ﷺ
منها: القرآن العظيم، وهو أكبرها، الذى دعا به بلغاء قريش، وهم ما هم قالة البلاغة، ولسن الفصاحة، ولهم من ذلك قمراها والنجوم الطّوالع (^٣)، ودعا غيرهم، مذ بعثه الله قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، إلى يومنا هذا، وإلى يوم البعث والنشور، على أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وتنازل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله، وفى السّور ما هو ثلاث آيات، وتحدّى به الإنس والجنّ، فلم يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ونكصوا على أعقابهم خائبين، وذهب كلّ نبىّ بمعجزاته، ولم يبق لها أثر ظاهر خلا الرّوايات عنها والأخبار، وأبقى لنا رسول الله ﷺ معجزا خالدا بين ظهرانينا إلى يوم القيامة، بعد ذهابه، لا تنكسف شموسه، ولا تذوى زهراته.
_________________
(١) سورة الواقعة ٣٥ - ٣٧، وصدر الآية الأولى: (إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ).
(٢) سورة القلم ٤.
(٣) ينظر إلى قول الفرزدق: أخذنا بآفاق السماء عليكم … لنا قمراها والنجوم الطوالع ديوانه ٥١٩. وفى حاشية الوافى بالوفيات ١/ ٧٠: لو كنت شاعرا لبدلت هذا البيت، وقلت من الخفيف: ولهم من آفاق ذلك آيات … قمراها والأنجم الطّالعات
[ ١ / ٦٢ ]
وانشقاق القمر. روى مسلم (^١) والتّرمذىّ (^٢)، عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فلقتين، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل.
فقال رسول الله ﷺ: «اللهمّ اشهد».
وروى التّرمذىّ (^٣)، عن جبير بن مطعم، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ، فصار فرقتين. فقالت قريش: سحر محمّد أعيننا.
فقال بعضهم: لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلّهم.-وزاد رزين-:
فكانوا يتلقّون الرّكبان فيخبرونهم بأنهم قد رأوه، فيكذّبونهم.
وما أحقّه ﷺ بقول أبى الطّيّب (^٤):
متى ما يشر نحو السّماء بطرفه … يخرّ له الشّعرى وينكسف البدر (^٥)
وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم فى صدورهم، وأقبل حتى قام على رءوسهم فقبض قبضة من تراب، وقال:
«شاهت الوجوه» وحصبهم، فما أصاب رجلا منهم من ذلك الحصباء شئ (^٦) إلاّ قتل يوم بدر.
ورمى يوم حنين بقبضة من تراب فى وجوه القوم، فهزمهم الله تعالى.
ونسج العنكبوت فى الغار.
_________________
(١) فى صحيحه (باب انشقاق القمر، من كتاب صفات المنافقين وأحكامهم) ٢١٥٩،٤/ ٢١٥٨.
(٢) سنن الترمذى (بشرح ابن العربى) ١٢/ ١٧٦ فى (تفسير سورة القمر، من أبواب التفسير).
(٣) سنن الترمذى (بشرح ابن العربى) ١٢/ ١٧٦ فى (تفسير سورة القمر، من أبواب التفسير).
(٤) ديوانه ٥٧.
(٥) فى الديوان: «متى ما يشر نحو السماء بوجهه».
(٦) ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن.
[ ١ / ٦٣ ]
وما كان من أمر سراقة بن مالك، إذ بعث خلفه فى الهجرة، فساخت قوائم فرسه./فى الأرض الجلد. (^١)
ومسح على ظهر عناق لم ينز عليها الفحل فدرّت.
وشاة أمّ معبد.
ودعوته لعمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أن يعزّ الله به الإسلام.
ودعوته لعلىّ ﵁ أن يذهب عنه الحرّ والبرد.
وتفله فى عينيه، وهو أرمد، فعوفى من ساعته، ولم يرمد بعد ذلك.
وردّه عين قتادة، بعد أن سالت على خدّه، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما.
ودعاؤه لعبد الله بن عبّاس، ﵄، بالتّأويل والفقه فى الدّين، وكان يسمّى الحبر والبحر لعلمه.
ودعاؤه لجمل جابر، فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا.
ودعاؤه لأنس بن مالك، رضى الله تعالى عنه، بطول العمر، وكثرة المال والولد، فعاش مائة سنة أو نحوها، وولد له مائة وعشرون ولدا ذكرا لصلبه، وكان نخله يحمل فى السّنة مرّتين.
