عنه من المحاسن، وحسن الاعتقاد
وهى وإن كان محلّها الفصول المتقدّمة، فقد ذكرنا هاهنا على حدة، لما أنها وقعت إلينا بعد الانتهاء من التّرتيب المتقدّم، لأن النّفس إلى مثل هذا أميل، وإلى مطالعته أرغب، فنقول، وبالله التّوفيق:
روى عن علىّ بن مسهر، أنه قال: خرج الأعمش إلى الحجّ، فشيّعه أهل الكوفة، وأنا فيهم، فلما أتى القادسيّة، رأوه مغموما، فقالوا له: مالك؟.
قال: أعلىّ بن مسهر شيّعنا؟.
قالوا: نعم.
قال: ادعوه لى.
فدعونى، وقد كان عرفنى بمجالسة أبى حنيفة، فقال: ارجع إلى المصر، واسأل أبا حنيفة أن يكتب لنا المناسك.
فرجعت، فسألته، فأملى علىّ، ثم أتيت بها الأعمش.
[ ١ / ١٤٨ ]
وعن أبى معاوية، قيل للأعمش فى علّته: لولا أنّ أبا حنيفة يأتيك، لأتيناك مرّتين فى اليوم.
فلما جاءه أبو حنيفة، قال: إن الناس يستثقلوننى لما أصنع بهم فى الحديث، وقد زدتنى أنت عندهم ثقلا، قالوا لى كيت وكيت.
فقال له: لولا العلم الذى يجريه الله على لسانك ما رأيتنى ولا أحدا من أصحابى ببابك، وذلك أنّ فيك خصالا أنا لها كاره، تتسحّر عند طلوع الفجر، وتقول: هو الأوّل. وقد صحّ عندى أنّه الثانى، وترى الماء من الماء وتفتى به، وتجامع أهلك، فإذا لم تنزل لم تغتسل، أنت ولا هى، ولولا أنك تتأوّل من الحديث ما غاب عنك معانيه ما استحللت أن أكلّمك، ولكنك تتأوّل شيئا غيره، والله أولى بك.
فما تسحّر الأعمش بعد ذلك إلاّ باللّيل، ولا قرب أهله إلاّ اغتسل وأمرها بالغسل، وقال:
صيام وصلاة يكونان باختلاف، والله لا أفتيت بذلك أبدا.
وعن عبد الصّمد بن حسّان، قال: كان سفيان الثّورىّ يختلف إلى أبى حنيفة، فوقعت بينهما وحشة، فقعد عنه، ثمّ عاد إليه، فجلس متقنّعا، فسئل أبو حنيفة عن مسألة، فأسرع الجواب فيها، فقال له السّائل: يا أبا حنيفة، ألا تنظر فيها؟.
قال: إنّى أستيقن أنها كما أجبت، كما أستيقن أن هذا سفيان.
ثم أخذ أبو حنيفة بقناعه، فحرّكه ابن المبارك.
وقال عبد الصّمد أيضا: قلت لأبى عبد الله سفيان الثّورىّ: ما تقول فى الدّعوة قبل الحرب؟.
فقال: إن القوم قد علموا ما يقاتلون عليه.
فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها ما قد بلغك.
فنكّس رأسه، ثم رفعه، وأبصر يمينا وشمالا فلم ير أحدا، فقال: إن كان أبو حنيفة ليركب فى العلم أحدّ من سنان الرّمح، وكان، والله، شديد الأخذ للعلم، ذابّا عن المحارم، متّبعا لأهل بلده، لا يستحلّ أن يأخذ إلاّ بما يصحّ عنده من الآثار عن النبىّ صلّى الله عليه
[ ١ / ١٤٩ ]
وسلّم، شديد المعرفة بناسخ الحديث ومنسوخه، وكان يطلب أحاديث الثّقات، والأخير من فعل النبىّ صلّى الله وسلّم؛ وما أدرك عليه عامّة أهل الكوفة، حيث وجد الحقّ أخذ به، وجعله دينه، وقد شنّع عليه قوم بما نستغفر الله منه، بل كان منّا اللفظة بعد اللفظة.
قال: فقلت أرجو أن يغفر الله لك ذلك.
وعن قاسم بن آدم، قال: قلت للفضل بن موسى السّينانىّ: ما تقول فى هؤلاء الذين يقعون فى أبى حنيفة.
قال: إنّ أبا حنيفة عليم بما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك/لهم شيئا، فحسدوه.
*وحدّث أبو سفيان الحميرىّ، قال: قال ابن شبرمة: كنت شديد الإزراء على أبى حنيفة، فحضر الموسم، وكنت حاجّا يومئذ، فاجتمع عليه قوم يسألونه، فوقفت من حيث لا يعلم من أنا، فجاءه رجل، فقال: يا أبا حنيفة، قصدتك عن أمر قد أهمّنى، أو أعجزنى.
قال: ما هو؟.
قال: لى ولد ليس لى غيره، فإن زوّجته طلّق، وإن سرّيته أعتق، وقد عجزت عن هذا، فهل من حيلة؟.
فقال له للوقت: اشتر الجارية التى يرضاها لنفسه هو، ثمّ زوّجها منه، فإن طلّقها رجعت مملوكتك، وإن أعتق ما لا يملك.
قال: فعلمت أنّ الرجل فقيه من يومئذ، فكففت عن ذكره إلاّ بخير.
وروى عن الليث بن سعد، أنه كان يقول: كنت أسمع بذكر أبى حنيفة، وأتمنّى أن أراه، فكنت يوما فى المسجد الحرام، فرأيت حلقة عليها الناس منقضّين، فأقبلت نحوها، فرأيت رجلا من أهل خراسان أتى أبا حنيفة، فقال: أنا رجل من أهل خراسان، كثير المال، وأنّ لى ابنا ليس بالمحمود. وليس له ولد غيره، وذكر نحو ما تقدّم.
قال الليث: فو الله ما أعجبنى قوله بأكثر مما أعجبنى سرعة جوابه.
[ ١ / ١٥٠ ]
*وعن عثمان بن زائدة، قال: كنت عند أبى حنيفة، فقال له رجل: ما قولك فى الشّرب فى قدح أو كأس فى بعض جوانبه فضّة؟.
فقال: لا بأس به.
فقال عثمان: فقلت له: ما الحجّة فى ذلك؟.
