قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلى عن سعيد بن عمرو الهذلى عن أبيه وعبد الله بن يزيد الهذلى عن أبى غَطفان عن ابن عبّاس قال: وحدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزُّهرىّ عن محمّد بن جُبير بن مُطعم، دخل حديث بعضهم فى حديث بعض، قالوا: كانت الجُرْف مُطلّة على مكّة، وكان السَّيْل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصَدَع فخافوا أن يَنْهَدم، وسُرِقَ منه حِلْية وغَزَال من ذَهَب كان عليه درّ وجوهر، وكان موضوعًا بالأرض، فأَقبلت سفينة فى البَحر فيها رُوم، ورأسهم باقوم، وكان بَانِيًا، فَجَنَحَتْهَا الرّيح إلى الشُعَيْبة، وكانت مَرفأ السُّفن قبل جُدّة، فتحطَّمت السفينة، فخَرج الوليد بن المغيرة فى نَفَرٍ من قريش إلى السفينة فابتاعوا خَشَبها وكلَّموا الرومى باقومَ فَقَدِم معهم، وقالوا: لو بَنَينا بيتَ ربِّنا، فأمروا بالحجارة تُجْمَع وتُنقى الضواحى منها، فبينا رسول الله، -ﷺ-، يَنقل معهم، وهو يومئذٍ ابن خمسٍ
_________________
(١) الصالحى: سبل الهدى ج ١١ ص ٤٥٦.
[ ١ / ١٢٠ ]
وثلاثين سنة، وكانوا يَضَعون أُزُرَهم على عَوَاتقِهم، ويَحمِلون الحجارة، ففعَلَ ذلك رسول الله، -ﷺ-، فَلُبِطَ به ونُودِى: عَوْرَتك، فكان ذلك أوّل ما نُودى، فقال له أبو طالب: يابن أخى اجعل إزَارك على رأسك، فقال: مَا أصَابَنى مَا أصَابَنى إلّا فى تَعَرِّى، (^١) فما رُئِيَت لرسول الله، -ﷺ-، عَورة بعد ذَلك (^٢).
فلمّا أجمعوا على هَدْمها قال بعضهم: لا تُدخلوا فى بنائها من كَسْبِكم إلّا طيّبًا، ما لم تقطعوا فيه رَحمًا، ولم تَظْلموا فيه أحَدًا، فبدأ الوليد بن المغيرة بهدمها، وأخذَ المِعْول ثمّ قامَ عليها يطرح الحجارة وهو يقول: اللهم لم تُرَع إنّما نريد الخير، فهدم وهدمت معه قريش، ثمّ أخذوا فى بنائها، وميّزوا البيت، وأقرعوا عليه، فوقع لعبد مَناف وزُهرة ما بين الركن الأسود إلى رُكن الحِجْر وجهُ البيت، ووقع لبنى أسد بن عبد العُزّى وبنى عبد الدّار بن قُصىّ ما بين ركن الحِجْر إلى ركن الحِجْر الآخر، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن الحِجْر إلى الركن اليمانى، ووقع لسَهم وجُمَح وعَدِىّ وعامر بن لُؤىّ ما بين الرّكن اليمانىّ إلى الركن الأسود، فبنوا، فلمّا انتهوا إلى حيث يُوضع الركن من البيت قالت كلّ قبيلة نحن أحقّ بوضعه، واختلفوا حتى خافوا القتال (^٣).
ثمّ جعلوا بينهم أوّل من يدخل من باب بنى شَيْبَة فيكون هو الذى يضعه، وقالوا: رضينا وسلمنا، فكان رسول الله، -ﷺ-، أوّل مَن دَخَل من باب بنى شَيْبَة، فلمّا رَأَوهُ قالوا: هذا الأمين قد رَضِينا بما قَضَى بيننا، ثمّ أخبروه الخبر، فوضع رسول الله، -ﷺ-، رِدَاءَه وبَسَطَه فى الأرض، ثمّ وَضَع الرُّكن فيه، ثُمّ قال: ليأتِ مِن كلّ رُبع من أرباع قريش رَجُل، فكان فى رُبع بنى عبد مَناف عُتبة ابن ربيعة، وكان فى الرُّبع الثانى أبو زمعة، وكان فى الرّبع الثالث أبو حُذَيفة بن المغيرة، وكان فى الربع الرابع قَيْس بن عَدِىّ (^٤).
