(* أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني مَعْمَر بن راشد عن الزهريّ قال: بَرَكَت ناقة رسول الله، - ﷺ -، عند مَوضع مسجد رسول الله، - ﷺ -، وهو يومئذ يُصلّي فيه رجال من المسلمين وكان مِرْبَدًا لسهل وسُهيل، غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا في حِجْرِ أبي أمامة أسعد بن زُرَارة، فدعا رسول الله، - ﷺ -، بالغلامين فساومهما بالمِرْبَد ليتّخذه مسجدًا، فقالا: بل نَهَبُهُ لك يا رسول الله، فَأبَى رسول الله، - ﷺ -، حتى ابتاعه منهما، قال محمّد بن عمر وقال غير معمر عن الزهريّ: فابتاعه منهما بعشرة دنانير، قال وقال معمر عن الزهريّ: وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك، وكان جدارًا مجدّرًا ليس عليه سقف، وَقِبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زُرارة بناه فكان يصلّي بأصحابه فيه ويجمّع بهم فيه الجمعة قبل مَقْدم رسول الله، - ﷺ -، فأمر رسول الله، - ﷺ -، بالنخل الذي في الحديقة وبالغرقد الذي فيه أن يقطع، وأمر باللَّبِن فضُرب، وكان في المربد قبور جاهليّة فأمر بها رسول الله، - ﷺ -، فنبشت، وأمر بالعظام أن تُغَيّب، وكان في المِرْبد ماء مُسْتَنْجل (^٢) فسيروه حتى ذهب، وأسسوا المسجد فجعلوا طوله ممّا يلي
_________________
(١) أورده النويري في نهاية الأرب ج ١٦ ص ٣٤٧ نقلًا عن ابن سعد. (* - *) الخبر بسنده ونصه في النويري ج ١٦ ص ٣٤٤، وهو ينقل عن ابن سعد.
(٢) مستنجل: مستنقع، والنجل الماء الذي يخرج من الأرض نزا.
[ ١ / ٢٠٥ ]
القبلة إلى مؤخره مائةَ ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع، ويقال: كان أقلّ من المائة، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثمّ بَنوه باللّبِن، وبنى رسول الله، - ﷺ - وأصحابه، وجعل ينقل معهم الحجارة بنفسه ويقول:
اللهُمّ لا عَيشَ إلّا عَيشُ الآخرَهْ … فَاغْفِرْ للأنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ *)
وجعل يقول:
هَذَا الحِمَال لا حِمَالَ خَيبرْ … هَذَا أبَرُّ، رَبَّنَا، وَأطْهَرْ
وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابًا في مؤخره، وبابًا يقال له باب الرحمة، وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل فيه رسول الله، - ﷺ -، وهو الباب الذي يلي آل عثمان، وجعل طول الجدار بَسْطَةً، وعُمُده الجُذوع، وسقفَه جريدًا، فقيل له: ألا تُسَقفه؟ فقال: عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسى خُشَيْبَاتٌ وَثُمَامٌ، الشّأن أعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ، وبنى بيوتًا إلى جنبه باللّبِن وسقّفها بجذوع النخل والجريد، فلمّا فرغ من البناء بَنَى بعائشة في البيت الذي بابه شارع إلى المسجد (^١)، وجعل سَوْدَةَ بنتَ زَمْعَةَ في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان.
_________________
(١) ل: "فلما فرغ من البناء بنى لعائشة في البيت الذي يليه شارع إلى المسجد" والمثبت رواية م. أما النويري في نهاية الأرب المخطوط وهو ينقل عن ابن سعد "فلما فرغ من البناء بنى بعائشة على ما نذكره إن شاء الله تعالى" ثم جاء في ج ١٨ ص ١٧٤ في ترجمة عائشة فذكره فقال "تزوجها رسول الله بمكة في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي بنت ست أو سبع. وبنى بها بالمدينة على رأس سبعة أشهر من الهجرة وهي ابنة تسع سنين" وقد أورده ابن سعد بشيء من التفصيل - في ترجمته لعائشة - عن الواقدي عن أبي الرجال عن أبيه عن أمه عمرة قالت: سمعت عائشة تقول: "تزوجني رسول الله - ﷺ - في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة لثلاث سنين وأنا ابنة ست سنين، وهاجر رسول الله فقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأعرس بي في شوال على رأس ثمانية أشهر من المهاجَر، وكنت يوم دخل بي ابنة تسع سنين". وعن عائشة أيضًا أنها سئلت: "متى بنى بك رسول الله؟ فقالت لما هاجر رسول الله إلى المدينة خلفنا وخلف بناته، فلما قدم المدينة بعث إلينا زيد بن حارثة. . . وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر يأمره أن يحمل أهله أنا وأختي أسماء امرأة الزبير. . . ثم إنا قدمنا المدينة فنزلت مع عيال أبي بكر، ونزل آل رسول الله ورسول الله - ﷺ - يومئذ يبني المسجد وأبياتا حول المسجد فأنزل فيها أهله. ومكثنا أياما في منزل أبي بكر، ثم قال أبو بكر: يا رسول الله، ما يمنعك من أن تبني بأهلك؟ قال رسول الله - ﷺ -: =
[ ١ / ٢٠٦ ]
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا أبو التّيّاح عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله، - ﷺ -، يصلّي حيث أدركته الصلاة، ويصلّي في مرابض الغنم، ثمّ إنّه أمر بالمسجد فأرسل إلى ملإ من بني النجّار فجاءوه، فقال: ثَامنُوني بحَائِطِكُمْ هَذَا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلّا إلى الله، قال أنس: فكانت فيه قبور المشركين، وكان فيه نخل، وكانت فيه خِرَبٌ، فأمر رسول الله، - ﷺ -، بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخِرَبِ فسُوّيت، قال: فصفّوا النخل قبلة وجعلوا عضادتيه حجارة، وكانوا يرتجزون ورسول الله، - ﷺ -، معهم وهو يقول:
اللهُمّ لا خَيرَ إلّا خَيرُ الآخِرَهْ … فَانْصُر الأنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ (^١)
قال أبو التّيّاح: فحدّثني ابن أبي الهُذيل أن عمّارًا كان رجلًا ضابطًا وكان يحمل حجريْن حجريْن فقال رسول الله، - ﷺ -: وَيْهًا ابنَ سُمَيّة تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيةُ.
أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثني معتمر بن سليمان التيمي قال: سمعت معمر بن راشد يحدّث عن الزهريّ قال: قال نبيّ الله، - ﷺ -، وهم يبنون المسجد:
هذا الحِمَالُ لا حِمَالَ خَيبرْ … هَذَا أبَرُّ، رَبَّنَا، وَأطْهَرْ
قال: فكان الزهريّ يقول إنّه لم يقل شيئًا من الشعر إلّا قد قيل قبله أو نوى (^٢) ذاك إلّا هذا.
* * *
_________________
(١) = الصداق. فأعطاه أبو بكر الصداق. . . وبنى بي رسول الله في بيتي هذا الذي أنا فيه وهو الذي توفي فيه رسول الله - ﷺ -. وجعل رسول الله لنفسه بابًا في المسجد وجاه باب عائشة. قالت: وبنى رسول الله بسودة في أحد تلك البيوت التى إلى جنبي فكان رسول الله يكون عندها". وفي المواهب: بنى بعائشة في البيت الذي يليه شارعًا إلى المسجد، وجعل سودة بنت زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان. . .
(٢) الصالحي: سبل الهدى ج ٣ ص ٤٨٦.
(٣) م "يَرَى".
[ ١ / ٢٠٧ ]