فقال: إنّما ورد النّهى عن الشّرب فى إناء الفضّة والذهب، فما كان من غير الفضّة والذّهب فلا بأس بما كان فيه منهما.
ثمّ قال: يا عثمان، ما تقول فى رجل مرّ على نهر، وقد أصابه عطش، وليس معه إناء، فاغترف الماء من النهر، فشربه بكفّه، وفى أصبعه خاتم؟.
فقلت: لا بأس.
قال: فهذا كذلك.
قال عثمان: فما رأيت أحضر جوابا منه.
*وعن زفر بن الهذيل، قال: اجتمع أبو حنيفة، وابن أبى ليلى، وجماعة من العلماء، فى وليمة لقوم، فأتوهم بطيب فى مدهن فضّة، فأبوا أن يستعملوه؛ لحال المدهن، فأخذه أبو حنيفة، وسلته (^١) بأصبعه، وجعله فى كفّه، ثم تطيّب به، وقال لهم: ألم تعلموا أن أنس بن مالك أتى بخبيص (^٢) فى جام فضّة، فقلبه على رغيف، ثم أكله.
فتعجّبوا من فطنته وعقله.
وعن أبى الوليد الطّيالسىّ قال: قدم الضّحّاك الشّارىّ الكوفة، فقال لأبى حنيفة: تب.
فقال: ممّ أتوب؟
فقال: من قولك بتجويز الحكمين.
فقال: أبو حنيفة: تقتلنى أو تناظرنى.
_________________
(١) سلته: نحاه وأزاله. المصباح المنير (س ل ت).
(٢) الخبيص: طعام من تمر وسمن. القاموس (خ ب ص).
[ ١ / ١٥١ ]
قال: بل أناظرك.
قال: فإن اختلفنا فى شئ ممّا تناظرنا فيه، فمن بينى وبينك؟.
قال: اجعل أنت من شئت.
فقال أبو حنيفة لرجل من أصحاب الضّحّاك: اقعد بيننا فيما نختلف فيه إن اختلفنا.
ثم قال للضّحّاك: أترضى بهذا بينى وبينك؟.
قال: نعم.
فقال أبو حنيفة: فأنت قد جوّزت التّحكيم.
فانقطع الضّحّاك.
*وعن أبى يوسف، قال: بعث ابن هبيرة إلى أبى حنيفة، وعنده ابن شبرمة، وابن أبى ليلى، فسألهم عن كتاب صلح الخوارج، وكانت بقيت بقيّة من الخوارج، من أصحاب الضّحّاك الخارجىّ، فقالت الخوارج: نريد أن تكتب لنا صلحا، على أن لا نؤخذ بشئ أصبناه (^١) فى الفتنة، ولا قبلها، لا الأموال، ولا الدّماء.
فقال ابن شبرمة: لا يجوز لهم الصّلح على ذلك، على هذا الوجه، لأنّهم يؤخذون بهذه الأموال والدّماء.
وقال ابن أبى ليلى: الصّلح لهم جائز فى كلّ شئ.
/قال أبو حنيفة: فقال لى ابن هبيرة: ما تقول أنت؟.
فقلت: أخطأ جميعا.
فقال ابن هبيرة: أفحشت، فقل أنت.
فقلت: القول فى هذا، إن كان مال ودم أصابوه من قبل إظهار الفتنة، فإنّ ذلك يؤخذ
_________________
(١) فى ص: «أصبناه»، والمثبت فى: ط، ن.
[ ١ / ١٥٢ ]
منهم ولا يجوز لهم الصّلح عليه، وأمّا كلّ شئ أصابوه من مال ودم فى الفتنة، فالصّلح عليه جائز، فلا يؤخذون به.
فقال ابن هبيرة: أصبت، وقلت الصّواب، هذا هو القول.
وقال: يا غلام، اكتب ما قال أبو حنيفة.
*وعن علىّ بن عاصم، قال: سألت أبا حنيفة عن درهم لرجل ودرهمين لآخر، اختلطت، ثمّ ضاع درهمان من الثلاثة، لا يعلم أيّها هما.
فقال: الدّرهم الباقى بينهما أثلاثا.
قال علىّ: فلقيت ابن شبرمة، فسألته عنها. فقال: سألت عنها أحدا غيرى؟.
قلت: نعم، سألت أبا حنيفة عن ذلك، فقال: يقسم الدّرهم الباقى بينهما أثلاثا.
قال: أخطأ أبو حنيفة، درهم من الدّرهمين الضائعين يحيط العلم أنه من الدّرهمين، والدّرهم الباقى بعد الماضيين يحتمل أن يكون الدّرهم الباقى من الدّرهمين، ويحتمل أن يكون الدّرهم المنفرد المختلط بالدّرهمين، فالدّرهم الذى بقى يكون بينهما نصفين.
قال ابن عاصم: فاستحسنت ذلك، ثمّ لقيت أبا حنيفة، فو الله لووزن عقله بنصف عقول أهل المصر، يعنى الكوفة، لرجح بهم، فقلت له: يا أبا حنيفة: خولفت فى تلك المسألة. وقلت له: لقيت ابن شبرمة، فقال: كذا.
فقال أبو حنيفة: إن الثلاثة حين اختلطت ولم تتميّز، رجعت الشّركة فى الكلّ، فصار لصاحب الدّرهم ثلث كلّ درهم، ولصاحب الدّرهمين ثلثا كلّ درهم، فأىّ درهم ذهب (^١)، فعلى هذا.
وعن أبى يوسف، قال: جاء رجل إلى مسجد الكوفة يوم الجمعة، فدار على الخلق يسألهم عن القرآن، وأبو حنيفة غائب بمكّة، فاختلف بمكّة، فاختلف الناس فى ذلك، والله ما أحسبه إلاّ شيطانا تصوّر فى صورة الإنس، حتى انتهى إلى حلقتنا؛ فسألنا عنها، وسأل
_________________
(١) ساقط من: ط، ن، وهو فى: ص.
[ ١ / ١٥٣ ]
بعضنا بعضا، وأمسكنا عن الجواب، وقلنا ليس شيخنا حاضرا، ونكره أن نتقدّم بكلام حتى يكون هو المبتدى بالكلام.