ودعاوه فى تمر جابر بالبركة، فأوفى غرماءه، وفضل ثلاثة عشر وسقا.
واستسقاؤه ﵊، فمطروا أسبوعا ثم استصحاؤه فانجابت السّماء.
وإذا النوائب أظلمت أحداثها … لبست بوجهك أحسن الإشراق
ودعاؤه على عتبة بن أبى لهب، فأكله الأسد بالزّرقاء (^٢) من الشام.
_________________
(١) الأرض الجلد: الصلبة المستوية المتن: القاموس (ج ل د).
(٢) الزرقاء: موضع بالشام، بناحية معان، وهو نهر عظيم فى شعارى ودحال كثيرة، وفيه سباع كثيرة مذكورة بالضراوة. معجم البلدان ٢/ ٩٢٤.
[ ١ / ٦٤ ]
وشهادة الشّجرة له بالرّسالة، فى خبر الأعرابىّ الذى دعاه إلى الإسلام؛ فقال: هل من شاهد على ما تقول؟
فقال: «نعم، هذه الشّجرة». ثم دعاها فأقبلت، فاستشهدها، فشهدت له أنه كما قال، ثلاثا، ثم رجعت إلى منبتها.
وأمره شجرتين فاجتمعتا، ثمّ افترقتا.
وأمره أنسا أن ينطلق إلى نخلات، فيقول لهنّ: أمر كنّ رسول الله ﷺ أن تجتمعن، فاجتمعن، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهنّ بالعود إلى أماكنهنّ، فعدن.
ونام، فجاءت شجرة تشقّ الأرض حتى قامت عليه، فلما استيقظ ذكرت له، فقال:
«هى شجرة استأذنت ربّها أن تسلّم علىّ، فأذن لها».
وسلام الحجر والشجر عليه ليالى بعث: السلام عليك يا رسول الله.
وقوله: «إنّى لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم علىّ قبل أن أبعث».
وحنين الجذع إليه.
وتسبيح الحصا فى كفّه، وكذلك الطّعام.
وإعلامه الشّاة بسمّها.
وشكوى البعير إليه كثرة العمل، وقلّة العلف.
وسؤال الظّبية له أن يخلّصها من الحبل؛ لترضع ولديها وتعود، فخلّصها، فتلفّظت بالشهادتين.
وإخباره عن مصارع المشركين يوم بدر، فلم يعد أحد منهم مصرعه.
وإخباره أنّ طائفة من أمّته يغزون فى البحر، وأن أمّ حرام بنت ملحان منهم، فكذلك.
وقوله لعثمان رضى الله تعالى عنه تصيبه بلوى شديدة، فكانت، وقتل.
وقوله فى الحسن: «إنّ ابنى هذا سيّد، وإنّ الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من
[ ١ / ٦٥ ]
المسلمين».
وإخباره بقتل العنسىّ الكذّاب، وهو بصنعاء، ليلة قتله.
وقوله لثابت بن قيس: «تعيش حميدا وتقتل شهيدا»، فقتل يوم اليمامة.
ولما ارتدّ رجل من المسلمين، ولحق بالمشركين، بلغه أنه مات، فقال: «إنّ الأرض لا تقبله» فكان كذلك.
وقوله لرجل يأكل بشماله: «كل بيمينك» فقال: لا أستطيع. فقال له: «لا استطعت» فلم يطق أن يرفعها إلى فيه بعد.
ودخوله مكّة/عام الفتح، والأصنام حول الكعبة معلّقة، وبيده قضيب، فجعل يشير إليها به، ويقول (^١): ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ)،﴾ وهى تتساقط.
وقصّة مازن بن الغضوبة الطّائىّ (^٢)، وسواد بن قارب (^٣)، وأمثالهما.
وشهادة الضّبّ بنبوّته.
وإطعام ألف من صاع شعير بالخندق، فشبعوا والطعام أكثر ممّا كان، وأطعمهم من تمر يسير. وجمع فضل الأزواد على النّطع، ودعا لها بالبركة، ثم قسمها فى العسكر، فقامت بهم.
وأتاه أبو هريرة رضى الله تعالى عنه بتمرات قد صفّهنّ فى يده، وقال: ادع لى فيهنّ بالبركة. فدعا له.
_________________
(١) سورة الإسراء ٨١.
