أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني مَعْمر عن الزهريّ عن عُروة عن عائشة قال: وحدّثني ابن أبى حبيبة عن داود بن الحُصين بن أبي غطفان عن ابن عبّاس قال: وحدّثني قُدامة بن موسى عن عائشة بنت قدامة قال: وحدّثني عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبى طالب عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن عليّ قال: وحدّثني مَعْمَر عن الزهريّ عن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْثم عن سُراقة بن جعثم، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما رأى المشركون أصحاب رسول الله، - ﷺ -، قد حملوا الذَّرَاري والأطفال إلى الأوس والخزرج عرفوا أنّها دار مَنَعة وقوم أهل حَلْقة وبأس، فخافوا خروج رسول الله، - ﷺ -، فاجتمعوا في دار
_________________
(١) الصالحي ج ٣ ص ٣١٨ نقلًا عن ابن سعد.
(٢) الصالحي ج ٣ ص ٣١٩.
[ ١ / ١٩٣ ]
النَّدوة، ولم يتخلَّف أحد من أهل الرأي والحِجَى منهم ليتشاوروا في أمره، وحضرهم إبليس في صورة شيخ كبير من أهل نجد مشتمل الصّمّاء في بَتّ (^١)، فتذاكروا أمر رسول الله، - ﷺ -، فأشار كلّ رجل منهم برأي، كلّ ذلك يردّه إبليس عليهم ولا يَرضَاه لهم، إلى أن قال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كلّ قبيلة من قريش غلامًا نهدًا جليدًا، ثمّ نعطه سيفًا صارمًا فيضربونه ضربةَ رجل واحد، فيتفرّق دمه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تَصنع، قال: فقال النجدي: لله دَر الفتى! هذا والله الرأي وإلّا فلا، فتفرَّقوا على ذلك وأجمعوا عليه، وأتى جبريل رسول الله، - ﷺ -، فأخبره الخَبر وأمره أن لا يَنام في مَضْجعه تلك الليلة (^٢).
وجاء رسول الله، - ﷺ -، إلى أبي بكر فقال: إنّ اللهَ، - ﷿ -، قَدْ أذِنَ ليَ في الخُرُوجِ، فقال أبو بكر: الصحْبَة (^٣) يا رسول الله؟ فقال رسول الله، - ﷺ -: نَعَمْ، قال أبو بكر: فخُذْ بأبي أنت وأمي إحدى رَاحِلَتَيّ هاتين، فقال رسول الله، - ﷺ -: بالثّمَنِ، وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم من نَعَم بني قُشير، فأخذ إحداهما وهي القَصْواء، وأمرَ عليًا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، فبات فيه عليّ وَتَغَشَّى بُرْدًا أحمر حضْرميًا كان رسول الله، - ﷺ -، ينام فيه (^٤).
واجتمع أولئك النَّفَر من قريش يتطّلعون من صِير (^٥) الباب ويرصدونه يريدون ثيابه ويأتمرون أيّهم يحمل على المضطجع صاحب الفراش، فخرج رسول الله، - ﷺ -، عليهم وهم جلوس على الباب، فأخذ حَفنة من البطحاء فجعلَ يذرّها على رءوسهم ويتلو: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [سورة يس: ١ - ٢]: حتى بلغ: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يس: ١٠]: ومضى
_________________
(١) البت: الكساء الغليظ.
(٢) ابن هشام: السيرة النبوية ج ٢ ص ٤٨٠ فما بعدها.
(٣) ل، م "الصحابة" على خلاف ما جاء في الموضع المماثل لدى ابن هشام ج ٢ ص ٤٨٥ حين ورد الصحبة، ومثله لدى الصالحي ج ٣ ص ٣٣٧ وهو ما أثبته هنا.
(٤) ابن هشام ج ٢ ص ٤٨٥، والصالحي ج ٣ ص ٣٣٧.
(٥) الصير: شق الباب (النهاية).