فلمّا قدم أبو حنيفة تلقّيناه بالقادسيّة، فسألنا عن الأهل والبلد، فأجبناه، ثم قلنا له بعد ذلك: رضى الله عنك، وقعت مسألة فما قولك فيها؟.
فكأنّه كان فى قلوبنا، وأنكرنا، وظنّ أنه وقعت مسألة معنتة، وأنّا قد تكلّمنا فيها بشئ. فقال: ما هى؟.
قلنا: كذا وكذا.
فأمسك ساكتا ساعة، ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟.
قلنا: لم نتكلّم فيها بشئ، وخشينا أن نتكلّم فيها بشئ فتنكره.
فسرّى عنه، وقال: جزاكم الله خيرا، احفظوا عنّى وصيّتى: لا تكلّموا فيها ولا تسألوا عنها أبدا، انتهوا إلى أنه كلام الله ﷿، بلا زيادة حرف واحد، ما أحسب هذه المسألة تنتهى حتى توقع أهل الإسلام فى أمر لا يقومون له ولا يقعدون، أعاذنا الله وإيّاكم من الشيطان الرّجيم.
*وسئل حفص بن مسلم عن القرآن، فقال: القرآن كلام الله، غير مخلوق، ومن قال غير هذا فهو كافر.
فقال ابنه سالم: هل يخبر عن أبى حنيفة فى هذا بشئ؟.
فقال: نعم، كان أبو حنيفة على هذا، وما علمت منه غيره، ولو علمت منه غيره لم أصحبه/
قال: وكان أبو حنيفة إمام الدنيا فى زمانه، فقها وعلما وورعا، وكان محنة، يعرف به أهل البدع من الجماعة، ولقد ضرب بالسّياط على الدّخول فى الدنيا لهم، فأبى.
*وعن أبى مقاتل: سمعت أبا حنيفة يقول: الناس عندنا على ثلاث منازل؟
الأنبياء من أهل الجنة، ومن قالت الأنبياء إنه من أهل الجنة فهو من أهل الجنّة.
[ ١ / ١٥٤ ]
والمنزلة الأخرى المشركون، نشهد عليهم أنّهم من أهل النار.
والمنزلة الثالثة المؤمنون: نقف عنهم، ولا نشهد على واحد منهم أنه من أهل الجنة ولا من أهل النّار؛ ولكنّا نرجو لهم، ونخاف عليهم، ونقول كما قال الله تعالى (^١): ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)،﴾ حتى يكون الله ﷿ يقضى بينهم، وإنما نرجو لهم، لأنّ الله ﷿ يقول (^٢): ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)،﴾ ونخاف عليهم بذنوبهم وخطاياهم، وليس أحد من الناس أوجب له الجنّة ولو كان صوّاما قوّاما غير الأنبياء، ومن قالت فيه الأنبياء إنه من أهل الجنّة.
*وعن أبى مقاتل أيضا، عن أبى حنيفة، قال: الإيمان هو المعرفة، والتّصديق، والإقرار بالإسلام.
قال: والناس فى التّصديق على ثلاث منازل:
فمنهم من صدّق الله، وما جاء منه بقلبه ولسانه.
ومنهم من صدّق بلسانه، وهو يكذّبه بقلبه.
ومنهم من يصدّق بقلبه ويكذّب بلسانه.
فأمّا من صدّق الله، وما جاء به رسوله ﵊، بقلبه ولسانه، فهو عند الله وعند الناس مؤمن.
ومن صدّق بلسانه، وكذّب بقلبه، كان عند الله كافرا، وعند الناس مؤمنا؛ لأن الناس لا يعلمون ما فى قلبه، وعليهم أن يسمّوه مؤمنا، بما أظهر لهم من الإقرار بهذه الشهادة، وليس لهم أن يتكلّفوا علم القلوب.
ومنهم من يكون عند الله مؤمنا، وعند الناس كافرا، وذلك أن يكون المؤمن يظهر الكفر بلسانه فى حال التّقيّة، فيسمّيه من لا يعرفه كافرا، وهو عند الله مؤمن. انتهى.
***
_________________
(١) سورة التوبة ١٠٢.
(٢) سورة النساء ٤٨.
[ ١ / ١٥٥ ]
(^١) وللإمام الأعظم ﵁ وصيّة مشهورة، أوصى بها أصحابه، تشتمل على كثير من أصول الدّين، نقلها كثير من المؤرّخين، يتعيّن إيرادها هنا، لما اشتملت عليه من صحيح الاعتقاد، ودفع الانتقاد، وردّ كلام الحسّاد، وهى هذه:
قال، رضى الله تعالى عنه: اعلموا يا أصحابى وإخوانى، أن مذهب أهل السّنّة والجماعة على اثنتى عشرة خصلة، فمن كان يستقيم على هذه الخصال لا يكون مبتدعا، ولا صاحب هوى، فعليكم بهذه الخصال حتى تكونوا فى شفاعة سيّدنا محمد، ﵊:
*الأولى، الإيمان، وهو إقرار باللّسان، وتصديق بالجنان.
والإقرار وحده لا يكون إيمانا؛ لأنه لو كان إيمانا لكان المنافقون كلّهم مؤمنين.
وكذلك المعرفة وحدها لا تكون إيمانا، لأنها لو كانت إيمانا لكان أهل الكتاب كلّهم مؤمنين.
قال الله تعالى فى حقّ المنافقين (^٢): ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾.
وقال فى حقّ أهل الكتاب (^٣): ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ﴾.
والإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصوّر نقصان الإيمان إلاّ بزيادة الكفر، ولا يتصوّر زيادته إلاّ بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد فى حالة واحدة مؤمنا وكافرا.
/والمؤمن مؤمن حقّا، والكافر كافر حقّا.
وليس فى الإيمان شكّ، كما أنه ليس فى الكفر شكّ، قال الله تعالى (^٤): ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)،﴾ و(^٥) ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾.
_________________
(١) من هنا إلى آخر وصية الإمام لأبى يوسف ﵄ فى صفحة ١٦٩ ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن.
(٢) سورة المنافقون ١.
(٣) سورة البقرة ١٤٦.
(٤) سورة الأنفال ٤.
(٥) سورة النساء ١٥١.
[ ١ / ١٥٦ ]
والعاصون من أمّة محمد ﷺ كلّهم مؤمنون حقّا، وليسوا بكافرين.
