ووفور العقل، والفطنة، والذكاء المفرط (^٣)،
والتلطّف فى الجواب، وبرّه لوالديه، ﵁
روى الخطيب (^٤) بسنده، عن يحيى بن نصر، قال: كان (^٥) أبو حنيفة يفضّل أبا بكر
_________________
(١) فى تاريخ بغداد: «ورعاية الحق». (¬٢ - ٢) فى ص: «بمنه وكرمه»، والمثبت فى: ط، ن.
(٢) ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٨٣.
(٤) ساقط من: ط، ن، وهو فى: ص.
[ ١ / ١٠٩ ]
وعمر، ويحبّ عليّا وعثمان، وكان يؤمن بالأقدار، ولا يتكلّم فى القدر، وكان يمسح على الخفّين، وكان من أعلم الناس فى زمانه وأتقاهم.
*وعن أبى يوسف، عن أبى حنيفة، أنه قال: من قال: القرآن مخلوق (^١) فهو مبتدع، فلا يقولنّ أحد بقوله، ولا يصلّينّ أحد خلفه.
وروى (^٢) أن ابن المبارك قدم على أبى حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا (^٣) الذى دبّ فيكم؟
قال له: رجل يقال له جهم.
قال: وما يقول؟
قال: يقول القرآن مخلوق.
فقال أبو حنيفة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِبًا ٤﴾.
وكان معلّى بن منصور (^٥) الرّازىّ، يقول: ما تكلّم أبو حنيفة، ولا أبو يوسف، ولا زفر، ولا محمّد، ولا أحد من أصحابهم فى القرآن، وإنّما تكلّم بشر المريسىّ، وابن أبى دواد.
وعن ابن المبارك (^٦): قلت لسفيان الثّورىّ، يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، وما سمعته يغتاب عدوّا له قطّ.
قال: هو والله أعقل من أن يسلّط على حسناته ما يذهب بها.
وكان علىّ بن عاصم، يقول: لو وزن عقل أبى حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح
_________________
(١) مكان قوله «القرآن مخلوق» فى ط كلام مضطرب هو: «ينبغى أن يقال من قال بخلق القرآن ليصح الكلام تأمل بالقرآن»، وفى ن: «بخلق القرآن»، والمثبت فى: ص.
(٢) تاريخ بغداد ٣٧٨،١٣/ ٣٧٧.
(٣) ساقط من: ط، ن، وهو فى: ص، وتاريخ بغداد.
(٤) سورة الكهف ٥.
(٥) زيادة من: ص، على ما فى: ط، ن.
(٦) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٣.
[ ١ / ١١٠ ]
بهم.
وقال خارجة (^١) بن مصعب: لقيت ألفا من العلماء فوجدت العاقل فيهم أربعة. فذكر أبا حنيفة فى الثلاثة أو الأربعة.
وقال أيضا (^٢): من لا يرى المسح على الخفّين، أو يقع فى أبى حنيفة، فهو ناقص العقل.
وكان يزيد بن هارون (^٢)، يقول: رأيت (^٣) الناس، فما رأيت أحدا أعقل، ولا أفضل، ولا أورع من أبى حنيفة.
وروى الخطيب، فى «تاريخه» (^٢)، أنه كان بالكوفة رجل يقول: عثمان بن عفان كان يهوديّا.
فأتاه أبو حنيفة، فقال: أتيتك خاطبا لابنتك.
قال: لمن؟
قال: لرجل شريف، غنىّ من المال، حافظ /لكتاب الله، لكتاب الله، سخىّ، يقوم الليل فى ركعة، كثير البكاء من خوف الله.
قال: فى دون هذا مقنع يا أبا حنيفة.
قال: إلاّ أن فيه خصلة.
قال: وما هى؟
قال: يهودىّ.
قال: سبحان الله، تأمرنى أن أزوّج ابنتى من يهودىّ.
_________________
(١) فى ط: «جارحة»، والكلمة غير واضحة فى: ن، والصواب فى: ص، وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٤. وهو خارجة بن مصعب السرخسى، من كبار المحدثين بخراسان، توفى سنة ثمان وستين ومائة. العبر ١/ ٢٥٢.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٤.
(٣) فى تاريخ بغداد: «أدركت».
[ ١ / ١١١ ]
قال: لا تفعل؟
قال: لا.
قال: فالنبىّ ﷺ زوّج ابنته من يهودىّ!.
قال: أستغفر الله، فإنّى تائب إلى الله (^١).
وروى الخطيب أيضا (^٢)، بسنده، عن إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة، قال: كان لنا جار طحّان رافضىّ، وكان له بغلان (^٣)؛ أحدهما أبو بكر (^٤) والآخر عمر، فرمحه ذات ليلة أحدهما، فقتله، فأخبر أبو حنيفة، فقال: انظروا البغل الذى رمحه، هو الذى سمّاه عمر. فنظروا. فكان كذلك.
وقال ابن المبارك (^٤): رأيت أبا حنيفة فى طريق مكة، وقد شوى لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخلّ، فلم يجدوا شيئا يصبّون فيه الخلّ، فتحيّروا، فرأيت أبا حنيفة قد حفر فى الرّمل حفرة، وبسط عليها السّفرة، وسكب الخلّ على ذلك الموضع، فأكلوا الشّواء بالخلّ. فقالوا له: تحسن كل شئ!!
قال: عليكم بالشكر، هذا شئ ألهمته فضلا من الله عليكم.