[ ١ / ١٩٤ ]
رسول الله، - ﷺ -. فقال قائل لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّدًا: قال: خبتم وخسرتم، قد والله مرّ بكم وذرّ على رءوسكم التراب، قالوا: والله ما أبصرناه! وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم، وهم: أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعقبة بن أبي مُعَيط، والنضر بن الحارث، وأميّة بن خلف، وابن الغيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عديّ، وأبو لهب، وأُبيّ بن خلف، ونُبيه ومنبه ابنا الحجّاج، فلمّا أصبحوا قام عليّ عن الفراش فسألوه عن رسول الله، - ﷺ -، فقال: لا علم لي به (^١).
وصار رسول الله، - ﷺ -، إلى منزل أبي بكر، فكان فيه إلى الليل، ثمّ خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض، وطلبت قريش رسول الله، - ﷺ -، أشدّ الطلب حتى انتهوا إلى باب الغار، فقال بعضهم: إن عليه العنكبوت قبل ميلاد محمّد، فانصرفوا (^٢).
أخبرنا مُسلم بن إبراهيم، أخبرنا عَون بن عمرو القيسي أخو رِياح القَيسي، أخبرنا أبو مُصعب المكيّ قال: أدركتُ زَيد بن أرقم، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شُعبة فسمعتهم يتحدّثون أن النبيّ، - ﷺ -، ليلة الغار أمرَ الله شجرة فنبتت في وجه النبيّ، - ﷺ -، فسَتَرته، وأمرَ الله العنكبوت فنسجَت على وجهه فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيتين فَوَقَعَتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش، من كلّ بطن رجل، بأسيافهم وعِصِيّهم وهِرَاواتهم حتى إذا كانوا من النبي - ﷺ -، قدر أربعين ذراعًا، نظرَ أوّلهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه: مالك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين وحشيّتين (^٣) بفم الغار فَعَرَفت أن ليس فيه أحد، قال: فسمع النبيّ، - ﷺ -، قوله فَعَرَف أن الله قَد دَرَأَ عنه بهما، فَسَمّتَ النبيّ، - ﷺ -، عليهن وفرض جزاءهن وانحدرن في حرم الله (^٤).
_________________
(١) الصالحي: سبل الهدى ج ٣ ص ٣٢٧.
(٢) ابن هشام: السيرة ج ٢ ص ٤٨٧، والصالحي ج ٣ ص ٣٣٥.
(٣) م "حمامين وحشيين" والمثبت رواية "ل" ومثلها لدى النويري ج ١٦ ص ٣٣٢ وهو ينقل عن ابن سعد.
(٤) أورده النويري ج ١٦ ص ٣٣٢ نقلًا عن ابن سعد.
[ ١ / ١٩٥ ]
رجع الحديث إلى الأوّل، قالوا: وكانت لأبي بكر منيحة غنم يرعاها عامر بن فُهَيرة، وكان يأتيهم بها ليلًا فيحتلبون فإذا كان سَحَرٌ سرح مع الناس. قالت عائشة: وجهّزناهما أحبّ الجهاز، وصنعنا لهما سُفْرة في جِراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فَأوْكَت به الجراب، وقَطَعت أُخرى فصيّرته عِصامًا لفم القِرْبة، فبذلك سُمِّيَت ذات النطاقين. ومكثَ رسول الله، - ﷺ -، وأبو بكر في الغار ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، واستأجر أبو بكر رجلًا من بني الدِّيل هاديًا خِرِّيتًا (^١) يقال له عبد الله بن أرَيْقط، وهو على دين الكفر. ولكنّهما أمناه، فارتحلا ومعهما عامر بن فُهيرة، فأخذ بهم ابن أريقط يَدَ بَحْرٍ (^٢)، فما شعرت قريش أين وَجّه رسول الله، - ﷺ -. حتى سمعوا صوتًا من جنّيّ من أسفل مكّة، ولا يُرى شخصُه:
جَزَى اللهُ رب النّاس خيرَ جَزَائِهِ … رَفيقينِ قالا خَيْمَتَيْ أمّ مَعْبدِ
هُمَا نَزَلا بالبِرّ وَارْتَحَلا بِهِ … فقد فازَ مَنْ أمْسى رَفيقَ محَمّد
(*) أخبرنا الحارث قال: حدّثني غير واحد من أصحابنا، منهم محمّد بن المثنّى البزّاز وغيره قالوا: أخبرنا محمّد بن بشر بن محمّد الواسطي، ويكنى أبا أحمد السكري، أخبرنا عبد الملك بن وهب المذحجي عن الحُرّ بن الصيّاح عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله، - ﷺ -، لما هاجر من مكّة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن أُريقط الليثي، فمروا بخَيْمَتَى
_________________
(١) لدى ابن الأثير في النهاية (خرت) وفي حديث الهجرة "فاستأجرا رجلا من بني الدِّيل هاديا خِرِّيتا" الخريت: الماهر الذي يهتدى لأخرات المفازة وهي طرقها الخفية ومضايقها.