(٢) كان مازن بن الغضوبة سادنا لصنم يقال له ناجر، بقرية من أرض عمان، فذكر أنه سمع صوتا من الصنم يخبره بمبعث النبى ﷺ، فاستخبر رجلا من أهل الحجاز قدم عليهم، فصدقه الخبر، فوفد على النبى ﷺ وأسلم، ودعا له الرسول أن يذهب الله عنه ما كان يجد من حب الطرب وشرب الخمر والنساء. انظر خبره فى أسد الغابة ٤/ ٢٦٩.
(٣) هو سواد بن قارب الأزدى، وكان كاهنا فى الجاهلية، أتاه رئيه فأخبره بمبعث النبى ﷺ، فوفد عليه وأسلم. انظر أسد الغابة ٢/ ٣٧٥.
[ ١ / ٦٦ ]
قال أبو هريرة: فأخرجت من ذلك التّمر كذا وكذا وسقا فى سبيل الله، وكنا نأكل منه، ونطعم، حتى انقطع فى زمن عثمان رضى الله تعالى عنه.
ودعاؤه أهل الصّفّة لقصعة ثريد، قال أبو هريرة: فجعلت أتطاول ليدعونى، حتى قام القوم، وليس فى القصعة إلاّ اليسير فى نواحيها، فجمعه رسول الله ﷺ، فصار لقمة، ووضعها على أصابعه وقال: «كل بسم (^١) الله»، فو الله الذى نفسى بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت.
وأمر عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه، أن يزوّد أربعمائة راكب من تمر كان فى اجتماعه كربضة البعير، فزوّدهم كلّهم منه، وبقى تحسبه كما كان.
ونبع الماء من بين أصابعه حتى شرب منه القوم وتوضّئوا، وهم ألف وأربعمائة.
وأتى بقدح فيه ماء، فوضع أصابعه فى القدح، فلم يسع، فوضع أربعة منها، وقال:
«هلمّوا». فتوضّئوا أجمعين، وهم من السّبعين إلى الثمانين.
وورد فى غزوة تبوك على ماء لا يروى واحدا، والقوم عطاش، فشكوا إليه، فأخذ سهما من كنانته، فغرسه فيها، ففار الماء، وارتوى القوم، وكانوا ثلاثين ألفا.
وشكا إليه قوم ملوحة فى مائهم، فجاء فى نفر من أصحابه حتى وقف على بئرهم، فتفل فيها، فتفجّر بالماء العذب المعين.
وأتته امرأة بصبىّ أقرع، فمسح على رأسه فاستوى شعره، وذهب داؤه، فسمع أهل اليمامة بذلك؛ فأتت امرأة إلى مسيلمة بصبىّ، فمسح رأسه، فتصلّع، وبقى الصّلع فى نسله.
وانكسر سيف عكّاشة يوم بدر، فأعطاه جذلا من حطب، فصار فى يده سيفا، ولم يزل بعد ذلك عنه.
وعزّت كدية بالخندق عن أن يأخذها المعول، فضربها فصارت كثيبا أهيل.
ومسح على رجل أبى رافع، وقد انكسرت، فكأنه لم يشكها قطّ.
_________________
(١) فى ط، ن: «قل»، والمثبت فى: ص، والوافى بالوفيات ١/ ٧٣.
[ ١ / ٦٧ ]
وقوله ﷺ: «إنّ الله زوى لى الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتى ما زوى لى منها».
قال الصّلاح الصّفدىّ: وصدّق الله قوله، بأن ملك أمّته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر فى الجنوب ولا فى الشّمال.
وأخبر عن الشّيماء بنت بقيلة الأزديّة، أنها رفعت له فى خمار أسود على بغلة شهباء، فأخذت فى زمن أبى بكر الصّديق رضى الله تعالى عنه، فى جيش خالد بن الوليد، بهذه الصّفة.
وقال لرجل ممّن يدّعى الإسلام، وهو معه فى القتال: «إنه من أهل النار». فصدّق الله قوله، بأن ذلك الرجل نحر نفسه. وهذا لا يعرف البتّة بشئ من النجوم، ولا بخطّ ولا بزجر، ولا بالنّظر فى الكفّ، ولا بتصويت الودع (^١).
وأبطل الله تعالى ببعثته الكهانة، فانقطعت/، وكانت ظاهرة موجودة.
ودعا اليهود إلى تمنّى الموت، وأخبرهم بأنهم لا يتمنّونه، فحيل بينهم وبين النّطق بذلك.
وأخبر بأن عمّارا تقتله الفئة الباغية، فكان مع علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، وقتله جماعة معاوية.