والعمل غير الإيمان، والإيمان غير العمل؛ بدليل أن كثيرا من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان، فإن الحائض رفع الله عنها الصّلاة، ولا يجوز أن يقال: رفع الله عنها الإيمان. وأمرها بترك الإيمان. وقال لها الشرع: دعى الصّوم ثمّ اقضيه.
ولا يجوز أن يقال: دعى الإيمان ثم اقضيه. ويجوز أن يقال: ليس على الفقراء زكاة. ولا يجوز أن يقال: ليس على الفقراء إيمان.
وتقدير الخير والشّرّ من الله تعالى؛ لأنه لو زعم أحد أنّ تقدير الخير والشّرّ من غيره لصار كافرا بالله تعالى، وبطل توحيده، والله أعلم.
*والثانية، نقرّ بأنّ الأعمال ثلاثة؛ فريضة، وفضيلة، ومعصية.
فالفريضة بأمر الله، ومشيئته، ورضائه، وقدره، وتخليقه، وكتابته فى اللّوح المحفوظ.
والفضيلة ليست بأمر الله، ولكن بمشيئته، ومحبته، ورضائه، وقدره، وتخليقه، وكتابته في اللوح المحفوظ.
والمعصية ليست بأمر الله، لكن بمشيئته، لا بمحبّته، وبقضائه، لا برضائه، وبتقديره (^١)، لا بتوفيقه، وبخذلانه، وعلمه (^٢)، وكتابته فى اللّوح المحفوظ.
*والثالثة، نقرّ بأنّ الله ﷾ على العرش استوى، أى استولى، من غير أن يكون جارحة واستقرار، وهو حافظ للعرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره، ولو كان محتاجا إلى الجلوس والقرار لكان قبل (^٣) خلق العرش، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
*والرابعة، نقرّ بأنّ القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، ووحيه، وتنزيله، لا هو ولا غيره، بل هو صفته على التّحقيق، مكتوب فى المصاحف، مقروء بالألسنة، محفوظ فى الصّدور،
_________________
(١) فى ن: «وقدره»، والمثبت فى: ط.
(٢) مكان هذا فى ن: «وتخليقه»، والمثبت فى: ط.
(٣) فى ط: «فقبل»، والمثبت فى: ن.
[ ١ / ١٥٧ ]
غير حالّ فيها، والحبر والكاغد والكتابة مخلوق، لأنها أفعال العباد، لأن الكتابة والحروف والكلمات والآيات دلالة القرآن، لحاجة العباد إليها.
وكلام الله تعالى قائم بذاته، ومعناه مفهوم بهذه الأشياء، فمن قال بأنّ كلام الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم، والله تعالى معبود لا يزال عمّا كان، وكلامه مقروء، ومكتوب، ومحفوظ فى الصّدور من غير مزايلة عنه.
*والخامسة، نقرّ بأنّ أفضل هذه الأمّة بعد نبيّنا محمّد ﵊ أبو بكر الصّدّيق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علىّ، رضوان الله عليهم أجمعين؛ لقوله تعالى (^١): ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾.
وكلّ من كان أسبق إلى الخير فهو أفضل عند الله تعالى، ويحبّهم كلّ مؤمن تقىّ، ويبغضهم كلّ منافق شقىّ.
*والسّادسة، نقرّ بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفتة مخلوق، فلمّا كان الفاعل مخلوقا، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة.
*والسّابعة، نقرّ بأنّ الله ﷾ خلق الخلق، ولم يكن لهم طاقة؛ لأنهم ضعفاء عاجزون، فالله تعالى خالقهم ورازقهم؛ لقوله تعالى (^٢): ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
والكسب بالعلم والمال من الحلال حلال، ومن الحرام حرام.
والناس على ثلاثة أصناف؛ المؤمن المخلص فى إيمانه، والكافر الجاحد فى كفره، والمنافق المداهن فى نفاقه.
والله تعالى فرض على المؤمن العمل، وعلى الكافر الإيمان، وعلى المنافق الإخلاص؛ لقوله تعالى (^٣): ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)،﴾ يعنى يا أيّها المؤمنون أطيعوا الله بالعمل الصّالح،
_________________
(١) سورة الواقعة ١٠ - ١٢.
(٢) سورة الروم ٤٠، وفى الأصول: «والله خلقكم»، وهو خطأ.
(٣) سورة النساء، الآية الأولى، وسورة لقمان ٣٣.
[ ١ / ١٥٨ ]
ويا أيّها الكافرون آمنوا، ويا أيّها المنافقون أخلصوا، والله أعلم.
*والثامنة، نقرّ بأن الاستطاعة مع الفعل، لا قبل الفعل، ولا بعد الفعل؛ لأنه لو كان قبل الفعل لكان العبد مستغنيا عن الله تعالى وقت الحاجة، فهذا خلاف حكم النّصّ؛ لقوله تعالى (^١): ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ)،﴾ ولو كان بعد الفعل لكان من المحال، لأنّه حصول بغير استطاعة، ولا طاقة.
*والتاسعة، نقرّ بأن المسح على الخفّين واجب للمقيم يوما وليلة، وللمسافر ثلاثة أيّام ولياليها؛ لأن الحديث ورد هكذا، فمن أنكر فإنه يخشى عليه الكفر، لأنّه قريب من الخبر المتواتر.
والقصر والإفطار فى السّفر رخصة بنصّ الكتاب؛ لقوله تعالى (^٢): ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)،﴾ وفى الإفطار قوله تعالى (^٣): ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾.
*والعاشرة، نقرّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب، فقال القلم ماذا أكتب يا ربّ؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى (^٤): ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ* وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾.
*والحادية عشر، نقرّ بأن عذاب القبر كائن لا محالة، وسؤال منكر ونكير حقّ؛ لورود الأحاديث، والجنة والنار حقّ، وهما مخلوقتان لأهلهما؛ لقوله تعالى فى حقّ المؤمنين (^٥):
﴿(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وفى حقّ الكافرين (^٦): ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ)،﴾ خلقهما الله تعالى للثّواب والعقاب، والميزان حقّ؛ لقوله تعالى (^٧): ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾. وقراءة
_________________
(١) سورة محمد، الآية الأخيرة.
(٢) سورة النساء ١٠١.
(٣) سورة البقرة ١٨٤.
(٤) سورة القمر ٥٣،٥٢، ولم ترد الآية الأولى فى: ن، وهى فى: ط.
