فلما كان عام الفيل أرّخت منه، وكانت المدّة بينهما مائة وعشرين سنة.
قال أبو الفرج الأصبهانىّ، صاحب «الأغانى»: إنه لما مات الوليد بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم، أرّخت قريش بوفاته مدة؛ لإعظامها إياه، حتى إذا كان عام الفيل جعلوه تاريخا. هكذا ذكره ابن دأب (^٢).
وأمّا الزّبير بن بكّار فذكر أنها كانت تؤرّخ بوفاة هشام بن المغيرة تسع سنين، إلى أن كانت السّنة التى بنوا فيها الكعبة، فأرّخوا بها. انتهى.
وأرّخ بنو إسماعيل ﵊ من نار إبراهيم ﵊ إلى بنائه البيت، ومن بنائه البيت إلى تفرّق معدّ (^٣)، ومن تفرّق معدّ (^٣) إلى موت كعب بن لؤىّ؛ ومن عادة الناس أن يؤرّخوا بالواقع المشهور، والأمر العظيم، فأرّخ بعض العرب بأيام الخنان لشهرتها.
قال النابغة الجعدىّ (^٤):
فمن يك سائلا عنّى فإنىّ … من الفتيان أيّام الخنان
_________________
(١) نقل المصنف هذا الفصل عن الصفدى، فى كتابه الوافى بالوفيات ١/ ٩ - ١٢.
(٢) أبو الوليد عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب، أحد بنى ليث بن بكر، كان شاعرا إخباريا، وكان أكثر أهل الحجاز أدبا وأعذبهم لفظا، وكان قد حظى عند الهادى، وهو متهم بوضع الشعر، وأحاديث السمر. تاج العروس (دأب) ١/ ٢٤٢، المزهر ٢/ ٤١٤. (¬٣ - ٣) ساقط من: ن، وهو فى: ط، والوافى بالوفيات.
(٣) شعر النابغة الجعدى ١٦١،١٦٠.
[ ١ / ١١ ]
مضت مائة لعام ولدت فيه … وعام بعد ذاك وحجّتان
وقد أبقت صروف الدّهر منّى … كما أبقت من السّيف اليمانى (^١)
قال الشريف المرتضى، فى كتابه «غرر الفرائد، ودرر القلائد» (^٢): إن أيام الخنان أيّام كانت للعرب قديمة، هاج بهم فيها مرض فى أنوفهم وحلوقهم.
قلت: (^٣) وهو بضمّ الخاء وفتح النون، وقد يشتبه بالختان، بكسر الخاء والتاء المثناة من فوق.
وكانت العرب تؤرّخ بالنجوم، وهو أصل قولك: نجّمت (^٤) على فلان كذا حتى يؤدّيه فى نجوم. وأول من أرّخ الكتب من الهجرة عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، فى شهر ربيع الأوّل، سنة ست عشرة، وكان سبب ذلك، أن أبا موسى الأشعرىّ ﵁، كتب إلى عمر ﵁: إنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب لا ندرى على أيّها نعمل، قد قرأنا صكّا منها محلّه شعبان فما ندرى أى الشّعبانين، الماضى أو الآتى. فعمل عمر رضى الله تعالى عنه على كتب التاريخ، فأراد أن يجعل أوّله رمضان، فرأى أن الأشهر الحرم تقع حينئذ فى سنتين، فجعله من المحرّم، وهو آخرها، فصيّره أوّلا لتجتمع فى سنة واحدة.
وكان قد هاجر ﷺ يوم الخميس، لأيام من المحرّم، فمكث مهاجرا بين سير ومقام مدّة شهرين وثمانية أيّام.
فصل (^٥)