(٢) في ل "ىرىحر" كذا دون وضع أي نقط. والمثبت من م، ولفظ البخاري ج ٥ ص ٧٦ "وانطلق بهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق الساحل" ومما يعضد رواية م كذلك ما ورد لدى البيهقي في دلائل النبوة ج ٢ ص ٢٠٨ "فارتحلا وانطلق عامر بن فهيرة والدليل الدؤلي فأخذ بهما يَدَبَحْرِ وهو طريق الساحل" وكذلك ما ورد لدى ابن الأثير في النهاية (يد) وفي حديث الهجرة "فأخذ بهم يَدَ البَحْر" أي طريق الساحل. (*) من هذه العلامة إلى مثلها في ص ١٩٨ أورده النويري ج ١٦ ص ٣٣٦ - ٣٣٧، والصالحي ج ٣ ص ٣٤٦ فما بعدها.
[ ١ / ١٩٦ ]
أم معبد الخزاعيّة، وكانت امرأة جَلْدَةً، بَرْزَة، تحتبي وتقعد بفناء الخيمة، ثمّ تسقى وتُطْعِم، فسألوها تمرًا أو لحمًا يشترون، فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وإذا القوم مُرْمِلُون مُسْنِتُون (^١)، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوَزَكُم القِرَى، فنظر رسول الله، - ﷺ -، إِلى شاةٍ في كِسْر الخيمة فقال: مَا هَذِهِ الشّاةُ يَا أمّ مَعْبَد؟ قالت: هذه شاة خلَفها الجَهْد عن الغنم، فقال: هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتَأذَنِينَ لي أنْ أحْلُبَهَا؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمّي، إن رأيت بها حَلَبًا! فدعا رسول الله، - ﷺ -، بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال: اللّهم بَارِكْ لَهَا في شَاتِهَا! قال: فَتَفَاجَّت (^٢) ودَرّتْ واجترّتْ، فدعا بإناء لها يُرْبِض الرهط فحلب فيه ثجًّا حتى غلبه الثُّمَالُ فسقاها فشربت حتى رَوِيت وسقى أصحابه حتى رووا وشرب، - ﷺ -، آخِرَهم وقال: سَاقى القَوْمِ آخِرُهُمْ، فشربوا جميعًا عَللًا بعد نَهَلٍ حتى أراضوا، ثمّ حلب فيه ثانيًا عَودًا على بَدء فغادَره عندها ثمّ ارتحلوا عنها، فقلّ ما لبثت أن جاء زوجها أبو مَعبد يسوق أعنزًا حُيّلًا عجافًا هَزْلَى ما تَساوَقُ، مُخّهن قليل لا نِقْى بهنّ، فلمّا رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: لا والله إلّا أنّه مَرّ بنا رجلٌ مبارَك كان من حديثه كَيْتَ وكَيْتَ، قال: والله إني لأراه صاحب قريش الذي يُطلب، صِفيه لي يا أمّ معبد، قالت: رأيتُ رجلًا ظاهر الوَضَاءة، متبلج الوجه، حسن الخُلق، لم تعبه ثُجْلَة (^٣) ولم تُزْرِ به صَعْلَة (^٤)، وسيم قسيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَفٌ (^٥)، وفي صوته صَحَل (^٦)، أحور أكحل أزَجّ
_________________
(١) مرملون: نفد زادهم، ومسنتون: مجدبون.
(٢) لدى ابن الأثير في النهاية (فجج) التَّفَاجُّ: المبالغة في تفريج ما بين الرجلين، ومنه حديث أم معبد "فتفاجت عليه ودَرَّت واجْتَرَّت".
