أخبرنا عفّان بن مُسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا علىّ بن زيد عن أبى زيد أنّ رسول الله، -ﷺ-، كان بالحَجون وهو مُكْتَئِبٌ حَزينٌ فقال: اللهمّ أرنى اليَوْمَ آيَةً لا أُبَالى مَنْ كَذّبَنى بَعْدَهَا مِنْ قَوْمى، فإذا شجرة من قبل عَقَبة المدينة، فناداها فجاءت تشقّ الأرض حتى انتهت إليه فسلّمت عليه، ثمّ أمرها فرجعت، فقال: مَا أُبَالى مَنْ كَذّبَنى بَعْدَهَا مِنْ قَوْمى (^٢).
أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا طلحة بن عمرو عن عطاء قال: بلغنى أن النبىّ، -ﷺ-، كان مسافرًا فذهب يريد أن يتبرّز أو يقضى حاجته، فلم يجد شيئًا يَتَوَارَى به من الناس، فرأى شجرتين بعيدتين، فقال لابن مسعود: اذْهَبْ فَقُمْ بَيْنَهُمَا فَقُلْ لَهُمَا إنّ رَسُولَ الله أرْسَلَنى إلَيْكُمَا أنْ تَجْتَمِعَا حتى يَقْضىَ حَاجَتَهُ وَرَاءَكُمَا، فذهَب ابن مسعود فقال لهما، فأقبلت إحداهما إلى الأخرى فقضى حاجته وراءهما (^٣).
_________________
(١) قارن بالنويرى ج ١٦ ص ٧٧.
(٢) أورده الذهبى فى تاريخ الإِسلام: السيرة النبوية ص ٣٤٣، والصالحى فى سبل الهدى ج ١٠ ص ١٢٦.
(٣) الصالحى: سبل الهدى ج ١٠ ص ١١٨.
[ ١ / ١٤٣ ]
حدّثنا وكيع، أخبرنا الأعْمش عن المِنْهال بن عمرو عن يَعْلَى بن مُرّة قال: كنتُ مع النبىّ، -ﷺ-، فى سَفَر فنزلنا منزلًا، فقال لى: ائْتِ تَيْنِكَ الأشَاءَتَيْنِ (^١) فَقُلْ لَهُمَا إنّ رَسُولَ الله، -ﷺ-، يأمُرُكُمَا أن تَجْتَمِعَا، فأتيتهما فقلت لهما ذلك، فوثَبت إحداهما إلى الأخرى فاجتمعتا، فخرج النبىّ، -ﷺ-، فاستَتَر فقضَى حاجته، ثمّ وثبَت كلّ واحدة منهما إلى مكانها (^٢).
أخبرنا إسماعيل بن أَبان الورَّاق، أخبرنَا عَنْبسة بن عبد الرحمن القُرشى عن محمّد بن زَاذَان عن أمّ سعد عن عائِشة قالت: قلت: يا رسول الله -ﷺ- تأتى الخَلَاء فلا يُرى منك شئ من الأذى! فقال: أوَمَا عَلِمْتِ يَا عَائِشَةُ أنّ الأرْضَ تَبْتَلِعُ ما يخَرجُ مِنَ الأنْبِيَاءِ فَلا يُرَىَ مِنْهُ شَئٌ؟.
أخبرنا مُسلم بن إبراهيم، أخبرنا الحارث بن عبيد، أخبرنا أبو عِمران عن أنَس ابن مالك قال: قال رسول الله، -ﷺ-: بَيْنَا أنَا قَاعِدٌ ذَاتَ يَوْمٍ إذْ دَخَلَ جِبْرِيلُ فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفَىّ فَقُمْتُ إلى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَى الطّيْرِ فَقَعَدَ فى وَاحِدَةٍ وَقَعَدْتُ فى أخْرَى فَسَمَتْ فارْتَفَعَتْ حَتّى سَدّتِ الخَافِقَين وَلَوْ شِئْتُ أنّ أمَسّ السّمَاءَ لَمَسَسْتُ وَأنَا أقَلّبُ طَرْفى فَالْتَفَتّ إلى جِبْرِيلَ فَإذا هُوَ كَأنّهُ حِلْسٌ لاطِئٌ فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللهِ وَفُتِحَ لى بابُ السّماءِ فَرَأيْتُ النّورَ الأعْظَمَ وَلَطّ دُونى الحجَابَ رَفْرَفُهُ الدّرُّ واليَاقُوتُ ثُمّ أوحَى اللهُ إلىّ مَا شَاءَ أنْ يُوحى (^٣).
أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا الحارث بن عُبيد الإيادى، أخبرنَا سعيد بن إياس أبو مسعود الجُرَيْرِى عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان النبىّ، -ﷺ-، يُحْرَسُ حتّى نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة: ٦٧]: قالت: فأخرَج رسول الله، -ﷺ-، رأسه من القُبّة لهم فقال: أيّها النّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنى اللهُ مِنَ النّاسِ.
_________________
(١) أى النخلتين الصغيرتين.
(٢) أورده الذهبى فى تاريخ الإِسلام: السيرة النبوية ص ٣٤٧، والصالحى فى سبل الهدى ج ١٠ ص ١١٨.
(٣) أورده صاحب الكنز برقم ٣٥٤٦٥ عن ابن سعد.
[ ١ / ١٤٤ ]
أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن النبىّ، -ﷺ-، قال: إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ تَنَامُ أعْيُنُنَا وَلا تَنَامُ قُلُوبُنَا.
أخبرنا هَوْذة بن خليفة بن عبد الله بن أبى بكرة، أخبرنا عوف عن الحسن عن النبىّ، -ﷺ-، قال: تَنَامُ عَيْناىَ وَلا يَنامُ قَلْبى.
أخبرنا الحجاج بن محمّد الأعور عن ليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله، -ﷺ-، فقال: رَأيْتُ فى المَنَام كَأنّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأسى وَمِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلىّ يَقُولُ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِه اضْربْ لَهُ مَثَلًا، فَقَالَ: اسْمعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ وَاعْقِلْ عَقَلَ قَلْبُكَ، إنّمَا مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمّتِكَ مَثَلُ مَلِكٍ اتّخَذَ دارًا ثُمّ بَنى فيهَا بَيْتًا ثُمّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً ثُمّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعَامِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أجَابَ الرّسُولَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَهُ، فَاللهُ هُوَ المَلِكُ وَالدّارُ هِىَ الإسلامُ وَالبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يَا مُحمّدُ الرّسُولُ مَنْ أجَابَكَ يا مُحَمّدُ دَخَلَ الإسلامَ وَمَنْ دَخَلَ الإسْلامَ دَخَلَ الجَنّةَ وَمَنْ دَخَلَ الجَنّةَ أكَلَ مَا فِيهَا (^١).
أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفى عن محمّد بن عمرو عن أبى سلمة قال: كان رسول الله، -ﷺ-، لا يأكل الصّدقة ويأكل الهدية، فأهْدتْ إليه يهوديّة شاةً مصليّة فأكل رسول الله، -ﷺ-، منها هو وأصحابه، فقالت: إنى مسمومة، فقال لأصحابه: ارْفَعُوا أيْديَكُمْ فإنّهَا قَدْ أخْبَرَتْ أنّهَا مَسْمومَةٌ، قال: فرفعوا أيديهم، قال: فمات بِشْر بن البرَاء، فأرسل إليها رسول الله، -ﷺ-، فقال: مَا حَمَلَكِ عَلى مَا صَنَعْتِ؟ قالت: أردتُ أن أعْلَمَ إن كنتَ نبيًّا لم يضررك، وإن كنتَ ملكًا أرَحْتُ النّاس منك، قال: فأمر بها فقتلت (^٢).
