيع (^٣): كنت بمكّة، فما دخلت الطّواف فى ساعة من ساعات الليل إلاّ رأيت أبا حنيفة وسفيان فى الطّواف.
وقال يحيى بن أيّوب الزّاهد (^٣): كان أبو حنيفة لا ينام الليل.
وقال أبو عاصم النّبيل (^٤): كان أبو حنيفة يسمّى الوتد؛ لكثرة صلاته.
وعن أسد بن عمرو (^٥)، قال: صلّى أبو حنيفة-فيما حفظ عليه-صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، فكان عامّة الليل يقرأ القرآن جميعه فى ركعة واحدة، وكان يسمع بكاؤه بالليل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن فى الموضع الذى توفّى فيه سبعة آلاف مرّة.
_________________
(١) زيادة من: ص، على ما فى: ط، ن، وانظر فى هذا الفصل صفحات ٢٢٩ وما بعدها من الجزء الأول، من مناقب الإمام الأعظم.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٢.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٣.
(٤) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٤.
(٥) فى تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٤: «عمر»، وهو خطأ، وستأتى ترجمته فى ترجمته برقم ٤٦٥.
[ ١ / ٩٩ ]
وعن إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة (^١)، عن أبيه قال: لما مات أبى سألنا الحسن بن عمارة أن يتولّى غسله، ففعل فلما غسّله، قال: رحمك الله، وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسّد يمينك باللّيل أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القرّاء.
وعن أبى يوسف (^٢)، قال: بينا أنا أمشى مع أبى حنيفة، إذ سمع رجلا يقول لرجل:
هذا أبو حنيفة، لا ينام الليل.
فقال أبو حنيفة: والله، لا يتحدّث عنّى بما لا أفعل.
فكان يحيى الليل صلاة، ودعاء، وتضرّعا.
وعن ابن أبى معاذ (^٣)، عن مسعر بن كدام، قال: أتيت أبا حنيفة فى مسجده، فرأيته يصلّى الغداة، ثم يجلس للناس فى العلم، إلى أن يصلّى الظّهر، ثم يجلس إلى العصر، فإذا صلّى العصر جلس إلى المغرب، فإذا صلّى المغرب جلس إلى أن يصلّى العشاء، فقلت فى نفسى: هذا الرجل فى هذا الشّغل، متى يتفرّغ للعبادة؟، لأتعاهدنّه الليلة.
قال: فتعاهدته، فلما هدأ الناس، خرج إلى المسجد، فانتصب للصّلاة إلى أن طلع الفجر، ودخل منزله، ولبس ثيابه، وخرج إلى المسجد، وصلّى الغداة، فجلس للناس إلى الظهر، ثم إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء.
فقلت فى نفسى إن الرّجل قد تنشّط الليلة الماضية للعبادة، لأتعاهدنّه الليلة، فتعاهدته، فلما هدأ الناس خرج فانتصب للصّلاة، ففعل كفعله فى الليلة الأولى، فلما أصبح خرج إلى الصّلاة، وفعل كفعله فى يوميه، حتى إذا صلّى العشاء، قلت فى نفسى: إن الرّجل لينشط الليلة والليلة، لأتعاهدنّه. ففعل كفعله فى ليلتيه، فلما أصبح جلس كذلك، فقلت فى نفسى: لألزمنّه إلى أن أموت أو يموت.
قال: فلازمته فى مسجده.
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٤.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٥.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٦.
[ ١ / ١٠٠ ]
قال ابن أبى معاذ: فبلغنى أن مسعرا مات فى مسجد أبى حنيفة فى سجوده، رحمه الله تعالى.
وكان خارجة بن مصعب، يقول: ختم القرآن فى الكعبة أربعة من الأئمة: عثمان بن عفّان، وتميم الدّارىّ، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة، رضى الله تعالى عنهم.
وكان أبو حنيفة ربّما ختم القرآن فى شهر رمضان ستين ختمة (^١).
وحدّث أحمد بن يونس (^٢)، قال: سمعت زائدة، يقول: صلّيت مع أبى حنيفة فى مسجده عشاء الآخرة، وخرج الناس، ولم يعلم أنّى فى المسجد، وأردت أن أسأله عن مسألة، من حيث لا يراني أحد، قال: فقام فقرأ، وقد افتتح الصّلاة، حتى إذا بلغ إلى هذه الآية (^٣): ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾. فأقمت فى المسجد أنتظر فراغه، فلم يزل يردّدها حتى أذّن المؤذّن لصلاة الفجر.
