أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: كان المطلب بن عبد مناف بن قُصىّ أكبر من هاشم ومن عبد شمس، وهو الذى عقد الحلف لقريْش من النّجاشىّ فى متجرها، وكان شريفًا فى قومه مطاعًا سيدًا، وكانت قريش تسمّيه الفَيْضَ لسماحته، فولى بعْد هاشم السّقاية والرّفادة؛ وقال فى ذلك:
أبْلِغْ لَدَيْكَ بَنى هَاشِمٍ … بما قدْ فَعَلْنا ولم نُؤمَرِ
أقَمْنَا لِنَسْقى حَجِيجَ الحَرَا … م إذْ تُرِكَ المجدُ لمْ يُؤثَرِ
نَسُوقُ الحَجيجَ لأبْيَاتنَا … كَأنّهُمُ بَقَرٌ تُحْشَر
_________________
(١) ل "صادق الناس". والمثبت رواية م.
[ ١ / ٦٢ ]
قال: وقدم ثابت بن المنذر بن حَرام، وهو أبو حسّان بن ثابت الشاعر، مكّة معتمرًا فلقى المطّلب وكان له خليلًا، فقال له: لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت جمالًا وهيبة وشرفًا، لقد نظرت إليه وهو يناضل (^١) فتْيانًا من أخواله فيُدخل مِرْماتَيه (^٢) جميعًا فى مثل راحتى هذه ويقول كلما خَسَقَ (^٣): أنا ابن عَمْرِو العُلَى! فقال المُطّلب: لا أُمسى حتى أخرج إليه فأقدم به، فقال ثابت: ما أرى سلمَى تدفعه إليك ولا أخواله، هم أضَنّ به من ذلك وما عليك أن تَدَعَه فيكون فى أخواله حتى يكون هو الذى يقدِم عليك إلى ما ههنا راغبًا فيك، فقال المطّلب: يا أبَا أوس ما كنْتُ لأَدعه هناك ويترك مآثر قومه وَسِطَتَه ونسبه وشرفه فى قومه ما قد علمت، فخرج المطّلب فورد المدينة فنزل فى ناحية وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمى فى فتيانٍ من أخواله، فلمّا رآه عرف شبْه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمّه إليْه وكساه حُلّة يمانيّة وأنشأ يقول:
عَرَفْتُ شَيْبَةَ والنّجّارُ قدْ حَفَلَتْ أبناؤها حوله بالنّبْل تَنْتَضِلُ
عرفْتُ أجْلاده منّا وشيمتَهُ … ففاضَ منّى عليه وابلٌ سَبَلُ
فأرسلت سلمى إلى المُطّلب فدعتْه إلى النّزول عليها، فقال: شأنى أخفّ من ذلك، ما أريد أن أحُلّ عقدة حتى أقبض ابن أخى وألحِقه ببلده وقومه، فقالت: لسْتُ بِمُرْسِلَتِه معك، وغَلَّظت عليه، فقال المطّلب: لا تفعلى فإنى غير منصرف حتى أخرج به معى، ابن أخى قد بلغ وهو غريب فى غير قومه ونحن أهلُ بيتٍ شرفُ قومِنا، والمقام ببلده خير له من المقام ههنا وهو ابنكِ حيث كان، فلمّا رأت أنّه غير مُقَصّر حتى يخرج به استنظرته ثلاثة أيّام، وتحوّل إليهم فنزل عندهم فأقام ثلاثًا ثمّ احتمله وانطلقا جميعًا (^٤)، فأنشأ المطّلب يقول كما أنشدنى هشام بن محمد عن أبيه:
_________________
(١) يناضل فتيانا: يباريهم فى الرمى.
(٢) المرماتان: سهمان يرمى بهما الرامى فيحرز سبقه.
(٣) خسق السهم: أصاب الغرض.
(٤) الخبر بطوله لدى النويرى ج ١٦ ص ٤١ - ٤٢ نقلا عن ابن سعد.