(٥) سورة آل عمران ١٣٣.
(٦) سورة البقرة ٢٤، وسورة آل عمران ١٣١.
(٧) سورة الأنبياء ٤٧.
[ ١ / ١٥٩ ]
الكتب، (^١) لقوله تعالى (^٢): ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.
*والثانية عشر، نقرّ بأنّ الله تعالى يحيى هذه النفوس بعد الموت، ويبعثهم فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، للجزاء والثواب، وأداء الحقوق؛ لقوله تعالى (^٣): ﴿وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)،﴾ ولقاء الله تعالى لأهل الحقّ حقّ، بلا كيفيّة، ولا تشبيه، ولا وجه، وشفاعة نبيّنا محمّد ﷺ لكلّ من هو من أهل الجنة (^٤)، وإن كان صاحب الكبيرة، وعائشة رضى الله تعالى عنها بعد خديجة الكبرى أفضل نساء العالمين، وأمّ المؤمنين، ومطهّرة من الزّنا، بريئة عن ما قال الرّوافض (^٥)، فمن شهد عليها بالزّنا فهو ولد الزّنا، وأهل الجنة فى الجنة خالدون، وأهل النار فى النار خالدون، لقوله تعالى فى حقّ المؤمنين (^٦): ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وفى حقّ الكفّار (^٧): ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
*** وللإمام رضى الله تعالى عنه، وصيّة أخرى، أوصى بها الإمام أبا يوسف، رحمه الله تعالى، لا بأس بإيرادها هنا؛ فإنها قد تضمّنت كثيرا من لطائف الحكم، ومحاسن الكلم، وفيها لمن تدبّرها نفع كبير، وأدب غزير.
وقد نقلها الشيخ الفاضل زين بن نجيم، فى آخر/كتابه «الأشباه والنظائر» (^٨)، ومنها نقلنا.
قال رضى الله تعالى عنه: يا يعقوب، وقّر السّلطان، وعظّم منزلته، وإيّاك والكذب بين يديه، والدّخول عليه فى كلّ وقت ما لم يدعك لحاجة (^٩)؛ فإنك إذا أكثرت الاختلاف عليه
_________________
(١) أى حقّ أيضا.
(٢) سورة الإسراء ١٤.
(٣) سورة الحج ٧.
(٤) أى حق أيضا.
(٥) فى ن: «الرفض»، والمثبت فى: ط.
(٦) سورة البقرة ٨٢، وسورة الأعراف ٤٢، وسورة يونس ٢٦، وسورة هود ٢٣.
(٧) سورة البقرة ٢٥٧،٣٩، وسورة الأعراف ٣٦، وسورة يونس ٢٧، وسورة المجادلة ١٧.
(٨) شرح الحموى للأشباه والنظائر ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٩، والوصية أيضا فى مناقب الإمام الأعظم ٢/ ١١٢ - ١١٩.
(٩) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «علمية».
[ ١ / ١٦٠ ]
تهاون بك، وصغرت منزلتك عنده، فكن منه كما أنت من النار، تنتفع منها (^١)، وتتباعد عنها (^٢)؛ فإن السلطان لا يرى لأحد ما يرى لنفسه. وإيّاك وكثرة الكلام بين يديه، فإنه يأخذ عليك ما قلته، ليرى من نفسه بين يدى حاشيته أنه أعلم منك وأنه يخطّئك، فتصغر فى أعين قومه. ولتكن إذا دخلت عليه تعرف قدرك وقدر غيرك، ولا تدخل عليه وعنده من أهل العلم من لا تعرفه؛ فإنك إن كنت أدون حالا منه لعلّك ترتفع عليه فيضرّك، وإن كنت أعلم منه لعلّك تنحطّ عنه فتسقط بذلك من عين السّلطان. وإذا عرض عليك شيئا من أعماله، فلا تقبل منه إلاّ بعد أن تعلم أنه يرضاك، ويرضى مذهبك فى العلم والقضايا؛ كيلا تحتاج إلى ارتكاب مذهب غيرك فى الحكومات. ولا تواصل أولياء السّلطان وحاشيته، بل تقرب إليه فقط، وتباعد عن حاشيته؛ ليكون مجدك وجاهك باقيا.
ولا تتكلّم بين يدى العامّة إلاّ بما تسأل عنه.
وإيّاك والكلام فى العامّة والتّجّار إلاّ بما يرجع إلى العلم؛ كيلا يوقف على حبّك ورغبتك فى المال؛ فإنّهم يسيئون الظّنّ بك، ويعتقدون ميلك إلى أخذ الرّشوة منهم.
ولا تضحك، ولا تبتسم بين يدى العامّة.
ولا تكثر الخروج إلى الأسواق.
ولا تكلّم المراهقين فإنهم فتنة، ولا بأس أن تكلّم الأطفال، وتمسح رءوسهم.
ولا تمش فى قارعة الطّريق مع المشايخ والعامّة، فإنك إن قدّمتهم ازدرى (^٣) بعلمك، وإن أخّرتهم ازدرى بك من حيث إنهم أسنّ منك، (^٤) قال النبىّ (^٤) ﷺ (^٥):
«من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقّر كبيرنا، فليس منّا».
ولا تقعد على قوارع الطّريق، فإذا دعاك ذلك فاقعد فى المسجد.
_________________
(١) ساقط من الأشباه والنظائر.
(٢) فى الأشباه والنظائر: «ولا تدن منها».
(٣) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «ذلك». (¬٤ - ٤) فى الأشباه والنظائر: «فإن النبى».
(٤) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «قال».
[ ١ / ١٦١ ]
ولا تأكل فى الأسواق والمساجد.
ولا تشرب من السّقايات، ولا من أيدى السّقّائين.
ولا تقعد على الحوانيت.
ولا تلبس الدّيباج، والحلىّ، وأنواع الإبريسم؛ فإن ذلك يفضى إلى الرّعونة.
ولا تكثر الكلام فى بيتك مع امرأتك فى الفراش، إلاّ وقت حاجتك إليها بقدر ذلك، ولا تكثر لمسها، ولا تقربها إلاّ بذكر الله تعالى، ولا تتكلّم بأمر نساء الغير بين يديها ولا بأمر الجوارى، فإنها تنبسط إليك فى كلامك، ولعلّك إذا تكلّمت عن غيرها تكلّمت عن الرجال الأجانب.
