وثناء الأئمة عليه
روى الخطيب البغدادىّ (^٣) بسنده، عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: «إنّ فى أمّتى رجلا»، وفى حديث القصرىّ (^٤): «يكون فى أمّتى رجل، اسمه النّعمان، وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمّتى (^٥)»
قال الخطيب، بعد روايته: قلت: وهو حديث موضوع، وتفرّد بروايته البورقىّ (^٦).
قلت: قد ذكر أنه موضوع غير الخطيب أيضا، وإنما ذكرناه نحن هنا لاحتمال صحّته فى نفس الأمر عند الله تعالى، ولأن معناه متحقّق فى الإمام رضى الله تعالى عنه، فإنه، بلا شبهة ولا ريب، سراج يستضاء بنور علمه، ويهتدى بسناء فكره الثاقب، وحسن فهمه، ولأنه لا يترتّب عليه شئ من أحكام الدين، ولا يثبت به قاعدة من قواعد الإسلام.
وروى الخطيب (^٧) أيضا، عن الحسن بن سليمان، فى تفسير الحديث: «لا تقوم السّاعة حتّى يظهر العلم» قال: هو علم أبى حنيفة وتفسيره للآثار (^٨).
_________________
(١) يعنى ابن مهران، كما جاء فى تاريخ بغداد.
(٢) ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٥، وانظر مناقب الإمام الأعظم صفحات ٩ وما بعدها.
(٤) هو عبد الله أحمد بن أحمد بن على، كما فى تاريخ بغداد.
(٥) بعد هذا فى تاريخ بغداد تكرار «هو سراج أمتى» للمرة الثالثة، وعلى تكراره مرتين علامة «صح» فى: ص.
(٦) نسبة إلى بورق، وهو شئ يقال له بورة، وهو أبو عبد الله بن سعيد البورقى، من أهل مرو، كان يضع الحديث، توفى بمرو سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. اللباب ١/ ١٥٠. وفى حاشية تاريخ بغداد، تعليقا على هذا الحديث: «استوفى طرقه البدر العينى فى تاريخه الكبير، واستصعب الحكم عليه بالوضع مع وروده بتلك الطرق الكثيرة».
(٧) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٦.
(٨) فى تاريخ بغداد: «الآثار».
[ ١ / ٨١ ]
وروى أيضا عن خلف بن أيّوب، انه قال: صار العلم من عند (^١) الله تعالى إلى محمّد ﷺ، ثم صار إلى أصحابه، ثم صار إلى التّابعين، ثمّ صار إلى أبى حنيفة وأصحابه، فمن شاء فليرض، ومن شاء فليسخط.
وعن إسحاق بن بهلول (^٢)، سمعت ابن عيينة، يقول: «ما مقلت عينى مثل أبى حنيفة».
وعن إبراهيم بن عبد الله الخلاّل، قال: سمعت ابن المبارك يقول: كان أبو حنيفة آية.
فقال له قائل: فى الشرّ يا أبا عبد الرحمن، أو فى الخير؟
فقال: اسكت يا هذا؛ فإنه يقال: غاية فى الشّرّ، آية (^٣) فى الخير، ثم تلا هذه الآية (^٤):
﴿(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾.
وعن ابن المبارك أيضا (^٥)، قال: ما كان أوقر مجلس أبى حنيفة، كان حسن السّمت، حسن الوجه، حسن الثوب، ولقد كنّا يوما فى مسجد الجامع، فوقعت حيّة، فسقطت فى حجر أبى حنيفة، وهرب الناس غيره، ما رأيته زاد على أن نفض الحيّة، وجلس مكانه.
وعنه أيضا (^٦)، أنه قال: لولا أن الله أعاننى (^٧) بأبى حنيفة وسفيان، لكنت كسائر الناس.
وعن أبى يحيى الحمّانىّ أنه كان يقول (^٨): ما رأيت رجلا قطّ خيرا من أبى حنيفة.
_________________
(١) زيادة من: ط، ن، على ما فى: ص، وتاريخ بغداد.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٦.
(٣) فى تاريخ بغداد: «وآية».
(٤) سورة المؤمنون ٥٠.
(٥) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٦.
(٦) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٧.
(٧) فى تاريخ بغداد: «أغاثنى».