وأنذر بموت النّجاشىّ، وخرج هو وأصحابه إلى البقيع، فصلّوا عليه، فورد الخبر بموته بعد ذلك، فى ذلك اليوم.
وخرج على نفر من أصحابه مجتمعين؛ فقال: «أحدكم فى النّار ضرسه مثل أحد».
فماتوا كلّهم على الإسلام، وارتدّ منهم واحد، وهو الدّجّال الحنفىّ، فقتل مرتدّا مع مسيلمة.
_________________
(١) فى الأصول: «الوزع»، ولعل الصواب ما أثبته، وهو جمع ودعة، وهو شئ أبيض يجلب من البحر، يعلق فى حلوق الصبيان وغيرهم. النهاية ٥/ ١٦٨.
[ ١ / ٦٨ ]
وقال لآخرين منهم: «آخركم موتا فى النّار» فسقط آخرهم موتا فى نار، فمات، وهو سمرة بن جندب.
وأخبر بأنه يقتل أميّة بن خلف الجمحىّ، فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا، فكانت منيّته منه.
وأخبر فاطمة ابنته، رضى الله تعالى عنها، أنها أول أهله لحاقا به، فكانت كذلك.
وأخبر نساءه أن أطولهنّ يدا أسرعهنّ لحاقا به. وكانت زينب بنت جحش الأسديّة؛ لأنها كانت كثيرة الصّدقة.
وحكى الحكم بن أبى العاص مشيته ﷺ مستهزئا، فقال: «كذلك فكن»، فلم يزل يرتعش إلى أن مات.
وخطب أمامة بنت الحارث بن أبى عوف، وكان أبوها أعرابيا جافيا، فقال: إنّ بها بياضا. فقال: «لتكن كذلك»، فبرصت من وقتها، فتزوّجها ابن عمّها يزيد بن حمزة، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد، وهو المعروف بابن البرصاء.
وليلة ميلاده اضطرب إيوان كسرى، حتى سمع صوته، وسقطت منه أربع عشرة شرفة (^١)، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة. (^٢)
ومن علائم نبوّته: حراسة السّماء بالشّهب التى تقذف الشياطين، فلا تسترق السّمع، وبشرى الكهّان به والهواتف، وإخبار الأحبار بظهوره، وفراسة بحيرى الرّاهب فيه، ومعرفته آيات النّبوّة وأمارات (^٣) البعثة فيه.
ورأوك وضّاح الجبين كما يرى … قمر السّماء السّعد ليلة يكمل
_________________
(١) فى الأصول: «شرافة».
(٢) ساوة: مدينة حسنة بين الرى وهمذان. معجم البلدان ٣/ ٢٤.
(٣) فى ط، ن: «وأمارة»، والمثبت فى: ص، والوافى بالوفيات ١/ ٧٤.
[ ١ / ٦٩ ]
وولادته مختونا مسرورا، وسجع شقّ وسطيح، ورؤيا الموبذان (^١)، إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة، والأمارات الباهرة، والدّلالات الزاهرة، والمعجزات القاهرة، والسّيرة التى شهرت شهرة النجوم الزّواهر، وسار الذّكر منها فى الناس سير القوافى السّوائر.
وقد ألّفت (^٢) العلماء (^٣) الحفّاظ، والثّقات الأيقاظ فى سيرته، ومعجزاته، وفى خصائصه، ﷺ، كتبا كثيرة، ومجلّدات كبيرة، لا يحيط بها حدّ، ولا يحصرها عدّ.
وكلّ منهم بذل جهده، ولم يدّخر شيئا عنده، وما أتوا بعشر معشار فضائله، ولا بقطرة من بحار فواضله، وكان أكثر ممّا قيل ما تركوا، وكلّ منهم ينشد مع ذلك بلسان حاله، أو لسان قاله، معتذرا عن تقصيره، ومخبرا بما هو الواقع فى ظاهر ضميره، قول صاحب البردة، رحمه الله تعالى (^٤):
وإنّ فضل رسول الله ليس له … حدّ فيعرب عنه ناطق بفم
/وأجمع ما وقفت عليه من ذلك، كتاب «الخصائص الكبرى» للجلال السّيوطىّ، وكتاب «السيرة النبوية» للحافظ تقىّ الدّين المقريزىّ، فمن أراد أن ينزّه بصره وبصيرته فى رياض الجنة، فعليه بمطالعتهما، والوقوف عليهما، جزاهما الله تعالى عن نبيّه ﷺ أحسن الجزاء، بمنّه، وكرمه، آمين.