(٣) لدى ابن الأثير في النهاية (ثجل) في حديث أم معبد "ولم تزر به ثجلة" أي ضِخَمُ بطن.
(٤) لدى ابن الأثير في النهاية (صعل) في حديث أم معبد "لم تُزر به صَعلة" هى صِغر الرأس.
(٥) لدى ابن الأثير النهاية (وطف) في حديق أم معبد "وفي أشفاره وَطَف" أي في شعر أجفانه طول.
(٦) في النهاية (صحل) في صفته - ﷺ - "وفي صوته صَحَل" وهو بالتحريك كالبُحَّة، وألا يكون حاد الصوت.
[ ١ / ١٩٧ ]
أقْرَن، شديد سواد الشعر، في عُنقه سَطَع (^١)، وفي لحيته كَثَافة، إذا صَمَت فعليه الوقار، وإذا تكلّم سَما وعَلاه البَهاء وكأن مَنطقه خرزات نَظْم يَتَحَدَّرْن، حُلو المنطق، فَصْل، لا نَزْر ولا هَذر، أجهرَ النّاس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، رَبْعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قِصَر، غُصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة مَنظرًا، وأحسنهم قَدْرًا، له رُفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تَبَادروا إلى أمره، مَحفود مَحشود، لا عابس ولا مُفَنّد (^٢): قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر، ولو كنت وافقته يا أمّ معبد لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا، وأصبح صوت بمكّة عاليًا بين السماء والأرض يسمعونه ولا يَرون من يقول، وهو يقول:
جزى الله ربُّ النّاس خير جزائه … رفيقين حلّا خيمتَيْ أمّ مَعْبَدِ
هما نزلا بالبِرّ وارتحلا به … فأفلح مَن أمسى رفيق محمّد
فيالَ قُصَيّ ما زوى اللهُ عنكمُ … به من فَعالٍ لا يُجازَى وسُودَدِ
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنّكمُ إن تسألوا الشاة تشهدِ
دعاها بشاة حائل فَتَحَلّبَتْ … له بصريحٍ ضَرّةُ الشّاةِ مُزْبِدِ
فغادره رهنًا لديها لحالب … تدرّ بها في مصدر ثمّ مَوْردِ (*)
وأصبح القوم قد فقدوا نبيهم، وأخذوا على خيمتى أم معبد حتى لحقوا النبيّ، - ﷺ -، قال: فأجابه حسَّان بن ثابت فقال:
لقد خَابَ قومٌ غابَ عنهم نبيّهم … وقُدّس من يسرى إليهم ويغتدى
تَرَحّلَ عن قومٍ فزالت عقولهم … وحلّ على قوم بنور مجدّدِ
وَهَلْ يستوي ضُلّال قوم تسكعوا (^٣) … عمًى وَهُدَاةٌ يَهْتدُونَ بِمُهْتَدِ؟
_________________
(١) لدى ابن الأثير في النهاية (سطع) في حديث أم معبد "في عنقه سَطَع" أي ارتفاع وطول.
(٢) لدى ابن الأثير في النهاية (فند) ومنه حديث أم معبد "لا عابس ولا مُفَنَّد" هو الذي لا فائدة في كلامه لِكِبَرٍ أصابه.