_________________
(١) فى ل وطبعتى إحسان وعطا "تعدّى" تصحيف والتصويب من م، والنويرى ج ١٦ ص ١٠١ وهو ينقل عن ابن سعد ولفظه "إلّا مِنَ التعرّى" والزرقانى ج ١ ص ٢٠٦ والسيرة الحلبية ج ١ ص ١٤٣.
(٢) النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٩٩ - ١٠١.
(٣) ابن هشام ج ١ ص ١١٤ - ١٩٥.
(٤) أورده النويرى ج ١٦ ص ١٠٣.
[ ١ / ١٢١ ]
ثمّ قال رسول الله، -ﷺ-: لِيَأخُذْ كُلّ رَجُلٍ مِنْكُمْ. بِزَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الثّوْبِ ثُمّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَرَفَعُوه، ثمّ وضَعه رسول الله، -ﷺ-، بيده فى مَوْضِعه ذلك، فَذَهَب رجلٌ من أهل نَجْد ليناوِل النبىّ، -ﷺ- حَجرًا يشدُّ به الرّكن، فقال العبّاس بن عبد المطّلب: لا، ونَحَّاه، وناوَل العبّاس رسول الله، -ﷺ-، حَجَرًا فَشَدَّ به الرّكن، فَغَضِبَ النَّجْدِىّ حيث نُحِّى، فقال النبىّ، -ﷺ-: إنّهُ لَيْسَ يَبْنى مَعَنَا فى البَيْتِ إلّا مِنّا، قال: فقال النَّجْدِىّ: يا عَجَبًا لقومٍ أهل شَرف وعُقول وسِنّ وأموال عَمَدُوا إلى أصغَرِهم سِنًّا، وأقلّهم مالًا، فَرَأَّسُوه عَلَيهم فى مكرمتهم وحرزهم كأنهم خَدَم له، أما والله ليَفوتنّهم سبقًا وليقسمن بينهم حظوظًا وجُدُودًا! ويقال إنّه إبليس، فقال أبو طالب:
إنّ لَنَا أوَّلَهُ وَآخِرَه … فى الحُكم والعدلِ الذى لا نُنْكرَهْ
وقدْ جَهَدْنَا جَهْدَهُ لِنَعْمُرَه … وقَدْ عَمَرْنَا خَيْرَهُ وَأكْثَرَهْ
فإنْ يَكُنْ حَقًّا فَفِينا أوْفَرَهْ (^١)
ثمّ بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، فكان خمسة عشر جائزًا سقَفوا البَيْت عليه، وبنوه على سِتّة أعمدة، وأخرجوا الحِجْر مِن البيت.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا ابن جُرَيج عن الوليد بن عَطاء عن الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة عن عائشة قالت: قال رسول الله، -ﷺ-: إنّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الكَعْبَةِ وَلوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بالشِّرْكِ أعَدْتُ فيهِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَإنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدى أنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمّى أُرِيكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فأراها قريبًا من سبع أذرع فى الحِجر، قالت: وقال رسول الله، -ﷺ-، في حديثه: وَلَجَعَلْتُ لهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْن فى الأرْضِ شَرْقِيًّا وغَرْبيًّا. أتَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟ فقلْتُ له: لا أدرى، قال: تَعَزّزًا ألّا يَدْخلَهَا إلّا مَنْ أرَادُوا: وكَانَ الرجل إذا كرهوا أن يدخل يدَعونه حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه حتّى يسقط (^٢).
_________________
(١) قارن بالنويرى ج ١٦ ص ١٠٤ وانظر الصالحى ج ٢ ص ٢٣٢.
(٢) النويرى ج ١٦ ص ١٠٤.
[ ١ / ١٢٢ ]
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن يزيد الهُذلى عن سعيد ابن عَمرو عن أبيه قال: رأيتُ قريشًا يفتحون البيت فى الجاهليّة يوم الاثنين ويوم الخميس، فكان حُجّابه يجلسون على بابه، فيرقى الرّجل فإذا كانوا لا يريدون دخوله دُفع فطُرِح، فرّبمَا عَطِبَ، وكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء يعظّمون ذلك، يضعون نِعالهم تحت الدرج.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَة عن خالد بن رباح عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْظَب عن ابن مَرْسا مولى لقريش قال: سمعتُ العبّاس بن عبد المطّلب يقول: كسا رسول الله، -ﷺ-، فى حجته البيتَ الحِبَرَاتِ.
* * *