وروى عن يزيد بن الكميت (^٤)،/وكان من خيار الناس، أنه كان يقول: كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا علىّ بن الحسن المؤذّن ليلة فى عشاء الآخرة (إذا زلزلت)، وأبو حنيفة خلفه، فلمّا قضى الصّلاة، وخرج الناس، نظرت إلى أبى حنيفة وهو جالس يفكّر، ويتنفّس، فقلت: أقوم، لا يشتغل قلبه.
فلما خرجت تركت القنديل، ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر، وهو قائم، قد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: «يا من يجزى بمثقال ذرّة خيرا خيرا، ويا من يجزى بمثقال ذرّة شرّا شرّا، أجر النعمان عبدك من النار، وما يقرب منها من السّوء، وأدخله فى سعة رحمتك».
قال: فأذّنت، فإذا القنديل يزهو وهو قائم، فلما دخلت، قال لى: تريد أن تأخذ القنديل؟
_________________
(١) هذا الخبر فى تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٧ عن يحيى بن نصر.
(٢) فى ط، ن: «يوسف»، والمثبت فى: ص، وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٧.
(٣) سورة الطور ٢٧.
(٤) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٧.
[ ١ / ١٠١ ]
قال: قلت قد أذّنت لصلاة الغداة.
قال: اكتم علىّ ما رأيت.
وركع ركعتى الفجر، وجلس حتى أقمت الصّلاة، وصلّى معنا الغداة على وضوء أوّل اللّيل. انتهى.
وقام (^١) رضى الله تعالى عنه ليلة بهذه الآية (^٢): ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ يردّدها، ويبكى، ويتضرّع.
وكان رحمه الله تعالى-كما قال ابن المبارك-أورع أهل الكوفة.
وروى (^٣) أنه كان شريكا لحفص بن عبد الرحمن، وكان أبو حنيفة يجهّز إليه الأمتعة، وهو يبيع، فبعث إليه فى رقعة بمتاع، وأعلمه أن فى ثوب كذا وكذا عيبا، فإذا بعته، فبيّن.
فباع حفص المتاع، ونسى أن يبيّن، ولم يعلم ممّن باعه، فلما علم أبو حنيفة تصدّق بثمن المتاع كلّه.
وروى أيضا (^٤)، عن أبى عبد الرحمن المسعودىّ، عن أبيه، قال: ما رأيت أحسن أمانة من أبى حنيفة، مات يوم مات، وعنده ودائع بخمسين ألفا، ما ضاع منها ولا درهم واحد.
ونقل (^٤) أنّ أبا جعفر المنصور أجازه بثلاثين ألف درهم فى دفعات، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّى ببغداد غريب، وعندى للناس ودائع، وليس لها عندى موضع، فاجعلها فى بيت المال.
فأجابه المنصور إلى ذلك، فدفع إليه الثلاثين ألفا، ووضعها فى بيت المال، فلما مات أبو حنيفة أخرجت ودائع الناس من بيته.
فقال المنصور: خدعنا أبو حنيفة.
_________________
(١) هذا الخبر أيضا، فى تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٧ عن القاسم بن معين.
(٢) سورة القمر ٤٦.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٨.
(٤) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٩.
[ ١ / ١٠٢ ]
وكان (^١) رحمه الله تعالى، قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله فى عرض كلامه إلا تصدّق بدرهم، فحلف فتصدّق به، ثم جعل على نفسه إن حلف أن يتصدّق بدينار، فكان إذا حلف صادقا فى عرض كلامه تصدّق بدينار.
وكان (^١) إذا أنفق على عياله نفقة تصدّق بمثلها، وإذا اكتسى ثوبا جديدا أكسى بقدر ثمنه الشيوخ العلماء.
وكان (^١) إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه فوضعه على الخبز، حتى يأخذ منه بقدر ضعف ما كان يأكل، ثم يعطيه لإنسان فقير، فإن كان فى الدّار من عياله إنسان يحتاج إليه، دفعه إليه، وإلاّ أعطاه مسكينا.
وقال وكيع (^٢): كان، والله، أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله فى قلبه جليلا كبيرا عظيما، وكان يؤثر رضاء ربّه على كلّ شئ، ولو أخذته السّيوف فى الله لاحتمل، رحمه الله تعالى، ورضى عنه رضى الأبرار، فلقد كان منهم.
وقال ابن المبارك (^٣): ما رأيت أحدا أورع من أبى حنيفة، وقد (^٤) جرّب بالسّياط والأموال.
فصل