(٨) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٧. والحمانى: نسبة إلى حمان، وهى قبيلة من تميم، وهو أبو يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن ميمون. اللباب ١/ ٣١٦.
[ ١ / ٨٢ ]
وكان أبو بكر (^١) الواعظ، يقول: أبو حنيفة أفضل أهل زمانه.
وعن سهل بن مزاحم (^٢)، أنه كان يقول: بذلت الدنيا لأبى حنيفة فلم يردها، وضرب عليها بالسّياط فلم يقبلها.
وقيل للقاسم بن معن (^٣) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: ترضى أن تكون من غلمان أبى حنيفة؟.
قال: ما جلس الناس إلى أحد أنفع من مجالسة أبى حنيفة.
وحدّث الشافعىّ محمد بن إدريس (^٤)، قال: قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة؟.
قال: نعم، رأيت رجلا لو كلّمك فى هذه السّارية أن يجعلها ذهبا، لقام بحجّته.
وعن روح بن عبادة (^٥)، أنه قال: كنت عند ابن جريج سنه خمسين، وأتاه موت أبى حنيفة، فاسترجع، وتوجّع، وقال: أىّ علم ذهب.
قال: ومات فيها ابن جريج.
وروى عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: قدمت الشام على الأوزاعىّ، فرأيته ببيروت، فقال لى: يا خراسانىّ، من هذا المبتدع الذى خرج بالكوفة، يكنى أبا حنيفة؟!
فرجعت إلى/بيتى، فأقبلت على كتب أبى حنيفة، فأخرجت منها مسائل من جياد (^٦) المسائل، وبقيت فى ذلك ثلاثة أيام، فجئته يوم الثالث وهو مؤذّن مسجدهم وإمامهم، والكتاب فى يدى، فقال لى: أىّ شئ هذا الكتاب؟
_________________
(١) هو ابن عياش، كما فى تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٧.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٧.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٧.
(٤) تاريخ بغداد ٣٣٨،١٣/ ٣٣٧.
(٥) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٨.
(٦) فى ط، ن: «جباه»، والمثبت فى: ص، وتاريخ بغداد.
[ ١ / ٨٣ ]
فناولته، فنظر فى مسألة منها وقّعت عليها: قال النعمان بن ثابت (^١). فما زال قائما بعد ما أذّن حتى قرأ صدرا من الكتاب، ثم وضع الكتاب فى كمّه، ثم قام وصلّى، ثمّ أخرج الكتاب حتى أتى عليها. فقال: يا خراسانىّ، من النعمان بن ثابت هذا؟
قلت: شيخ لقيته بالعراق.
فقال: هذا نبيل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه.
قلت: هذا أبو حنيفة الذى نهيت عنه.
وعن مسعر بن كدام (^٢)، أنه قال: ما أحسد أحدا بالكوفة إلاّ رجلين، أبا حنيفة فى فقهه، والحسن بن صالح فى زهده.
وعن إبراهيم بن الزّبرقان، أنه قال: كنت يوما عند مسعر، فمرّ بنا أبو حنيفة، فسلّم ووقف عليه، ثم مضى، فقال بعض القوم لمسعر: ما أكثر خصوم أبى حنيفة!!
فاستوى مسعر منتصبا، ثم قال: إليك فما رأيته خاصم أحدا قطّ إلا فلج (^٣) عليه.
وعن أبى غسّان (^٤)، أنه قال: سمعت إسرائيل، يقول: كان نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه لكلّ حديث فيه فقه، وأشدّ فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه.
وكان مسعر يقول: من (^٥) جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رجوت أن لا يخاف، ولا يكون فرّط فى الاحتياط لنفسه.
وعن علىّ ابن المدينىّ (٦) أنه قال: سمعت عبد الرّزّاق، يقول: كنت عند معمر، فأتاه ابن المبارك، فسمعنا معمرا يقول: ما أعرف رجلا يحسن يتكلم فى الفقه، أو يسعه أن يقيس
_________________
(١) ساقط من تاريخ بغداد.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٨.
(٣) فلج عليه: غلبه وفاز عليه.
(٤) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٩.
(٥) فى الأصول: «لمن»، والمثبت فى تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٩. تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٩.