ولا تتزوّج امرأة كان لها بعل، أو أب أو أمّ، أو بنت، إن قدرت، إلاّ بشرط أن لا يدخل عليها أحد من أقاربها (^١)، فإنّ المرأة إذا كانت ذات مال (^٢) يدّعى أبوها أن جميع مالها له، وأنّه عارية فى يدها.
ولا تدخل بيت أبيها ما (^٣) قدرت. وإيّاك أن ترضى أن تزفّ فى بيت أبويها، فإنهم يأخذون أموالك، ويطمعون فيها غاية الطّمع.
وإيّاك أن تتزوّج بذات البنين والبنات، فإنها تدّخر جميع المال لهم، وتسرق من مالك، وتنفق عليهم؛ فإن الولد أعزّ عليها منك.
ولا تجمع بين امرأتين فى دار واحدة. ولا تتزوّج إلاّ بعد أن تعلم أنّك تقدر على القيام بجميع حوائجها/.
واطلب العلم أوّلا، ثم اجمع المال من الحلال، ثم تزوّج (^٤)، فإنك إن طلبت المال فى وقت التّعلّم عجزت عن طلب العلم، ودعاك المال إلى طلب (^٥) الجوارى والغلمان، وتشتغل
_________________
(١) فى الأشباه والنظائر: «أقاربك».
(٢) فى الأصول والأشباه والنظائر: «ذا مال».
(٣) فى ن: «إن»، والمثبت فى: ط، والأشباه والنظائر.
(٤) فى الأشباه والنظائر: «تتزوج».
(٥) فى الأشباه والنظائر: «شراء».
[ ١ / ١٦٢ ]
بالدنيا والنّساء قبل تحصيل العلم، فيضيع وقتك، ويجتمع عليك الولد وتكثر عيالك، فتحتاج إلى القيام بمصالحهم وترك (^١) العلم.
واشتغل بالعلم فى عنفوان شبابك، ووقت فراغ قلبك وخاطرك، ثم اشتغل بالمال ليجتمع عندك؛ فإنّ كثرة الولد والعيال يشوّش البال، فإذا جمعت المال فتزوّج.
وعليك بتقوى الله، واداء الأمانة، والنصيحة لجميع الخاصّة والعامّة.
ولا تستخفّ بالناس، ووقّر نفسك ووقّرهم، ولا تكثر معاشرتهم إلاّ بعد أن يعاشروك، وقابل معاشرتهم بذكر المسائل، فإنه إن كان من أهله اشتغل بالعلم، وإن لم يكن من أهله أحبّك.
وإيّاك أن تكلّم العامّة بأمر الدّين فى الكلام، فإنهم قوم يقلّدونك، فيشتغلون بذلك.
ومن جاءك يستفتيك فى المسائل، فلا تجب إلاّ عن سؤاله، ولا تضمّ إليه غيره؛ فإنّه يشوّش عليه جواب سؤاله.
وإن بقيت عشر سنين بغير كتب (^٢) ولا قوّة (^٣) فلا تعرض عن العلم، فإنّك إن (^٤) أعرضت (^٥) عنه كانت معشيتك ضنكا.
وأقبل على متفقّهيك كأنك اتّخذت كلّ واحد منهم ابنا وولدا، يزيدهم (^٦) رغبة فى العلم.
ومن ناقشك من العامّة والسّوقة، فلا تناقشه؛ فإنه يذهب ماء وجهك.
ولا تحتشم من أحد عند ذكر الحقّ، وإن كان سلطانا.
_________________
(١) فى الأشباه والنظائر: «وتترك».
(٢) فى الأشباه والنظائر: «بلا كسب».
(٣) فى ن: «قوت»، والمثبت فى: ط، والأشباه والنظائر.
(٤) فى الأشباه والنظائر: «إذا».
(٥) فى ط: «عرضت»، والمثبت فى: ن، والأشباه والنظائر.
(٦) فى الأشباه والنظائر: «لتزويدهم».
[ ١ / ١٦٣ ]
ولا ترض لنفسك من العبادات إلاّ بأكثر ممّا يفعله غيرك، وتعاطاها (^١)؛ فإن العامّة إذا لم يروا منك الإقبال عليها بأكثر ممّا يفعلون، اعتقدوا فيك قلّة الرّغبة، واعتقدوا أن علمك لا ينفعك إلاّ ما نفعهم الجهل الذى هم فيه.
وإذا دخلت بلدة فيها أهل العلم، فلا تتّخذها لنفسك، بل كن كواحد (^٢) من أهلها؛ ليعلموا أنك لا تقصد جاههم، وإلاّ يخرجون عليك بأجمعهم، ويطعنون (^٣) فى مذهبك (^٤)، وتصير (^٥) مطعونا عندهم بلا فائدة.
وإن استفتوك فى المسائل، فلا تناقشهم فى المناظرة والمطارحات، ولا تذكر لهم شيئا إلاّ عن دليل واضح، ولا تطعن فى أساتذتهم، فإنّهم يطعنون فيك.
وكن من الناس على حذر. وكن لله تعالى فى سرّك كما أنت له فى علانيتك. ولا يصلح أمر العلم إلا بعد أن يجعل سرّه كعلانيته.
وإذا ولاّك السّلطان عملا (^٦)، فلا تقبل ذلك منه، إلاّ بعد أن تعلم أنه إنما يولّيك ذلك (^٧) لعلمك.
وإيّاك أن تتكلّم فى مجلس النّظر على خوف؛ فإن ذلك يورث الخلل فى الألفاظ، والكلل فى اللّسان.
وإيّاك أن تكثر الضّحك، فإنّه يميت القلب.
ولا تمش إلاّ على طمأنينة. ولا تكن عجولا فى الأمور.
ومن دعاك من خلفك فلا تجبه، فإن البهائم تنادى من خلف (^٨).
_________________
(١) فى ن: «وتعاطاه»، وفى الأشباه والنظائر: «ويعاطاها»، والمثبت فى: ط.
(٢) فى ن: «منهم»، وفى الأشباه والنظائر: «من أهلهم»، والمثبت فى: ط.
(٣) فى الأصول: «ويظنون»، والمثبت فى الأشباه والنظائر.