(٣) كذا في م. وفي ل "تسلّعوا" وعلق عليه الأستاذ محمود شاكر بقوله "ما في المطبوعة محض خطأ، والصواب ما في المخطوطة وهو في كتب اللغة "سكع" شاهدًا قلت: ولدى ابن الأثير في النهاية (سكع) في حديث أم معبد "وهل يستوي ضلال قوم قد تسكعوا". وعلى هذا فكلمة =
[ ١ / ١٩٨ ]
نبيّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ … وَيتْلُو كِتَابَ اللَّهُ فِي كُلّ مَشْهَدِ
فَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ … فَتصْدِيقُها فِي ضَحْوَةِ الْيَوْمِ أَوْ غَدِ
لِتَهْنَ أبا بكر سَعَادَةُ جَدّهِ … بِصُحْبَتِه، مَن يُسعِدِ اللهُ يَسعدِ
ويَهْنِ بني كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتهم … ومقعدُها للمسلمين بِمَرْصَدِ (^١)
قال عبد الملك: فبلغنا أن أم معبد هاجرت إلى النبيّ، - ﷺ -، وأسلمت، وكان خروج رسول الله، - ﷺ -، من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأوّل فقال يوم الثلاثاء بقُديد (^٢)، فلمّا راحوا منها عرض لهم سُراقة بن مالك بن جُعشم وهو على فرس له، فدعا عليه رسول الله، - ﷺ -، فرسخت قوائم فرسه، فقال: يا محمّد ادعُ الله أن يطلق فرسي وأرجع عنك وأردّ من ورائي، ففعل، فأطلق ورجع فوجد النّاس يلتمسون رسول الله، - ﷺ -، فقال: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ههنا وقد عرفتم بصرى بالأثر، فرجعوا عنه.
أخبرنا عثمان بن عمر عن ابن عون عن عُمير بن إسحاق قال: خرج رسول الله - ﷺ -، ومعه أبو بكر فعرض لهما سراقة بن جُعْشُم فساخت فرسه، فقال: يا هَذان ادعُوَا ليَ الله ولكما ألّا أعود، فدعوَا الله فعاد فساخت فقال: ادعوَا ليَ الله ولكما ألّا أعود، قال: وعرض عليهما الزاد والحُملان فقالا: اكفِنا نفسَك، فقال: قد كفيتكماها.
ثمّ رجع الحديث إلى الأول، قال: وسَلَك رسول الله، - ﷺ -، في الخرّار ثمّ جاز ثنيّة المَرَةِ (^٣) ثمّ سَلَكَ لَقْفًا (^٤) ثمّ أجاز مَدْلَجَةَ لَقْفٍ ثمّ استبطن مدلجَة مِجاج ثمّ سلك مَرْجَحَ مِجاج ثمّ بَطْن مرجح ثمّ بَطْن ذي كَشْر (^٥) ثمّ على
_________________
(١) = "تسلعوا" الواردة في سائر الطبعات، تحريف.
(٢) ديوان حسان ص ٣٧٦ والبيت الثالث هنا روايته هناك "وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا".
(٣) قديد: قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه.
(٤) ثنية المرة: قرب ماء يدعى الأحياء من رابغ، وهي من نواحي مكة.
(٥) لقف: هو الواقع بطريق الهجرة ولا يزال معروفًا، والمواضع التي ورد ذكرها بقربه لا تزال معروفة. وهو ماءُ آبار كثيرة. عذب ليس عليها مزارع ولا نخل فيها، لغلظ موضعها وخشونته.
(٦) في الأصول "ذات كشد" وهو تحريف. راجع ياقوت وانظره على الصواب لدى ابن هشام في السيرة ج ٢ ص ٤٩١.
[ ١ / ١٩٩ ]
الجداجد (^١) ثمّ على الأذاخر ثمّ بطن ريغ فصلّى به المغرب ثمّ ذا سَلَمٍ ثمّ أعدا مدلجة ثمّ العُثانية ثمّ جاز بطن القاحة (^٢) ثمّ هبط العرَج ثمّ سلك في الخذوَات (^٣) ثمّ في الغابر (^٤) عن يمين رَكُوبَة ثمّ هبط بطن العقيق حتى انتهى إلى الجَثْجَاثَة (^٥) فقال: مَنْ يَدُلّنَا عَلى الطّرِيقِ إلى بَني عَمْرِو بنِ عَوْفٍ فلا يقرب المدينة؟ فسلك على طريق الظبى حتى خرج على العُصْبة.