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا خالد بن عبد الله عن حُصَين عن سالم بن أبى الجَعْد قال: بعثَ رسول الله، -ﷺ-، رجلين فى بعض أمره فقالا: يا رسول الله ما معنا ما نتزوَّده، فقال: ابْتَغِيَا لى سِقَاءً، فَجَاءَاه بسِقاء، قال: فأمرنا فملأناه
_________________
(١) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٣٧٤.
(٢) النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٣٩٥.
[ ١ / ١٤٥ ]
ثمّ أوكأهُ وقال: اذْهَبَا حَتّى تَبْلُغَا مَكَانَ كَذَا وكَذَا فَإنّ الله سَيَرْزُقُكُمَا، قال: فَانْطَلَقا حَتّى أتيا ذلك المكان الذى أمرهما به رسول الله، -ﷺ-، فانحلّ سِقاؤهما فإذا لَبنٌ وزُبد غنم، فَأكَلا وشرِبا حتى شَبِعا.
أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النّضر الكنانى، أخبرنا عبد الحميد بن بهرام قال: حدّثَنى شَهْر، يعنى ابن حَوْشب، قال: وحَدّثَ أبو سعيد الحضرمى قال: بينما رجل من أسْلَم فى غُنَيْمَةٍ له يَهُشّ عليها فى بيداء ذى الحليفة إذ عَدَا عليه ذئب فانتزعَ شاةً من غنمه، فَجَهْجَأه (^١) الرجل ورماه بالحجارة حتى استنقذَ منه شاته، ثمّ إنّ الذئب أقبلَ حتى أقعَى مُسْتثفرًا (^٢) بذَنَبه مقابل الرجل فقال: أما اتّقيت الله أن تنزع منّى شاة رزقنيها الله؟ قال الرجل: تالله ما سمعت كاليوم قطّ قال الذئب: من أىّ شئ تَعجَب؟ قال: أعْجب من مخاطبة الذئْب إيّاى! قال الذّئب: قد تركْتَ أعْجَبَ مِن ذلك، هاذاك رسول الله، -ﷺ-، بين الحرّتين فى النَّخَلَاتِ يُحدّث النّاس بما خلا، ويُحدّثهم بما هو آتٍ، وأنت ههنا تتّبع غنمك! فلمّا أن سمع الرجل قول الذئب ساق غنمه يحوزها حتى أدخلها قباء قرية الأنصار فسأل عن رسول الله، -ﷺ-، فصادفه فى منزل أبى أيّوب فأخبره خبر الذئب، قال رسول الله، -ﷺ-: صَدَقْتَ، احْضَرِ العَشِيّة فَإذَا رَأيْتَ النّاسَ اجْتَمَعُوا فَأخْبِرْهُمْ ذَلِكَ، ففعل، فلمّا أن صلّى الصّلاة واجتمع الناس أخبرهم الأسلمى خبر الذئب، قال رسول الله، -ﷺ-: صَدَقَ صَدَقَ صَدَقَ، تِلْكَ الأعَاجِيبُ بَينَ يَدَىِ السّاعَةِ، قالها ثلاثًا، أمَا وَالّذى نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ ليُوشِكَنّ الرّجُلُ مِنْكُمْ أنْ يَغِيبَ عَنْ أهْلِهِ الرّوْحَةَ أوِ الغَدْوَةَ ثمّ يُخْبِرَهُ سَوْطُهُ أوْ عَصَاهُ أوْ نَعْلُهُ بِمَا أحْدَثَ أهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ (^٣).
أخبرنَا هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الحميد بن بَهرام قال: حدّثنى شَهْر، حدّثنى عبد الله بن عبّاس قال: بينما رسول الله، -ﷺ-، بفِناء بيته بمكّة جالسًا إذ مرّ به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله، -ﷺ-، فقال له رسول الله،
_________________
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (جهجه) فيه "إِنّ رجلا من أسْلَم عدَا عليه ذئب فانتزع شاة من غنمه فجهجأه الرجل" أى زبَره: أراد جهجهه، فأبدل الهاء همزة لكثرة الهاآت وقرب المخرج.