(٤) بعد هذا فى الأشباه والنظائر زيادة: «والعامة يخرجون عليك، وينظرون إليك بأعينهم».
(٥) فى الأشباه والنظائر: «فتصير».
(٦) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «لا يصلح لك».
(٧) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «إلا».
(٨) فى الأشباه والنظائر: «خلفها».
[ ١ / ١٦٤ ]
وإذا تكلّمت فلا تكثر صياحك، ولا ترفع صوتك واتّخذ لنفسك السّكون وقلّة الحركة (^١)؛ كى يتحقّق عند الناس ثباتك.
وأكثر ذكر الله تعالى فيما بين الناس؛ ليتعلّموا ذلك منك.
واتّخذ لنفسك وردا خلف الصّلوات، تقرأ فيه (^٢) القرآن، وتذكر الله تعالى، وتشكره على ما أودعك من الصّبر، وأولاك من النّعم.
واتّخذ أياما معدودة من كلّ شهر تصوم فيها؛ ليقتدى (^٣) غيرك بك.
وارقب (^٤) نفسك، وحافظ على (^٥) الغير؛ لتنتفع من دنياك وآخرتك بعلمك.
/ولا تشتر بنفسك، ولا تبع، بل اتّخذ لك مصلحا يقوم بأشغالك، وتعتمد عليه فى أمورك، ولا تطمئنّ إلى دنياك، وإلى ما أنت فيه، فإن الله تعالى سائلك عن جميع ذلك.
ولا تشتر الغلمان المرد (^٦).
ولا تظهر من نفسك التقرّب إلى السّلطان وإن (^٧) قرّبك؛ (^٨) فإنه ترفع إليه الحوائج، فإن قمت أهانك، وإن لم تقم أعابك (^٨).
ولا تتبع الناس فى خطاياهم، بل اتبع فى صوابهم.
وإذا عرفت إنسانا بالشرّ فلا تذكره به، بل اطلب منه خيرا فاذكره به، إلاّ فى باب الدّين، فإنّك إن عرفت فى دينه ذلك فاذكره للناس؛ كيلا يتّبعوه ويحذروه، قال ﵊: «اذكروا الفاجر بما فيه، حتّى يحذره النّاس»، وإن كان ذا جاه
_________________
(١) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «عادة».
(٢) في الأشباه والنظائر: «فيها».
(٣) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «به».
(٤) فى الأشباه والنظائر: «وراقب».
(٥) بعد هذا بياض فى الأصول بمقدار كلمة، والكلام متصل فى الأشباه والنظائر.
(٦) فى الأشباه والنظائر: «المردان».
(٧) فى الأصول: «فإن»، والمثبت فى الأشباه والنظائر. (¬٨ - ٨) مكان هذا بياض فى الأصول، والمثبت فى الأشباه والنظائر، وفى شرح الحموى عليه: «هكذا فى النسخ، والصواب كما فى حاشية مناقب الكردرى: فإن قمت بها أهانك، وإن لم تقم بها عابك».
[ ١ / ١٦٥ ]
ومنزلة (^١)، فاذكر ذلك، ولا تبال من جاهه؛ فإنّ الله تعالى معينك وناصرك وناصر الدّين، فإذا فعلت ذلك مرّة هابوك، ولم يتجاسر أحد على إظهار البدعة فى الدّين.
وإذا رأيت من سلطانك مالا يوافق العلم، فاذكر ذلك مع طاعتك إيّاه؛ فإنّ يده أقوى من يدك، تقول له: أنا مطيع لك فى الذى أنت فيه سلطان، ومسلّط علىّ، غير (^٢) أنّى أذكر لك من سيرتك مالا يوافق العلم. فإذا فعلت ذلك مع السّلطان مرّة كفاك؛ لأنّك إذا واظبت عليه، ودمت، لعلّهم يمقتونك (^٣)، (^٤) فيكون قمعا (^٤) للدّين، فإذا فعل ذلك مرّة (^٥) أخرى، فادخل عليه وحدك فى داره، وانصحه فى الدّين، وناظره إن كان مبتدعا، وإن كان سلطانا، فاذكر له ما يحضرك من كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﵊، فإن قبل منك، وإلاّ فاسأل الله تعالى أن يحفظك منه، واذكر الموت، واستغفر للأستاذ، ومن أخذت عنهم العلم، وداوم على التّلاوة، وأكثر من زيارة القبور والمشايخ والمواضع المباركة.
واقبل من العامّة ما يقصّون (^٦) عليك من رؤياهم للنبىّ ﷺ، ورؤيا (^٧) الصّالحين فى المنازل، والمساجد، والمقابر.
ولا تجالس أحدا من أهل الأهواء إلاّ على سبيل الدّعوة إلى الدّين.
ولا تكثر اللّعب، والشّتم.
وإذا أذّن المؤذّن فتأهّب لدخول المسجد؛ كيلا تتقدّم عليك العامّة.
ولا تتّخذ دارك فى جوار السّلطان.
_________________
(١) بعد هذا فى الأشباه والنظائر زيادة: «والذى ترى منه الخلل فى الدين».
(٢) فى الأصول: «غيرى»، والمثبت فى الأشباه والنظائر.
(٣) فى الأشباه والنظائر: «يقهرونك». (¬٤ - ٤) فى الأشباه والنظائر: «فيكون فى ذلك قمع».
(٤) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «مرة أو مرتين، ليعرف منك الجهد فى الدين، والحرص فى الأمر بالمعروف، فإذا فعل ذلك»، وفى شرح الحموى عليه: «فإذا فعل ذلك مرة أو مرتين. كذا فى النسخ، والصواب: افعل ذلك مرة أو مرتين. بقرينة قوله: ليعرف منك الجهد فى الدين … إلخ».
(٥) فى الأشباه والنظائر: «يعرضون».
(٦) فى الأشباه والنظائر: «وفى رؤيا».
[ ١ / ١٦٦ ]
وما رأيت على جارك فاستره عليه؛ فإنّه أمانة. ولا تظهر أسرار الناس.
ومن استشارك فى شئ فأشر عليه بما (^١) يقرّبك إلى الله تعالى (^٢).
وإيّاك والبخل؛ فإنه (^٣) تنقص به المروءة (^٣).
ولا تك طمّاعا، ولا كذّابا، ولا صاحب تخاليط (^٤)، بل احفظ مروءتك فى الأمور كلّها.