ومدحه ﷺ بالشّعر جماعة عديدة، من رجال الصّحابة ونسائهم، جمعهم الشيخ الإمام الحافظ فتح الدّين ابن سيّد الناس اليعمرىّ فى قصيدة ميميّة، ثم شرحها فى مجلّد، سمّاها «منح المدح»، ورتّبهم على حروف المعجم، فأربى فى هذا الجمع على الحافظ ابن عبد البرّ؛ لأنه ذكر منهم ما يقارب المائة والعشرين، أو ما يزيد على ذلك، والشيخ فتح الدّين قارب المائتين، كذا قاله الصّلاح الصّفدىّ (^٥)، وقال: لا أعلم أحدا
_________________
(١) الموبذان: الكبير من ملوك العجم وعظمائهم.
(٢) فى ن: «ألف»، والمثبت فى: ص، ط.
(٣) من هنا إلى قوله: «بمنه وكرمه آمين» الآتى ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن.
(٤) بردة المديح ٥.
(٥) الوافى بالوفيات ١/ ٩٣.
[ ١ / ٧٠ ]
حصّل من الصحابة الذين مدحوا النبىّ ﷺ، هذا القدر (^١)، وقد كتبت هذا المصنّف بخطّى، وسمعت من لفظه ما يقارب نصفه، وأجازنى البقيّة.
وأمّا شعراؤه الذين كانوا بصدد المناضلة عنه، والهجاء لكفّار قريش، فإنهم ثلاثة:
حسّان بن ثابت الأنصارىّ، وعبد الله بن رواحة الأنصارىّ، وكعب بن مالك الأنصارىّ، وكان حسّان يقبل بالهجو على أنسابهم، وعبد الله بن رواحة يعيّرهم بالكفر، وكعب بن مالك يخوّفهم الحرب، فكانوا لا يبالون قبل الإسلام بأهاجى ابن رواحة، ويألمون من أهاجى حسّان، فلما دخل من دخل منهم الإسلام، وجد ألم أهاجى ابن رواحة أشدّ وأشقّ.
ومن أشهر الصّحابة بالمدح له كعب بن زهير بن أبى سلمى السّعدىّ (^٢)، وقصيدته «بانت سعاد» مشهورة، وما من شاعر فى الغالب جاء بعده، ومدح رسول الله ﷺ، إلاّ وقد نظم فى وزنها ورويّها، ولله درّ القاضى محيى الدّين ابن عبد الظّاهر، حيث يقول: (^٣)
لقد قال كعب فى النبىّ قصيدة … وقلنا عسى فى مدحه نتشارك
فإن شملتنا بالجوائز رحمة … كرحمة كعب فهو كعب مبارك
*** وهذا القدر من سيرته الشريفة ﷺ كاف فى التبرّك بذكره الشريف، وفى الدّلالة على أنه ﷺ أفضل الخلق، وأشرف الخلق، وشريعته أفضل الشرائع، وأمّته أكرم الأمم، وعلماؤها أكرم العلماء، وأمّا حصر فضائله ومعجزاته، وما خصّه الله به فى الدنيا والآخرة، وأعدّ له عنده فلا سبيل إليه، ولا يحوم طائر فكر عليه، ولا يعلمه إلاّ الله تعالى.
اللهمّ أدخلنا فى شفاعته، وأمتنا على ملّته، واحشرنا فى زمره علماء أمته، ووفّقنا إلى العمل بطاعتك، ولا تمكر بنا عند الخاتمة، فإنا متوسّلون فى ذلك به إليك، ومتوكّلون فى
_________________
(١) فى ط، ن «العدد»، والمثبت فى: ص، والوافى بالوفيات.
(٢) لم يرد فى ترجمة كعب بن زهير نسبة «السعدى»، ولعل هذا من قولهم «زهير بن أبى سعدى»، وانظر مقدمة ديوانه.
(٣) البيتان فى الوافى بالوفيات ١/ ٩٤.
[ ١ / ٧١ ]
غفران الذنوب عليك (^١)، وإنك جواد كريم، رءوف رحيم، لا تردّ من سألك، ولا تخيّب من قصدك، يا أرحم الراحمين (^٢).
_________________
(١) مكان هذه الكلمة فى ص: «على كرمك، ومفوضون أعضل من الأمور إليك»، والمثبت فى: ط، ن.
(٢) ساقط من: ص، وهو فى: ط، ن، وفى ن بعد هذا زيادة: «يا مجيب السائلين آمين، آمين».
[ ١ / ٧٢ ]