وكان المهاجرون قد استبطأوا رسول الله، - ﷺ -، في القدوم عليهم، فكانوا يغدون مع الأنصار إلى ظهر حرّة العصبة فيتحيّنون قدومه في أوّل النهار، فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم. فلمّا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله - ﷺ -، وهو يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل ويقال لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، جلسوا كما كانوا يجلسون، فلمّا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى بيوتهم، فإذا رجل من اليهود يصيح على أطم بأعلى صوته: يا بني قَيْلة هذا صاحبكم قد جاء. فخرجوا، فإذا رسول الله، - ﷺ -، وأصحابه الثلاثة، فسُمِعَتِ الرّجّة في بني عمرو بن عوف والتكبير، وتلبّس المسلمون السلاح، فلمّا انتهى رسول الله - ﷺ -، إلى قُباء جلس رسول الله، - ﷺ - وقام أبو بكر يُذَكّر الناس، وجاء المسلمون يسلّمون على رسول الله، - ﷺ -، ونزل رسول الله، - ﷺ -، على كلثوم بن الهِدْم، وهو الثبت عندنا، ولكنه كان يتحدّث مع أصحابه في منزل سعد بن خيثمة، وكان يسمّى منزل العُزّاب، فلذلك قيل نزل على سعد بن خيثمة (^٦).
_________________
(١) في جميع النسخ "الحدائد" والمثبت من ابن هشام ج ٢ ص ٤٩١، والنويري ج ١٦ ص ٣٣٨، والجداجد: جمع جدجد بضم الجيمين - وهي البئر القديمة (ياقوت).
(٢) القاحة: كذا في ل، م. أما لدى ابن هشام ج ٢ ص ٤٩١ فورد "الفاجة" وأتبعها بقوله (ويقال القاحة) وكذا النويري ج ١٦ ص ٣٣٩ نقلًا عن ابن إسحاق. ولدى الفيروزابادي في المغانم المطابة في معالم طابة ص ٣٢٢ "القاحة: بفتح الحاء المهملة بعدها هاء بمعنى الباحة، وهي اسم مدينة على ثلاث مراحل من المدينة قبل السقيا بنحو ميل. وروى بالفاء والجيم.
(٣) الخذوات: ل "الجدوات" تحريف صوابه من م.
(٤) كذا في ل، م. ولدى ابن هشام ج ٢ ص ٤٩٢ "فسلك بهما ثنية العائر، عن يمين رَكُوبَة - ويقال ثنية الغائر. فيما قال ابن هشام. أما النويري ج ١٦ ص ٣٣٩ نقلًا عن ابن إسحاق "فسلك ثنية العائر عن يمين رَكوبة - ويقال الغابر".
(٥) الجثجاثة: قرية على ستة عشر ميلًا من المدينة.
(٦) الصالحي: سبل الهدى ج ٣ ص ٣٧٧.
[ ١ / ٢٠٠ ]
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا بكر الصديق كان رديف النبيّ، - ﷺ -، بين مكّة والمدينة، وكان أبو بكر يختلف إلى الشأم فكان يُعْرَف، وكان النبيّ، - ﷺ - لا يُعْرَف، فكانوا يقولون: يا أبا بكر مَن هذا الغلام بين يديك؟ فقال: هذا يهديني السبيل، فلمّا دنَوَا من المدينة نزلا الحرّة، وبعث إلى الأنصار فجاءوا فقالوا: قُومَا آمنين مطمئنين، قال: فشهدته يوم دخل المدينة علينا، فما رأيتُ يومًا قطّ كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت قطّ يومًا كان أقبح ولا أظلم من يوم مات.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة قال: ركب رسول الله، - ﷺ -، وراء أبي بكر ناقته، قال: فكلّما لقيه إنسان قال: من أنت؟ قال: بَاغٍ أبغي، فقال: من هذا وراءك؟ قال: هادٍ، يهديني.
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، أخبرنا ثابت البُنَاني عن أنس بن مالك قال: لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله، - ﷺ -، المدينة أضاء منها كلّ شيء.
أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: أخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: جاء النبيّ، - ﷺ -، يعني إلى المدينة، في الهجرة فما رأيتُ أشدّ فرحًا منهم بشيء من النبيّ، - ﷺ -، حتى سمعتُ النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء قد جاء!