والبس من الثّياب البيض فى الأحوال كلّها.
وأظهر غنى القلب، مظهرا فى نفسك قلّة الحرص، والرغبة فى الدنيا. وأظهر من نفسك الغنى، ولا تظهر الفقر، وإن كنت فقيرا.
وكن ذا همّة، فإن من ضعفت همّته ضعفت منزلته.
وإذا مشيت فى الطّريق فلا تلتفت يمينا ولا شمالا، بل دوام النّظر إلى الأرض.
وإذا دخلت الحمّام، فلا تساو (^٥) الناس فى أجرة الحمّام، بل ارجح على ما تعطى العامّة؛ لتظهر مروءتك بينهم، فيعظّمونك.
ولا تسلّم الأمتعة إلى الحائك وسائر الصّنّاع، بل اتّخذ لنفسك ثقة يفعل ذلك.
ولا تماكس بالحبّات والدّوانيق، ولا تزن الدّراهم، بل اعتمد على غيرك.
وحقّر الدّنيا المحقّرة عند أهل العلم؛ فإن ما عند الله خير منها.
وولّ أمورك غيرك، ليمكنك الإقبال على العلم (^٦)،/فذلك أحفظ لحاجتك.
_________________
(١) بعد هذا فى الأشباه والنظائر زيادة: «تعلم أنه».
(٢) بعد هذا فى الأشباه والنظائر زيادة: «واقبل وصيتى هذه، فإنك تنتفع بها فى أولاك وأخراك، إن شاء الله تعالى»، وسيأتى هذا فى نهاية الوصية، وهو موضعه. (¬٣ - ٣) فى الأشباه والنظائر: «يبغض به المرء».
(٣) فى الأشباه والنظائر: «تخليط».
(٤) فى الأصول: «تقاوم»، والمثبت فى الأشباه والنظائر.
(٥) فى الأشباه والنظائر: «فإن ذلك».
[ ١ / ١٦٧ ]
وإيّاك أن تكلّم المجانين، ومن لا يعرف المناظرة والحجّة من أهل العلم، والذين يطلبون الجاه ويستغرقون بذكر المسائل فيما بين الناس؛ فإنهم يطلبون تخجيلك، ولا يبالون منك وإن عرفوك على الحقّ.
وإذا دخلت على قوم كبار فلا ترتفع (^١) عليهم، ما لم يرفعوك، لئلاّ (^٢) يلحق بك منهم أذيّة.
وإذا كنت فى قوم فلا تتقدّم عليهم فى الصّلاة، ما لم يقدّموك على وجه التّعظيم.
ولا تدخل الحمّام وقت الظّهيرة أو الغداة (^٣).
ولا تحضر مظالم السّلاطين، إلاّ إذا عرفت أنك إذا قلت شيئا ينزلون على قولك بالحقّ، فإنّهم إن فعلوا ما لا يحلّ وأنت عندهم ربّما لا تملك منعهم، ويظنّ (^٤) الذين هناك (^٤) أن ذلك حقّ؛ لسكوتك فيما بينهم وقت الإقدام عليه.
وإيّاك والغضب فى مجلس العلم.
ولا تقصّ على العامّة؛ فإن القاصّ لا بدّ له أن يكذب.
وإذا أردت اتّخاذ مجلس لأحد من أهل العلم (^٥)، فاحضر بنفسك، واذكر فيه ما تعلمه؛ كيلا يغترّ الناس بحضورك، فيظنّون أنّه على صفة من العلم، وليس هو على تلك الصّفة، فإن (^٦) كان يصلح للفتوى فاذكر منه ذلك، وإلاّ فلا، ولا (^٧) ليدرّس (^٨) بين يديك، بل اترك عنده أحدا من أصحابك؛ ليخبرك بكيفيّة كلامه، وكمّيّة علمه (^٩).
_________________
(١) فى الأشباه والنظائر: «ترفع».
(٢) فى الأشباه والنظائر: «كيلا».
(٣) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «ولا تخرج إلى النظارات». (¬٤ - ٤) فى الأشباه والنظائر: «الناس».
(٤) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «فإن كان مجلس فقه».
(٥) فى الأشباه والنظائر: «وإن».
(٦) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «تقعد».
(٧) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «الآخر».
(٨) فى الأشباه والنظائر بعد هذا زيادة: «ولا تحضر مجالس الذكر، أو من يتخذ مجلس عظة بجاهك، وتزكيتك له، بل وجّه أهل محلتك وعامتك الذين تعتمد عليهم مع واحد من أصحابك».
[ ١ / ١٦٨ ]
وفوّض أمر المناكح إلى خطيب ناحيتك، وكذا صلاة الجنائز (^١) والعيدين.
ولا تنسنى من صالح دعائك.
واقبل هذه الموعظة منّى. وإنّما أوصيك لمصلحتك، ومصلحة المسلمين. انتهى (^٢).
*** هذا، وقد آن لنا أن نحبس عنان القلم عن الجرى فى ميدان لا غاية لمداه، وأن نكفّ لسان المقال عن تعداد ما لا سبيل إلى حصره، وليس يدرك منتهاه، على أنّ ما أوردنا منه فيه (^٣) مقنع لمن نوّر الله بصيرته، وطهّر من دنس التعصّب سريرته، وأحسن فى السّلف عقيدته، ولم ينكر لأحد من الناس فضيلته.
ولقد صنّف الفضلاء فى مناقب هذا الامام الجليل كتبا لا تحصى، وأوردوا فيها من فضائله ومناقبه ما لا يستقصى، وكلّ منهم معترف بأنه لم يبلغ من تعداد فضائله، وما يستحقّه، وما كان عليه من العلم والعمل، عشر معشاره، رضى الله تعالى عنه وأرضاه.
ونحن نسأل الله تعالى، ونتوسّل إليه بنبيّه محمّد ﷺ، أن ينفعنا ببركات علومه فى الدنيا والآخرة، وأن يجمع بيننا وبينه فى جنّات النعيم، إنّه جواد كريم، رءوف رحيم.
***
_________________
(١) فى الأشباه والنظائر: «الجنازة».
(٢) آخر الساقط من: ص، والذى قدمت الإشارة إليه فى صفحة ١٥٦
(٣) ساقط من: ط، وهو فى: ص، ن.
[ ١ / ١٦٩ ]