[ ١ / ٨٤ ]
ويشرح لمخلوق النجاة فى الفقه، أحسن معرفة من أبى حنيفة (^١)، ولا أشفق على نفسه (^٢)، أن يدخل فى دين الله شيئا من الشّكّ من أبى حنيفة.
وعن عبد الله بن أبى جعفر الرّازىّ (^٣) قال: سمعت أبى يقول: ما رأيت أحدا أفقه من أبى حنيفة، وما رأيت (^٤) أورع من أبى حنيفة.
وحدّث سعيد بن منصور (^٥)، قال: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: كان أبو حنيفة رجلا فقيها، معروفا بالفقه، مشهورا بالورع، واسع المال، معروفا بالإفضال على كلّ من يضيف، صبورا على تعليم العلم بالليل والنّهار، حسن الليل (^٦)، كثير الصّمت، قليل الكلام، حتى ترد مسألة فى حلال أو حرام، وكان (^٧) يحسن (^٨) يدلّ على الحقّ، هاربا من مال السّلطان (^٩)، وكان إذا وردت مسألة فيها حديث صحيح اتّبعه، وإن كان عن الصّحابة والتّابعين، وإلاّ قاس فأحسن (^١٠) القياس.
وقال أبو يوسف (^١١): ما رأيت أحدا أعلم بتفسير الحديث، ومواضع النّكت التى فيه من الفقه، من أبى حنيفة.
وقال: ما خالفت أبا حنيفة فى شئ قطّ، فتدبّرته، إلاّ رأيت مذهبه الذى ذهب إليه أنجى فى الآخرة، وكنت ربّما ملت إلى الحديث، وكان هو أبصر بالحديث الصحيح منّى.
_________________
(١) ساقط من: ن، وهو فى: ص، ط، وتاريخ بغداد.
(٢) فى تاريخ بغداد بعد هذا زيادة: «من».
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٣٩.
(٤) بعد هذا فى تاريخ بغداد زيادة: «أحدا».
(٥) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٠.
(٦) مكان هذه الكلمة بياض فى: ن، و«حسن الليل» يعنى حسن القيام بالليل.
(٧) فى تاريخ بغداد: «فكان».
(٨) فى تاريخ بغداد بعد هذا زيادة: «أن».
(٩) فى تاريخ بغداد أن هذا آخر حديث مكرم، وما سيأتى هو من زيادة ابن الصباح.
(١٠) فى تاريخ بغداد: «وأحسن».
(١١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٠.
[ ١ / ٨٥ ]
وقال: إنّي لأدعو لأبى حنيفة قبل أبوىّ (^١)، ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: إنّي لأدعو لحمّاد مع أبوىّ.
*وقال الأعمش يوما لأبى يوسف (^٢): كيف ترك صاحبك أبو حنيفة قول عبد الله:
عتق الأمة طلاقها؟
قال: تركه لحديثك الذى حدّثته عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: أن بريرة حين أعتقت خيّرت.
قال الأعمش: إن أبا حنيفة لفطن. وأعجبه (^٣) ما أخذ به أبو حنيفة./
وعن أبى بكر بن عيّاش (^٤)، قال: مات عمر بن سعيد أخو سفيان، فأتيناه نعزّيه، فإذا المجلس غاصّ بأهله، وفيهم عبد الله بن إدريس، إذ أقبل أبو حنيفة فى جماعة معه، فلما رآه سفيان تحرّك من مجلسه، ثم قام فاعتنقه، وأجلسه فى موضعه، وقعد بين يديه.
قال أبو بكر: فاغتظت عليه.
وقال ابن إدريس: ألا ترى ويحك!
فجلسنا حتى تفرّق الناس، فقلت لعبد الله بن إدريس: لا تقم حتى نعلم ما عنده فى هذا.
فقلت: يا أبا عبد الله، رأيتك اليوم فعلت شيئا أنكرته وأنكره أصحابنا عليك.
قال: وما هو؟
قلت: جاء أبو حنيفة، فقمت إليه، وأجلسته فى مجلسك، وصنعت به صنيعا بليغا، وهذا عند أصحابنا منكر.
_________________
(١) ساقط من: ط، ن، وهو فى: ص، وتاريخ بغداد.
(٢) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٠.
(٣) قبل هذا فى تاريخ بغداد زيادة: «قال».
(٤) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤١.
