وقد اختلف علينا فيها، فمنهم مَن يقول: كانت قُتَيْلة بنت نَوْفَل بن أَسَد بن عَبْد العُزَّى بن قُصىّ أخت وَرَقَة بن نَوْفَل، ومنهم مَن يقول: كانت فاطمة بنت مُرّ الخَثْعَمِيَّة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمىّ قال: حدّثنى محمّد بن عبد
_________________
(١) النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٥٦ نقلا عن ابن سعد.
(٢) أورده النويرى ج ١٦ ص ٥٧.
[ ١ / ٧٥ ]
الله ابن أخى الزهرىّ عن الزهرىّ عن عُروة قال: وحدّثنا عُبيد الله بن محمد بن صفوان عن أبيه، وحدّثنا إسحاق بن عبيد الله عن سعيد بن محمد بن جُبير بن مُطعم، قالوا جميعًا: هى قُتيلة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل، وكانت تنظُر وتَعْتَاف، فمرّ بها عبد الله بن عبد المطّلب فدعتْه يستَبْضِع منها ولزمت طَرَف ثوبه. فأبى وقال: حتى آتِيَكِ. وخرج سريعًا حتى دخل على آمنة بنت وهب فوقع عليها. فحملت برسول الله، -ﷺ-، ثمّ رجع عبد الله بن عبد المطّلب إلى المرأة فوجدها تنظره، فقال: هل لك فى الذى عرضت علىّ؟ فقالت: لا. مررتَ وفى وجهك نور ساطع ثمّ رجعت وليس فيه ذلك النور. وقال بعضهم: قالت مررت وبين عينيك غُرّة مثل غُرّة الفرس ورجعت وليس هى فى وجهك (^١).
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس أنّ المرأة التى عرضت على عبد الله بن عبد المطّلب ما عرضت امرأة من بنى أسد بن عبد العزّى وهى أخت ورقة بن نوفل.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبى الفيّاض الخثعمى قال: مرّ عبد الله بن عبد المطّلب بامرأة من خَثْعَم يقال لها فاطِمة بنت مُرّ، وكانت من أجمل الناس وأشَبّه وأعَفّه. وكانت قد قرأت الكتب، وكان شباب قريش يتحدّثون إليها، فرأت نور النبوّة فى وجه عبد الله، فقالت: يا فتى مَن أنت؟ فأخبرها. قالت: هل لك أن تقع علىّ وأعطيك مائة من الإبل؟ فنظر إليها وقال:
أما الحَرَامُ فالممَاتُ دونَهْ … والحِلّ لَا حِلّ فَأَسْتَبِينَهْ
فكيفَ بالأمر الذى تنْوينَهْ (^٢)؟
ثمّ مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب، فكان معها، ثمّ ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه. فأقبل إليها فلم يرَ منها من الإقبال عليه آخِرًا كما رآه منْها أولًا،
_________________
(١) نقله النويرى ج ١٦ ص ٥٩.
(٢) أورده النويرى بسنده ونصه ج ١٦ ص ٥٩. والرجز هنا ورد لدى الطبرى ج ٢ ص ٢٤٤، وابن الأثير: الكامل ج ٢ ص ٨، ولديهما "فكيف بالأمر الذى تبغينه" ومثله لدى الصالحى فى سبل الهدى ج ١ ص ٣٩٢.
[ ١ / ٧٦ ]
فقال: هل لكِ فيما قلتِ لى؟ فقالت: قد كان ذاك مرة فاليوم لا، فذهبت مثلًا: وقالَت: أىّ شئ صنَعْتَ بعدى؟ قال: وقعتُ على زوجتى آمنة بنت وهب، قالت: إنّى والله لسْتُ بصاحبة ريبة، ولكنى رأيت نور النبوّة فى وجهك فأردتُ أن يكون ذلك فىّ وأبى الله إلّا أن يجعله حيث جعله، وبلغ شبابَ قريش ما عرضت على عبد الله بن عبد المطّلب وتأبّيه عليها، فذكروا ذلك لها، فأنشأت تقول (^١):
إنى رَأيتُ مَخيلَةً عرَضَتْ … فتلألأتْ بحناتِمِ القَطْرِ
فَلَمَأْتُهَا نُورًا (^٢) يضئُ لَهُ … ما حَوْلَهُ كإضَاءةِ الفَجْرِ
وَرَأيْتُهُ شَرَفًا أبُوءُ بِهِ … ما كلّ قادحِ زَندِهِ يُورِى
لله ما زُهْرِيّةٌ سَلَبَتْ … ثَوْبَيْكَ ما استَلبَتْ ومَا تَدْرِى
وقالت أيضًا (^٣):
بنى هاشم قد غادرت من أخيكُمُ … أُمَيْنَةُ إذ للبَاهِ يَعْتَلِجَانِ (^٤)
كما غادَرَ المصباحَ بَعدَ خُبُوّهِ … فَتَائلُ قَد ميثَتْ له بدِهانِ
وما كلّ ما يحوى الفتى من تلادهِ … بحزم (^٥) ولا ما فاته لتَوَانِ
فأجْمِلْ إذا طالَبتَ أمرًا فإنهُ … سَيَكفِيكَهُ جَدّانِ يَصْطَرِعَان
سيكفِيكَهُ إمّا يَدٌ مُقْفَعِلّةٌ (^٦) … وَإمّا يَدٌ مَبْسُوطة ببَنَان
وَلما قضَتْ منه أُمَيْنَةُ ما قَضَتْ … نبَا بصرى عنه وكَلّ لسانى
_________________
(١) الأبيات لدى الطبرى ج ٢ ص ٢٤٥، وابن الأثير ج ٢ ص ٩، والنويرى ج ١٦ ص ٦١، والصالحى فى سبل الهدى ج ١ ص ٣٩٣.
(٢) فى جميع النسخ "فَلِمَائِها نُورٌ" والمثبت من الطبرى ج ٢ ص ٢٤٥، وابن الأثير فى الكامل ج ٢ ص ٩، والنويرى ج ١٦ ص ٦١ واللسان "لمأ" ومعنى لمأتها: أى أبصرتها ولمحتها.
(٣) الأبيات لدى الطبرى ج ٢ ص ٢٤٥، وابن الأثير ج ٢ ص ٩، والنويرى ج ١٦ ص ٦١ والصالحى فى سبل الهدى ج ١ ص ٣٩٣.
(٤) رواية الطبرى وابن الأثير "تعتركان".
(٥) رواية الطبرى وابن الأثير "لعزم".
(٦) مقفعلة: منقبضة.
[ ١ / ٧٧ ]
قال: وأخبرنا وهب بن جرير بن حازم، أخبرنا أبى قال: سمعتُ أبا يزيد المدنى قال: نُبّئتُ أن عبد الله أبا رسول الله، -ﷺ-، أتَى على امرأة من خثعم فرأت بين عينيه نورًا ساطعًا إلى السماء فقالت: هل لك فِىّ؟ قال: نعم حتى أرمى الجمرة، فانطلق فرمى الجمرة، ثمّ أتى امرأته آمنة بنت وهب، ثمّ ذكر، يعنى الخثعميّة، فأتاها، فقالت: هل أتيت امرأة بعدى؟ قال: نعم، امرأتى آمنة بنت وهب، قالت: فلا حاجة لى فيك، إنّك مررت وبين عينيك نور ساطع إلى السماء فلمّا وقعت عليها ذهب، فأخبِرها أنّها قد حملت خير أهل الأرض (^١).
* * *