[ ١ / ٦٣ ]
أبْلِغْ بنى النّجّارِ إنْ جِئْتَهُم … أنّيَ مِنْهُمْ وابْنُهُمْ وَالخميسْ
رَأيْتُهُمْ قَوْمًا إذا جِئْتُهُمْ … هَوُوا لِقائى وَأحَبّوا حَسِيسْ (^١)
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر، قال: ودخل به المطَّلب مكّة ظُهْرًا، فقالت قريْش: هذا عبد المطّلب، فقال: ويحكم! إنّما هو ابن أخى شيبة ابن عمرو، فلمّا رأوه قالوا: ابنه لعمرى! فلم يزل عبد المطّلب مقيمًا بمكّة حتى أدرك، وخرج المطّلب بن عبد منَاف تاجرًا إلى أرض اليمن فهلك برَدْمَانَ من أرض اليمن، فولى عبد المطّلب بن هاشم بعده الرفادة والسّقاية، فلم يزل ذلك بيده يطعم الحاجّ ويسقيهم فى حياض من أدَم بمكّة، فلمّا سُقى زمزم ترك السقْى فى الحياض بمكّة وسقاهم من زمزم حين حفرها، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم (^٢).
وكانت زمزم سُقْيا من الله، أُتى فى المنَام مَرّات فأُمر بحفرها ووُصف له موضعها فقيل له: احفر طِيبَة، قال: وما طيبة؟ فلمّا كان الغد أتاه فقال: احفر بَرّة (^٣)، قال: وما بَرَّة؟ فلمّا كان الغد أتاه وهو نائم فى مَضْجَعه ذلك فقال: احفر المَضْنُونَة، قال: وما المضنونَة؟ أبِنْ لى ما تقول، قال: فلمّا كان الغد أتاه فقال: احفر زمزم، قال: وما زمزم؟ قال: لَا تُنْزَف (^٤) ولا تُذَمّ، تَسْقى الحَجِيجَ الأعْظَم، وهى بين الفَرْث والدم عِند نُقْرَةِ الغراب الأعْصم؛ قال: وكان غراب أعْصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم؛ وهى شرب لك ولولدك من بعدك (^٥).
_________________
(١) رواية ل، م "حسيسى" وقافية الأبيات فى الطبرى هى "يس" دون مجرى للسين والقافية مقيدة، ولكننا نجد البيت فى جميع النسخ فيه لحرف الروى مجرى وهو الياء، أى "حسيسى" مع وضوح الياء فى النهاية، فالقافية مطلقة، وبهذا نجد ضربا شاذا للبحر السريع. وهذا والمثبت هنا رواية الطبرى ج ٢ ص ٢٤٩.
(٢) الخبر لدى النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٤٢ - ٤٣.
(٣) لدى ياقوت: برة: اسم الموضع الذى قتل فيه قابيل أخاه هابيل، وهو من أسماء بئر زمزم.
(٤) كذا لدى ابن هشام فى السيرة ج ١ ص ١٤٣ ومثله لدى النويرى ج ١٦ ص ٤٣، وابن الأثير فى النهاية (نزف)، وفسره بقوله: "أى لا يفنى ماؤها على كثرة الاستقاء". ورواية، م، ل: "لا تُنْزَح".
(٥) ابن هشام: السيرة ج ١ ص ١٤٣.