[ ١ / ٨٦ ]
فقال: وما أنكرت من ذلك! هذا رجل من العلم بمكان، فإن لم أقم لعلمه قمت لسنّه، وإن لم أقم لسنّه قمت لفقهه، وإن لم أقم لفقهه قمت لورعه.
فأفحمنى فلم يكن عندى جواب.
وعن محمّد بن الفضل الزاهد البلخىّ (^١)، قال: سمعت أبا مطيع الحكم بن عبد الله، يقول: ما رأيت صاحب حديث أفقه من سفيان الثّورىّ، وكان أبو حنيفة أفقه منه.
وعن الحسن بن علىّ، أنه قال: سمعت يزيد بن هارون، وقد (^٢) سأله إنسان، فقال: يا أبا خالد، من أفقه من رأيت؟
قال: أبو حنيفة.
قال الحسن: ولقد قلت لأبى عاصم-يعنى النّبيل-أبو حنيفة أفقه أو سفيان؟
قال: عبد أبى حنيفة أفقه من سفيان.
وسئل يزيد بن هارون (^٣)، (^٤) مرّة أخرى (^٤)، أيّهما أفقه أبو حنيفة أو سفيان؟
قال: سفيان أحفظ للحديث، وأبو حنيفة أفقه.
وقال أبو عاصم النّبيل (^٣)، وقد سئل أيضا عنهما: غلام من غلمان أبى حنيفة أفقه من سفيان.
وقال سجّادة (^٣): دخلت على يزيد بن هارون، أنا وأبو مسلم المستملى، وهو نازل ببغداد على المنصور (^٥) بن المهدىّ، فصعدنا إلى غرفة هو فيها، فقال له أبو مسلم: ما تقول يا أبا خالد فى أبى حنيفة، والنّظر فى كتبه؟
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٢.
(٢) سقطت «قد» من: ص، وتاريخ بغداد، وهى فى: ط، ن.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٢. (¬٤ - ٤) ساقط من تاريخ بغداد.
(٤) فى ص، وتاريخ بغداد: «منصور»، والمثبت فى: ط، ن.
[ ١ / ٨٧ ]
قال: انظروا فيها إن كنتم تريدون أن تفقهوا؛ فإنى ما رأيت أحدا من الفقهاء يكره النّظر فى قوله، ولقد احتال الثّورىّ فى «كتاب الرّهن» حتى نسخه.
وروى عن عبد الله بن المبارك (^١)، أنه قال: رأيت أعبد الناس؛ ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس، فأمّا أعبد الناس فعبد العزيز بن أبى روّاد، وأمّا أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسفيان الثّورىّ، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة (^٢)، ما رأيت فى الفقه مثله.
وعنه أيضا (^٣)، أنه قال: إن كان الأثر قد عرف واحتيج إلى الرّأى، فرأى مالك، وسفيان، وأبى حنيفة، وأبو حنيفة (^٤) أحسنهم، وأدقّهم فطنة، وأغوصهم على الفقه، وهو أفقه الثلاثة.
وقال (^٥) أبو عاصم النّبيل، وقد سئل: أيّهما أفقه؛ سفيان، أو أبو حنيفة؟
فقال: إنما يقاس الشئ إلى شكله، أبو حنيفة فقيه تامّ الفقه، وسفيان رجل متفقّه.
وقال ابن المبارك (^٦): رأيت مسعرا فى حلقة أبى حنيفة، جالسا بين يديه، يسأله ويستفيد منه، وما رأيت أحدا قطّ فى الفقه أحسن من أبى حنيفة.
وعن إبراهيم بن هاشم (^٧)، عن أبى (^٨) داود، أنه قال: إذا أردت الآثار. أو قال:
الحديث. وأحسبه (^٩) /قال: والورع، فسفيان، وإذا أردت تلك الدّقائق، فأبو حنيفة.
_________________
(١) تاريخ بغداد ٣٤٣،١٣/ ٣٤٢.
(٢) بعد هذا فى تاريخ بغداد زيادة: «ثم قال».
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٣.
(٤) ساقط من: ط، ن، وهو فى ص، وتاريخ بغداد.