وعن أبى يوسف (^٥)، قال: دعا المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع حاجب المنصور، وكان يعادى أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جدّك، كان عبد الله بن عبّاس يقول: إذا حلف اليمين ثمّ استثنى بعد ذلك بيوم أو يومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة:
لا يجوز الاستثناء، إلا متّصلا باليمين.
فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إن الرّبيع يزعم أنه ليس لك فى رقاب جندك بيعة.
_________________
(١) فى ط: «فأتى تائبا»، وفى تاريخ بغداد: «إنّي تائب»، والمثبت فى: ص، ن.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٤.
(٣) فى تاريخ بغداد بعد هذا زيادة: «سمى».
(٤) فى تاريخ بغداد: «أبا بكر».
(٥) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٥.
[ ١ / ١١٢ ]
قال: وكيف؟
قال: يحلفون لكم، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون، فتبطل أيمانهم.
قال: فضحك المنصور، وقال: يا ربيع، لا تعرض لأبى حنيفة.
فلمّا خرج أبو حنيفة، قال: أردت أن تشيط (^١) بدمى؟
قال: لا، ولكنّك أردت أن تشيط بدمى فخلّصتك، وخلّصت نفسى.
وكان أبو العبّاس الطّوسىّ (^٢) سيّئ الرّأى فى أبى حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على أبى جعفر المنصور يوما، وكثر الناس عنده، فقال الطّوسىّ: اليوم أقتل أبا حنيفة.
فأقبل عليه، فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل منّا، فيأمره بضرب عنق الرجل، لا يدرى ما هو، أيسعه أن يضرب؟
فقال: يا أبا العباس، أمير المؤمنين يأمر بالحقّ أو بالباطل؟
قال: بالحقّ.
قال: أنفذ الحقّ حيث كان، ولا تسأل عنه.
ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقنى فربطته.
وكان أبو حنيفة، ﵀، كثير البرّ بوالدته، والقيام بواجب حقّها، وإدخال السّرور عليها، وعدم المخالفة لها.
حدّث حجر بن عبد الجبّار الحضرمىّ (^٣)، رحمه الله تعالى، قال: كان فى مسجدنا قاصّ يقال له زرعة، ينسب مسجدنا إليه، وهو مسجد الحضرميّين، فأرادت أمّ أبى حنيفة أن
_________________
(١) شاط بدمه: أهلكه، أو عمل فى هلاكه، أو عرضه للقتل. القاموس (ش ى ط).
(٢) تاريخ بغداد ٣٦٦،١٣/ ٣٦٥.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٦.
[ ١ / ١١٣ ]
تستفتى فى شئ، فأفتاها أبو حنيفة، فلم تقبل، وقالت: ما أقبل إلاّ ما يقوله (^١) زرعة القاصّ (^٢).
فجاء بها (^٣) أبو حنيفة إلى زرعة (^٤)، فقال: هذه أمىّ تستفتيك فى كذا وكذا.
فقال: أنت أعلم منّى وأفقه، فأفتها أنت.
فقال أبو حنيفة: قد أفتيتها بكذا وكذا.
فقال زرعة: القول كما قال أبو حنيفة.
فرضيت وانصرفت.
وفى رواية، أن زرعة قال لها: أفتيك ومعك فقيه الكوفة!
فقال أبو حنيفة: أفتها بكذا وكذا. فأفتاها، فرضيت.
وفى برّه بوالديه وتعظيمه لشيخه حمّاد يقول بعضهم (^٥):
/نعمان كان أبرّ الناس كلّهم … بوالديه وبالأستاذ حمّاد
ما مدّ رجليه يوما نحو منزله … ودونه سكك سبع كأطواد
روى أن أبا حنيفة قال: ما مددت رجلى نحو دار أستاذى حمّاد؛ إجلالا له. وكان بين داره وداره سبع سكك.
وعن ابن المبارك، أنه قال: رأيت الحسن بن عمّار آخذا بركاب أبى حنيفة، وهو يقول: والله ما أدركت أحدا تكلّم فى الفقه أبلغ، ولا أصبر، ولا أحضر جوابا منك، وإنك لسيّد من تكلّم فيه فى وقتك غير مدافع، ولا يتكلّمون فيك إلا حسدا.
_________________
(١) فى تاريخ بغداد: «يقول».
(٢) ساقط من: ن، وهو فى: ص، ط، وتاريخ بغداد.
(٣) ساقط من: ن، وهو فى: ص، ط، وتاريخ بغداد.
(٤) فى ط: «فأجابها»، والمثبت فى: ص، وتاريخ بغداد.
(٥) قائل هذين البيتين-من أبيات-هو الموفق المكى صاحب المناقب، وهما فيها ٢/ ٨٠٧، وأيضا فى مناقب الكردرى ١/ ٢٦٣.
[ ١ / ١١٤ ]
وكان ابن داود يقول: الناس فى أبى حنيفة حاسد، وجاهل، وأحسنهم عندى حالا الجاهل.
وحدّث سفيان بن وكيع (^١)، قال سمعت أبى يقول: دخلت على أبى حنيفة، فرأيته مطرقا مفكّرا، فقال لى: من أين أقبلت؟
قلت: أقبلت من عند شريك.
فرفع رأسه وأنشأ يقول (^٢):
إن يحسدونى فإنىّ غير لائمهم … قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لى ولهم ما بى وما بهم … ومات أكثرنا غيظا بما يجد
قال: وأظنه كان بلغه عنه شئ.
وذكر لمحمد بن الحسن ما يجرى الناس من الحسد لأبى حنيفة فقال (^٣):
محسّدون وشرّ الناس منزلة … من عاش فى الناس يوما غير محسود (^٤)
فصل