[ ١ / ٦٤ ]
قال: فغدا عبد المطّلب بِمِعْوَله وَمِسْحَاتِهِ معه ابنه الحارث بن عبد المطّلب، وليس له يومئذٍ ولد غيره، فجعل عبْد المُطّلب يحفر بالمعْول ويغرف بالمسحاة فى المِكْتَل فيحمله الحارث فيلقيه خارجًا، فحفر ثلاثة أيّام ثمّ بَدا لَه الطَّوِىّ (^١) فكبَّر وقال: هذا طوىّ إسماعيل، فعرفت قريش أنّه قد أدرك الماء فأتوه فقالوا: أَشْرِكْنا فيه، فقال ما أنا بفاعل، هذا أمْرٌ خُصِصْتُ به دونكم فاجْعلوا بيْنَنا وبيْنَكم مَن شِئْتُم أُحاكمْكم إليه، قالوا: كاهنة بنى سعد هُذيم، وكانت بمُعان من أشراف الشأم، فخرجوا إليها وخرج مع عبد المطّلب عشرون رجلًا من بنى عبد مَناف، وخرجت قريْش بعشرين رجلًا من قبائلها، فلمّا كانوا بالفَقير من طريق الشأم أو حَذْوه فَنِىَ ماء القَوم جميعًا فعطشوا فقالوا لعبد المطّلب: ما ترى؟ فقال: هو الموت، فليحفر كلّ رجل منكم حُفرة لنفسه فكُلّما ماتَ رجلٌ دفنه أصحابه حتى يكون آخرهم رجلًا واحدًا فيموت ضِيعَةً أيْسَرُ من أن تموتوا جميعًا، فحفروا ثمّ قعدوا ينتظرون الموت، فقال عبد المطّلب: والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا لَعَجْزٌ، ألا نضرب فى الأرض فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض هذه البلاد! فارتحلوا، وقام عبد المطّلب إلى راحلته فركبها، فلمّا انبعثت به انْفجر تحت خُفّها عينُ ماء عَذْب، فكبَّر عبد المطّلب وكبَّر أصحابه وشربوا جميعًا، ثمّ دعا القبائل من قريش فقال: هلمّوا إلى الماء الرّواء فقد سقانا الله، فَشَربوا واستقوا وقالوا: قد قُضى لك علينا، الذى سقاك هذا الماء بهذه الفَلاة هو الذى سقاك زمزم، فوالله لا نخاصمك فيها أبدًا! فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا بينه وبين زمزم (^٢).
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا معتمر بن سليمان التيمىّ قال: سمعتُ أبى يحدّث عن أبى مِجْلز: أن عبد المُطّلب أُتى فى المنام فقيل له: احتفِرْ، فقال: أين؟ فقِيل له: مكان كذا وكذا، فلم يحتفر، فأُتى فقيل له: احتفِرْ عند الفرث عند النمل عند مجلس خزاعة ونحوه، فاحتفر، فوجد غزالا وسلاحًا وأظفارًا، فقال قومه لمّا رأوا الغنيمة: كأنهم يريدون أن يغازوه (^٣)، قال: فعند ذلك نذر لئن
_________________
(١) الطوى: البئر المطوية بالحجارة.
(٢) ابن هشام: السيرة ج ١ ص ١٤٣ - ١٤٥.
(٣) كذا فى ل بالغين المعجمة. ورواية م "يعازوه" وتحت العين علامة الإهمال للتأكيد. وغازَّه: أسرع إليه ونَافَسَه. وعازَّه: غالَبَه.
[ ١ / ٦٥ ]
وُلد له عشرة لينحرنّ أحدهم، فلمّا ولد له عشرة وأراد ذبح عبد الله منعتْه بنو زُهرة وقالوا: أقرع بينه وبين كذا وكذا من الإبل، وإنّه أقرع فوقعت عليه سبع مرات وعلى الإبل مرة، قال: لا أدرى السبع عن أبى مجلز أم لا؟ ثمّ صار من أمره أن ترك ابْنه ونحر الإبل.
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر، قال: وكانت جُرْهُم حين أحَسّوا بالخروج من مكّة دفنوا غزالَين وسبعة أسياف قَلْعِيَّة وخمسة أدراع سوابغ فاستخرجها عبد المطّلب، وكان يَتَألَّهُ ويعظّم الظّلم والفجور، فضرب الغزالَين صفائح فى وجه الكعبة، وكانا من ذهب، وعلّق الأسياف على البابَين يُريد أن يُحْرز به خَزانة الكعبة، وجعل المِفْتاح والقفل من ذهب (^١).
وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: كان الغزال لجُرْهم، فلمّا حفر عبد المطّلب زمزم استخرج الغزال وسيوفًا قلعيّة فضرب عليها بالقداح فخرجت للكعبة فجعل صفائح الذهب على باب الكعبة، فغدا عليه ثلاثة نفر من قريْش فسرقوه.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه وعَنْ عبْد المجيد بن أبى عَبْس وأبى المقوّم وغيرهم قالوا: وكان عبد المطّلب أحسن قريْش وجهًا وأمدّه جسمًا وأحلمه حلمًا وأجوده كفًّا وأبعد النّاس من كلّ مُوبقة تُفسد الرجال، ولم يره ملك قطّ إلّا أكرمه وشفّعة، وكان سيّد قريش حتى هلك، فأتاه نفرٌ من خزاعة فقالوا: نحن قوم متجاورون فى الدار، هَلُمّ فلْنحالفك، فأجابهم إلى ذلك وأقبل عبد المطّلب فى سبعة نفر من بنى عبد المطّلب والأرقم بن نضلة بن هاشم والضحّاك وعمرو ابْنَىْ أبى صَيْفىّ بن هاشم، ولم يحضره أحد من بنى عبد شمس ولا نوفل، فدخلوا دار النّدوة فتحالفوا فيها على التّناصر والمواساة وكتبوا بينهم كتابًا وعلّقوه فى الكعبة؛ وقال عبدُ المطَّلب فى ذلك:
سَأُوصى زُبَيرًا إنْ تَوَافَتْ مَنيّتى … بإمْساكِ ما بينى وبين بنى عَمْرِو
وَأن يحفَظ الحلْفَ الذى سَنّ شيخُهُ … ولا يُلْحِدَنْ فيه بظلم وَلا غَدْرِ
_________________
(١) ابن هشام ج ١ ص ١٤٦، وانظر النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٤٧ - ٤٨.
[ ١ / ٦٦ ]
همُ حفِظوا الإلّ القديم وحالَفوا … أباك فكانوا دون قومِكَ من فِهْرِ
قال: فأوصى عبد المطّلب إلى ابنه الزّبير بن عبد المطّلب، وأوصى الزبير إلى أبى طالب، وأوصى أبو طالب إلى العبّاس بن عبد المطّلب.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب قال: حدّثنى محمدّ بن عبد الرحمن الأنْصارى عن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمَة الزهرىّ عن أبيه عن جدّه قال: كان عبد المطّلب إذا وَرَدَ اليمن نزل على عظيم من عُظماء حِمْيَر، فنزل عليه مرّة من المَرّ فوجد عنده رجلًا من أهل اليمن قد أُمهل له فى العمر، وقد قرأ الكتب، فقال له: يا عبد المطّلب! تأذن لى أن أفتّش مكانًا منك؟ قال: ليس كلّ مكان منى آذن لك فى تفتيشه، قال: إنّما هو مَنْخِرَاكَ، قال: فدونك، قال: فنظر إلى يار، وهو الشعر فى منخريه، فقال: أرى نُبوة وأرى مُلْكًا، وأرى أحدهما فى بَنى زُهرة، فرجع عبد المطّلب فتزوّج هالة بنت وهيب بن عبد مَناف ابن زُهرة وزوّج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مَناف بن زُهرة فولدت محمّدًا، -ﷺ-، فجعل الله فى بنى عبد المطّلب النبوّة والخلافة، والله أعلم حيث وضع ذلك.
قال: أخبرنا هشام بن محمد قال: حدّثنى أبى، قال هشام: وأخبرنى رجل من أهل المدينة عن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْور بن مَخْرَمَة عن أبيه قال: كان أوّل مَن خَضَبَ بالوَسِمَة من قريش بمكة عبد المطلب (^١) بن هاشم، فكان إذا ورد اليمَن نزل على عظيم من عُظماءِ حِمْيَر فقال له: يا عبد المطّلب! هل لك أن تغيّر هذا البياض فتعود شابًّا؟ قال: ذاك إليك، قال: فأمر به فخُضِبَ بحنّاء، ثمّ عُلّى (^٢) بالوَسِمة، فقال له عبد المطّلب: زَوّدنا من هذا، فزوّده فأكثر، فدخل مكّة ليلًا ثمّ خرج عليهم بالغداة كأنّ شعره حَلَك الغراب، فقالت له نُتَيْلَة بنت جناب بن كُليب أم العبّاس بن عبد المطّلب: يا شيبة الحمد! لو دام هذا لك كان حسنًا، فقال عبد المطّلب:
_________________
(١) تحرفت فى طبعة إحسان إلى "عبد الملك".