(٥) فى ص: «وقال أحمد بن محمد: حدثنا نصر بن على، قال: سمعت أبا عاصم»، وهذا هو سند الخطيب، كما ورد فى تاريخه ١٣/ ٣٤٢، وليس من عادة المصنف إيراده، والمثبت فى: ط، ن.
(٦) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٣.
(٧) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٤.
(٨) فى تاريخ بغداد: «ابن»، وأظنه الصواب، ولعله عبد الله بن داود الخريبى الآتى بعد.
(٩) فى ط، ن «أو حسبه»، والمثبت فى: ص، وتاريخ بغداد.
[ ١ / ٨٨ ]
وقال محمّد بن بشر: كنت أختلف إلى أبى حنيفة، وإلى سفيان، فآتى أبا حنيفة فيقول لى: من أين جئت؟.
فأقول: من عند سفيان.
فيقول: لقد جئت من عند رجل لو أن علقمة والأسود حضرا لاحتاجا إلى مثله.
فآتى سفيان، فيقول لى: من أين جئت؟.
فأقول: من عند أبى حنيفة.
فيقول: لقد جئت من عند أفقه أهل الأرض.
وقال أبو نعيم (^١): كان أبو حنيفة صاحب غوص فى المسائل.
وعن أبى عبد الله الكاتب، قال: سمعت عبد الله بن داود الخريبىّ (^٢) يقول: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا الله لأبى حنيفة فى صلواتهم.
قال: وذكر حفظه عليهم السّنن والفقه.
وقال شدّاد بن حكيم: ما رأيت أعلم من أبى حنيفة.
وقال مكّىّ بن إبراهيم (^٣): كان أبو حنيفة أعلم أهل زمانه.
وقال النّضر بن شميل: كان الناس نياما عن الفقه، حتى أيقظهم أبو حنيفة؛ فيما فتّقه وبيّنه ولخّصه.
وحدّث أحمد بن على بن سعيد القاضى، قال سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٤.
(٢) فى الأصول: «عبيد الله بن داود الحريثى» وفى تاريخ بغداد: «عبيد الله بن داود الخريبى»، والصواب ما أثبته. انظر العبر ١/ ٣٦٤، واللباب ١/ ٣٥٩. والخريبى نسبة إلى الخريبة، وهى محلة بالبصرة.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٥.
[ ١ / ٨٩ ]
يحيى بن سعيد القطّان، يقول: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأى أبى حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله.
قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب فى الفتوى إلى قول الكوفيّين، ويختار من قولهم قوله، ويتبع رأيه من بين أصحابه.
وقال الإمام الشافعىّ (^١): الناس عيال على أبى حنيفة فى الفقه.
وقال أيضا: ما رأيت أفقه من أبى حنيفة. يعنى ما علمت (^٢).
وقال (^٣): كان أبو حنيفة ممّن وفّق له الفقه، ومن أراد أن يتبحّر فى الشّعر فهو عيال على زهير بن أبى سلمى، ومن أراد أن يتبحّر فى المغازى فهو عيال على محمّد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحّر فى النحو فهو عيال على الكسائىّ، ومن أراد أن يتبحّر فى تفسير القرآن فهو عيال على مقاتل بن سليمان.
وعن حرملة (^٤)، أنه قال: سمعت الشافعىّ، يقول: الناس عيال على هؤلاء الخمسة.
وعن الحسن بن عثمان (^٤)، أنه كان يقول: وجدت العلم بالعراق والحجاز ثلاثة، علم أبى حنيفة، وتفسير الكلبىّ، ومغازى محمّد بن إسحاق.
وعن أحمد بن عطيّة (^٤)، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: القراءة عندى قراءة حمزة، والفقه فقه أبى حنيفة، على هذا أدركت الناس.
(^٥) وعن أبى علىّ الجبّائىّ المعتزلىّ المشهور، أنه قال: الحديث لأحمد بن حنبل، والفقه لأصحاب أبى حنيفة، والكلام للمعتزلة، والكذب للرّافضة (^٥).
وقال جعفر بن ربيع (^٦): أقمت على أبى حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتا
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٦.
(٢) هذا تفسير الخطيب البغدادى.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٦.
(٤) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٧. (¬٥ - ٥) ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن.
(٥) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٧.
[ ١ / ٩٠ ]
منه، فإذا سئل عن شئ من الفقه تفتّح وسال كالوادى، وسمعت له دويّا، وجهارة بالكلام.