أخبرنا يحيَى بن عبّاد وعفّان بن مسلم قالا: أخبرنا شعبة قال: أنبأنا أبو إسحاق قال: سمعتُ البراء يقول: أوّل من قدم علينا من أصحاب رسول الله، - ﷺ -، مُصْعَب بن عُمَير وابن أمّ مكتوم فجعلا يُقرئان الناس القرآن، قال: ثمّ جاء عمّار وبلال وسعد، قال: ثمّ جاء عمر بن الخطّاب في عشرين، قال: ثمّ جاء رسول الله، - ﷺ -، قال: فما رأيتُ الناس فرحوا بشيء قطُّ فَرَحهم به حتى رأيت الولائد والصبيانَ يقولون: هذا رسول الله قد جاء! فما قدم حتى قرأتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى: ١]: وسُوَرًا من المُفَصَّل.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال: أخبرنا عوف عن (^١) زُرارة بن
_________________
(١) عن: تحرفت في طبعتي إحسان وعطا إلى "بن".
[ ١ / ٢٠١ ]
أوْفى قال: قال عبد الله بن سلام: لمّا قدم رسول الله، - ﷺ -، المدينة انجفل النّاس إليه، وقيل: قدم رسول الله، - ﷺ -، قال: فجئتُ في النّاس لأنظر إليه، قال: فلمّا رأيتُ وجهَ رسول الله، - ﷺ -، إذا وجهه ليس بوجه كذّاب، قال: فكان أوّل شيء سمعته يتكلّم به أن قال: يَا أيّهَا النّاس أفْشُوا السّلام وَأطْعِمُوا الطّعَامَ وَصِلُوا الأرْحَامَ وَصَلّوا وَالنّاسُ نيَامٌ وَادْخُلُوا الجَنَّةَ بسَلام.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا عبد الوارث، أخبرنا أبو التّيّاح عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله، - ﷺ -، فنزل في عُلْوِ المدينة في حيّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملإ من بني النجّار فجاءوه متقلّدين سيوفهم، قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله، - ﷺ -، وأبو بكر ردفه، وملأُ بني النجّار حوله حتى أُلقى بفناء أبي أيّوب.
أخبرنا أبو مَعمر المِنْقَرى، أخبرنا عبد الوارث، أخبرنا عبد العزيز بن صُهيب عن أنس بن مالك قال: أقبل نبيّ الله، - ﷺ -، إلى المدينة وهو مُرْدِفٌ أبا بكر، قال: وأبو بكر شيخ يُعرف ونبيّ الله، - ﷺ -، شابّ لا يُعْرَف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسِبُ الحاسِبُ أنَّما يهديه الطريق، وإنّما يعني سبيل الخير، قال: والتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبيّ الله هذا فارسٌ قد لَحِقَ بنا، قال: فالتفت نبيّ الله، - ﷺ -، فقال: اللّهم اصْرَعْهُ، قال: فصرعته فَرَسه ثمّ قامت تُحَمْحِم، قال فقال: يا نبي الله مُرْني بما شئت، قال فقال: قِفْ مَكَانَكَ فَلا تَتْرُكَنّ أحَدًا يَلْحَقُ بِنَا، قال: فكان أوّل النهار جاهدًا على رسول الله، - ﷺ -، وكان آخر النهار مَسلحةً له، قال: فنزل نبيّ الله، - ﷺ -، جانب الحرة وبعث إلى الأنصار، فجاءوا نبيّ الله، - ﷺ -، فسلّموا عليهما وقالوا: اركبا آمنَين! مُطَاعَيْنِ، قال: فركب نبيّ الله، - ﷺ -، وأبو بكر وحفّوا حولهما بالسلاح، قال: فقيل في المدينة جاء نبيّ الله! جاء نبيّ الله! فاستشرفوا نبيّ الله ينظرون ويقولون: جاء نبيّ الله، - ﷺ -! قال: فأقبل يسيرُ حتى نزل إلى جنب دار أبي أيّوب، قال: فإنّه ليُحدّث أهلَه إذ سمع به عبد الله بن سَلَام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع التي يخترف فيها، فجاء وهي معه فسمع من نبيّ الله، - ﷺ -، ثمّ
[ ١ / ٢٠٢ ]
رجع إلى أهله، فقال نبيّ الله، - ﷺ -: أيّ بُيُوتِ أهْلِنَا أقْرَبُ؟ قال فقال أبو أيّوب: يا نبيّ الله هذه داري وهذا بابي، قال فقال: اذْهَبْ فَهَيّئْ لَنَا مَقِيلًا، قال: فذهب فهيّأ لهما مَقِيلًا ثمّ جاء فقال: يا نبيّ الله قد هيأتُ لكما مقيلًا، قوما على بركة الله فقيلا.