(٢) فى أنساب الأشراف "ثم علاه".
[ ١ / ٦٧ ]
لوْ دام لى هذا السّوادُ حَمِدْتُهُ … فكان بَديلًا مِن شَباب قدِ انصَرَمْ
تَمَتّعْتُ مِنْهُ والحَيَاةُ قَصيرَةٌ … ولابدّ من موتٍ، نُتيْلَةُ، أوْ هَرَم
وماذا الذى يُجدى على المَرْء خَفْضُه … ونعْمتُه، يَوْمًا إذا عَرْشُهُ انهَدَم
فموتٌ جَهِيزٌ عاجلٌ لا شَوى لَهُ … أحبّ إلىّ مِن مقالِهِمُ حَكَمْ
قال: فَخَضَبَ أهلُ مكّة بالسواد (^١).
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال: أخبرنى رجل من بنى كنانة يقال له ابن أبى صالح ورجل من أهل الرقّة مولى لبنى أسد وكان عالمًا قال: تنافر عبد المطّلب بن هاشم وحرب بن أميّة إلى النّجاشىّ الحبشىّ فأبي أن ينفّر بينهما، فجعلا بينهما نُفَيل بن عبد العُزّى بن رِياح بن عبد الله بن قُرط بن رَزاح (^٢) بن عدى بن كعب، فقال لحرب: يا أبا عمرو أتنافر رجلًا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقلّ منك لامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل منك صَفَدًا، وأطول منك مِذْوَدًا؟ فنفّره عليه، فقال حرب: إن من انتكاث الزّمان أن جعلناك حكمًا (^٣).
قال: وأخبرنا هشام بن محمّد عن أبيه قال: كان عبد المطّلب نديمًا لحرب بن أميّة حتى تنافرا إلى نُفَيل بن عبد العزّى جدّ عمر بن الخطّاب، فلمّا نفّر نُفيل عبد المطّلب تفرّقا، فصار حرب نديمًا لعبد الله بن جُدْعان.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبى مسكين قال: كان لعبد المطّلب بن هشام ماء بالطائف يقال له ذو الهَرِم وكان فى يدى ثقيف دهرًا ثمّ طلبه عبد المطّلب منهم، فأبوا عليه، وكان صاحب أمر ثقيف جندب بن الحارث بن حُبيّب ابن الحارث بن مالك بن حُطيط بن جُشَم بن ثقيف، فأبى عليه وخاصمه فيه، فدعاهما ذلك إلى المنافرة إلى الكاهن العذرىّ، وكان يقال له عُزّى سَلَمَة، وكان بالشأم، فتنافرا على إبل سمّوها، فخرج عبد المطّلب فى نفر من قريش ومعه ابنه
_________________
(١) قارن بالبلاذرى ج ١ ص ٦٦.
(٢) بفتح الراء عن ابن ناصر الدين فى توضيح المشتبه ج ٤ ص ٩١.
(٣) قارن بالطبرى ج ٢ ص ٢٥٣ - ٢٥٤.
[ ١ / ٦٨ ]
الحارث، ولا ولد له يومئذ غيره، وخرج جُنْدب فى نفر من ثقيف، فَنَفَدَ ماء عبد المطّلب وأصحابه، فطلبوا إلى الثقفيّين أن يسقوهم، فأبوا، ففجّر الله لهم عينًا من تحت جِران بعير عبد المطّلب، فحمد الله، ﷿، وعلم أنّ ذلك منّة، فشربوا ريّهم وحملوا حاجتهم، ونفد ماء الثقفيّين فبعثوا إلى عبد المطّلب يستسقونه فسقاهم، وأتوا الكاهن فنفّر عبد المطّلب عليهم، فأخذ عبد المطّلب الإبل فنحرها، وأخذ ذا الهَرم ورجع وقد فَضَّله عليه وفَضَّل قومه على قومه (^١).
* * *