وقال إبراهيم بن عكرمة المخزومىّ (^١): ما رأيت أحدا أورع، ولا أفقه من أبى حنيفة.
وعن علىّ بن عاصم (^٢)، قال: دخلت على أبى حنيفة وعنده حجّام يأخذ من شعره، فقال للحجّام: تتبّع موضع البياض.
فقال الحجّام: لا، فإنه يكثر.
قال: فتتبّع مواضع السّواد، لعلّه يكثر.
وبلغت هذه الحكاية شريكا، فضحك، وقال: لو ترك قياسه لتركه مع الحجّام.
*وروى الخطيب فى «تاريخه» (^٣)، عن محمد بن فضيل الزّاهد، قال: سمعت أبا مطيع، يقول: مات رجل/وأوصى إلى أبى حنيفة وهو غائب.
قال: فقدم أبو حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادّعى الوصيّة، وأقام البيّنة، أن فلانا مات وأوصى إليه.
فقال ابن شبرمة: يا أبا حنيفة، احلف أنّ شهودك شهدوا بحقّ.
قال: ليس علىّ يمين.
قال: ضلّت مقاييسك (^٤) يا أبا حنيفة.
قال أبو حنيفة: بل (^٥) ضلّت مقاييسك أنت (^٥)، ما تقول فى أعمى شجّ، فشهد له شاهدان أن فلانا شجّه، هل (^٦) على الأعمى يمين أن شهوده شهدوا بالحق، وهو لا يرى؟
(^٦) فانقطع ابن شبرمة (^٦).
_________________
(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٧.
(٢) تاريخ بغداد ٣٤٨،١٣/ ٣٤٧.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٤٨.
(٤) فى تاريخ بغداد: «مقاليدك». (¬٥ - ٥) فى تاريخ بغداد: «ضلت مقاليدك». (¬٦ - ٦) ساقط من تاريخ بغداد.
[ ١ / ٩١ ]
*وروى الخطيب أيضا (^١)، عن النّضر بن محمّد، قال: دخل قتادة الكوفة، ونزل فى دار أبى بردة، فخرج يوما، وقد اجتمع إليه خلق كثير، فقال قتادة: والله الذى لا إله إلا هو، ما يسألنى اليوم أحد عن الحلال والحرام إلا أجبته.
فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطّاب، ما تقول فى رجل غاب عن أهله أعواما، فظنّت امرأته أن زوجها مات، فتزوّجت، ثم رجع زوجها الأوّل، ما تقول فى صداقها؟
وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدّث بحديث ليكذبنّ، وإن قال برأى نفسه ليخطئنّ.
فقال قتادة: ويلك، أوقعت هذه المسألة؟
قال: لا.
قال: فلم تسألنى عمّا لم يقع؟
فقال أبو حنيفة: إنا نستعدّ للبلاء قبل نزوله، فإذا وقع عرفنا الدّخول فيه والخروج منه.
قال قتادة: والله لا أحدّثكم بشئ من الحلال والحرام، سلونى عن التفسير.
*فقام إليه أبو حنيفة، فقال له: يا أبا الخطّاب: ما تقول فى قول الله تعالى (^٢): ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)؟﴾.
قال: نعم، هذا آصف بن برخيا بن شمعيا، كاتب سليمان بن داود، وكان يعرف اسم الله الأعظم.
فقال أبو حنيفة: وهل كان يعرف الاسم سليمان؟
قال: لا.
_________________
(١) تاريخ بغداد ٣٤٩،١٣/ ٣٤٨.
(٢) سورة النمل ٤٠.
[ ١ / ٩٢ ]
قال: فيجوز أن يكون فى زمان نبىّ من هو أعلم من النبىّ؟
قال: فقال قتادة: والله لا أحدّثكم بشئ من التفسير، سلونى عمّا اختلف فيه العلماء.
*قال: فقام إليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا الخطّاب، أمؤمن أنت؟
قال: أرجو.
قال: ولم؟
قال: لقول إبراهيم ﵊ (^١): ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.
فقال أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم، ﵊ (^٢): ﴿قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى﴾.
قال: فقام قتادة مغضبا، ودخل الدّار، وحلف أن لا يحدّثهم.