قال: ثمّ رجع الحديث إلى الأوّل، قالوا: أقام رسول الله، - ﷺ -، ببني عمرو بن عوف يوم الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وخرج يوم الجمعة فجمّع في بني سالم، ويقال: أقام ببني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة، فلمّا كان يوم الجمعة ارتفاعَ النهار دعا راحلته وحشد المسلمون وتلبّسوا بالسلاح وركب رسول الله، - ﷺ -، ناقته القصواء والنّاس معه عن يمينه وشماله فاعترضته الأنصار لا يمرّ بدار من دورهم إلّا قالوا: هلمّ يا نبيّ الله إلى القوّة والمَنَعَة والثروة، فيقول لهم خيرًا ويدعو لهم ويقول: إنّهَا مَأمُورَةٌ فَخَلّوا سَبِيلَهَا، فلمّا أتى مسجد بني سالم جَمَّعَ بمن كان معه من المسلمين وهم مائة.
أخبرنا يحيَى بن محمّد الجاري قال: حدّثني مُجَمِّع بن يعقوب أنّه سمع شُرَحْبِيل بن سعد يقول: لما أراد رسول الله، - ﷺ -، أن ينتقل من قُباء اعترضت له بنو سالم فقالوا: يا رسول الله، وأخذوا بخطام راحلته، هلمّ إلى العَدد والعُدّة والسلاح والمنعة، فقال: خَلّوا سبيلها فإنّهَا مَأمُورَةٌ، ثمّ اعترضت له بنو الحارث بن الخزرج فقالوا له مثل ذلك فقال لهم مثل ذلك، ثمّ اعترضت له بنو عديّ فقالوا له مثل ذلك فقال لهم مثل ذلك، حتى بركت حيثُ أمرها الله.
قال: ثمّ رجع الحديث إلى الأوّل، قال، ثمّ ركب رسول الله، - ﷺ -، ناقته وأخذ عن يمين الطريق حتى جاء بَلْحُبْلَى ثمّ مضى حتى انتهى إلى المسجد فبركت عند مسجد رسول الله، - ﷺ -، فجعل النّاس يكلّمون رسول الله، - ﷺ -، في النزول عليهم، وجاء أبو أيّوب خالد بن زيد بن كليب فحطّ رحله فأدخله منزله، فجعل رسول الله، - ﷺ -، يقول: المَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ! وجاء أسعد بن زُرارة فأخذ بزمام راحلة رسول الله، - ﷺ -، فكانت عنده، وهذا الثبت. قال زيد بن ثابت: فأوّل هديّة دخلت على رسول الله، - ﷺ -، في منزل أبي أيّوب هدية دخلتُ بها إناء قصعة مثرودة فيها خبز وسمن ولبن فقلت: أرسلتْ بهذه القصعة أمّي، فقال:
[ ١ / ٢٠٣ ]
بارك الله فيك! ودعا أصحابه فأكلوا، فلم أرِم (^١) الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عُبادة ثريد وعُراق (^٢)، وما كان من ليلة إلّا وعلى باب رسول الله، - ﷺ -، الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون ذلك، حتى تحوّل رسول الله، - ﷺ -، من منزل أبي أيّوب وكان مقامه فيه سبعة أشهر (^٣).
وبعث رسول الله، - ﷺ -، من منزل أبي أيّوب زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكّة فقدِما عليه بفاطمة وأمّ كلثوم ابنتي رسول الله - ﷺ -، وسَوْدة بنت زمعة زوجته وأُسامة بن زيد، وكانت رُقَيّة بنت رسول الله، - ﷺ -، قد هاجر بها زوجها عثمان بن عفّان قبل ذلك، وحبس أبو العاص بن الربيع امرأته زينب بنت رسول الله، - ﷺ -، وحمل زيد بن حارثة امرأته أمّ أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر فيهم عائشة فقدموا المدينة فأنزلهم في بيت حارثة بن النعمان (^٤).
* * *