وروى الخطيب أيضا (^٣)، عن الفضل بن غانم، قال: كان أبو يوسف مريضا شديد المرض، فعاده أبو حنيفة مرارا، فصار إليه آخر مرّة، فرآه ثقيلا، فاسترجع، ثم قال: لقد كنت أؤمّلك بعدى للمسلمين، ولئن أصيب الناس بك ليموتنّ علم كثير.
ثم رزق العافية، وخرج من العلّة، فأخبر أبو يوسف بقول أبى حنيفة فيه، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه الناس إليه، فعقد لنفسه مجلسا فى الفقه، وقصّر عن لزوم مجلس أبى حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنه عقد لنفسه مجلسا، وأنه بلغه كلامك فيه.
*فدعا رجلا كان له عنده قدر، فقال: صر إلى مجلس يعقوب، فقل له: ما تقول فى رجل دفع إلى قصّار ثوبا ليقصره بدرهم (^٤)، فصار إليه بعد أيّام فى طلب الثوب، فقال له
_________________
(١) سورة الشعراء ٨٢
(٢) سورة البقرة ٢٦٠.
(٣) تاريخ بغداد ٣٥٠،١٣/ ٣٤٩.
(٤) قصر الثوب: بيّضه. المصباح المنير (ق ص ر).
[ ١ / ٩٣ ]
القصّار: مالك عندى شئ. وأنكره، ثم إن ربّ الثّوب رجع إليه، فدفع إليه الثّوب مقصورا، أله أجره؟. فإن قال: له أجره، فقل: أخطأت. وإن قال: لا أجر له. فقل: أخطأت.
فصار إليه، فسأله، فقال أبو يوسف: له الأجرة.
فقال: أخطأت/.
فنظر ساعة، ثم قال: لا أجرة له.
فقال: أخطأت.
فقام أبو يوسف من ساعته، فأتى أبا حنيفة، فقال له، ما جاء بك إلا مسألة القصّار.
قال: أجل.
فقال: سبحان الله، من قعد يفتى الناس، وعقد مجلسا يتكلّم فى دين الله، وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب (^١) فى (^٢) مسألة من الإجارات!
فقال: يا أبا حنيفة، علّمنى.
فقال: إن قصره بعد ما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصر لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه، فله الأجرة، لأنه قصره لصاحبه.
ثم قال: من ظنّ أن يستغنى عن التعلّم فليبك على نفسه.
*وحدّث الحسن بن زياد اللّؤلؤىّ (^٣)، قال: كانت هنا امرأة يقال لها أمّ عمران مجنونة، وكانت جالسة فى الكناسة، فمرّ بها رجل فكلّمها بشئ، فقالت له: يا ابن الزّانيتين.
وابن أبى ليلى حاضر، فسمع ذلك، فقال للرّجل: أدخلها علىّ المسجد. وأقام عليها حدّين، حدّا لأبيه وحدّا لأمّه.
_________________
(١) فى ص: «يحبسه»، والمثبت فى: ط، ن، وتاريخ بغداد.
(٢) ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن، وتاريخ بغداد.
(٣) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٥١.
[ ١ / ٩٤ ]
فبلغ ذلك أبا حنيفة، فقال: أخطأ فيها فى ستّة مواضع؛ أقام الحدّ فى المسجد، ولا تقام الحدود فى المساجد، وضربها قائمة، والنّساء يضربن قعودا، وضرب لأبيه حدّا، ولأمّه حدّا، ولو أن رجلا قذف جماعة كان عليه حدّ واحد، وجمع بين الحدّين، ولا يجمع بين حدّين، حتى يخفّ (^١) أحدهما، والمجنونة ليس عليها حدّ، وحدّ لأبويه، وهما غائبان، لم يحضرا فيدّعيان.
فبلغ ذلك ابن أبى ليلى، فدخل على الأمير، فشكا إليه أبا حنيفة، فحجر عليه، وقال:
لا يفتى.
فلم يفت أيّاما، حتى قدم رسول من ولىّ العهد، فأمر أن يعرض على أبى حنيفة مسائل حتى يفتى فيها، فأبى أبو حنيفة، وقال: أنا محجور علىّ.
فذهب الرّسول إلى الأمير، فقال الأمير: قد أذنت له. فقعد فأفتى.
فصل