(٢) مستثفرا: جاعلا ذنبه بين رجليه.
(٣) الصالحى: سبل الهدى ج ١٠ ص ١٦٩.
[ ١ / ١٤٦ ]
-ﷺ-: ألا تَجْلِسُ؟ قال: بَلَى، فجلس رسول الله، -ﷺ-، مُستقْبله، فبينما هو يُحدّثه إذ شَخَص رسول الله، -ﷺ-، فنظر ساعة إلى السّماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه فى الأرض، فتحرّف رسول الله، -ﷺ-، عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ يُنغِض رأسه كأنّه يستفقه ما يُقال له، وابنُ مظعون ينظر، فلمّا قضَى حاجته واستفقَه ما يُقال له، وشخص بصر رسول الله، -ﷺ-، إلى السّماء كما شخص أول مرّة، فاتّبعه بصره حتى توارى فى السّماء، فأقبل على عثمان بِجِلْستِهِ الأولى، فقال عثمان: يا محمّد فيما كنتُ أُجالسك وآتيك ما رأيتك تفعل كفعلك الغَداةَ، قال: وَما رَأيْتَنى فَعَلْتُ؟ قال: رأيتُك تُشخص بصرك إلى السّماء ثمّ وضعته على يمينك فتحرّفت إليه وتركتنى. فأخذتَ تُنْغِض رأسَكَ كأنك تستفقه شيئًا يُقال لك، قال: أوَفَطِنْتَ لِذاكَ؟ قال عثمان: نعم، قال: فقال رسول الله، -ﷺ-: أتَانى رَسُولُ الله آنِفًا وَأنْتَ جَالسٌ، قلتُ: رسولُ الله؟ قال: نَعَمْ، قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ٩٠]: قال عثمان: فذلك حين استقرّ الإيمان فى قلبى وأحببتُ محمّدًا.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الحميد بن بَهرام، أخبرنا شَهْر قال: قال ابن عبّاس: حضَرَتْ عصابةٌ من اليهود، يعنى رسول الله، -ﷺ-، يومًا فقالوا: يا أبا القاسم حَدّثْنا عن خِلال نسألُك عنهُنّ لا يعلمهنّ إلّا نبىّ، قال: سَلُونى عَمّا شِئْتُمْ ولكِنِ اجْعَلُوا لى ذِمّة الله وَمَا أخَذَ يَعْقُوبُ عَلى بَنِيهِ لَئِنْ أنَا حَدّثْتُكُمْ شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوه لَتُتَابِعُنِّى على الإِسْلامِ، قالوا: فذلك لك: قال: فَسَلُونى عمّا شئتمْ، قالوا: أخبرْنَا عن أربع خِلالٍ نسألك عنهنّ، أخبرْنا أىّ الطّعام حرَّم إسرائيلُ على نفسه من قبل أن تُنَزّلَ التَّوراة، وأخبِرنا كيف ماء المرأة من ماء الرجل، وكيف يكون الذَّكر منه وكيف تكون الأنثى، وأخبرنا كيف هذا النبىّ الأمّى فى النوم ومَن وليّه من الملائكة، قال: فَعَلَيْكُمْ عَهْدُ الله لَئِنْ أنا أخْبَرْتُكُمْ لَتُتَابِعُنِّى، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، قال: فَأنْشُدُكُمْ بالّذى أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ إسْرَائيلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا وَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ فَنَذَرَ لله نَذْرًا لَئِنْ
[ ١ / ١٤٧ ]
شَفَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرّمَنّ أحَبّ الشّرَابِ إلَيْهِ وَأحَبّ الطّعَامِ إلَيْهِ، فَكانَ أحَبّ الطّعَام إلَيْهِ لُحْمَان الإبِلِ وَأحَبّ الشّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانُهَا؟ قالُوا: اللّهم نَعم، قال: اللهم اشْهَدْ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَأنْشُدُكُمْ بالله الذى لا إلهَ إلّا هُوَ الّذى أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسَى هَلْ تَعْلَمونَ أنّ مَاءَ الرّجُل أبْيَضُ غَليظٌ وَأنّ مَاءَ المرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ فَأيّهُمَا عَلا كَانَ لَه الوَلَدُ وَالشّبَهُ بإذْنِ الله، وَإنْ عَلا ماءُ الرّجُلِ عَلى مَاءِ المَرْأةِ كَانَ ذَكَرًا بإذْنِ الله، وإنْ عَلا مَاءُ المَرْأةِ عَلى مَاءِ الرّجُلِ كَانَ أُنْثى بإذْنِ الله؟ قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم اشْهَدْ عَلَيْهِمْ، قال: فَأنْشُدُكُمْ باللهِ الّذى أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ هَذَا النّبِىّ الأمّىّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ؟ قالوا: اللهم نَعم، قال: اللهم اشْهَدْ عَلَيْهِمْ، قالوا: أنْتَ الآن فحدّثْنا مَن وليّك مِن الملائكة فعندها نجامعُك أو نُفارقُك، قال: فَإنّ وَلِيّى جِبْرِيلُ وَلَمْ يُبْعَثْ نَبِىّ قطّ إلّا هُوَ وَلِيّهُ، قالوا: فعندها نُفارقك، لو كان وليّك سواه من الملائكة لتابعناك وصدّقناك، قال: فَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ أنْ تُصَدّقوهُ؟ قالوا: إنّه عدوّنا، فعند ذلك قال الله، جلّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [سورة البقرة: ٩٧]، إلى قوْلِه: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٠١] فعند ذلك باءوا بغضب على غضب (^١).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان، يعنى ابن المغيرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة قال: زار رسول الله، -ﷺ-، سعدًا فقال عنده، فلمّا أبردوا جاءوا بحمارٍ لهم أعرابىٍّ قطوفٍ قال: فَوَطَّئُوا لرسول الله، -ﷺ-، بقطيفةٍ عليه، فركب رسول الله، -ﷺ-، فأراد سعد أن يُردف ابنه خلف رسول الله، -ﷺ-، ليَرُدّ الحمار، فقال، رسول الله، -ﷺ-: إنْ كُنْتَ بَاعِثَهُ معى فَاحْمِلْهُ بَينَ يَدَىّ، قال: لا بل خلفك يا رسول الله، فقال رسول الله، -ﷺ-: أهْلُ الدّابّةِ هُمْ أوْلى بِصَدْرِهَا، قال سعد: لا أبعثه معك ولكن رُدّ الحمار، قال: فَرَدّهُ وَهُوَ هِمْلاجٌ (^٢) فَرِيغٌ (^٣) مَا يُسَايِرُ.
_________________
(١) أورده الذهبى فى تاريخ الإِسلام: السيرة النبوية ص ٣٦٩.
(٢) الهِمْلَاجُ من البراذين: المُهَمْلِجُ. والحسن السَّير فى سرعة وبَخترة.
(٣) فريغ -بالغين المعجمة- واسع المشى.
[ ١ / ١٤٨ ]
أخبرنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنى سليمان عن ثابت - يعنى البُنانى، قال: اجتمع المُنافقون فتكلّموا بينهم، فقال رسول الله، -ﷺ-: إنّ رِجالًا مِنْكُمُ اجْتَمَعُوا فَقَالُوا كَذَا وَقَالُوا كَذَا فَقُومُوا وَاسْتَغْفِرُوا الله وَأسْتَغْفِرُ لَكُمْ، فلم يقوموا فقال: مَا لَكُمْ؟ قُومُوا فاسْتَغْفِرُوا الله وَأسْتَغْفِرُ لكُمْ، ثلاث مَرّات فقال: لَتَقُومُنّ أوْ لأسمّيَنّكُمْ بِأسْمَائِكُمْ! فَقَالَ: قمْ يا فُلانُ، قال: فقاموا خزايا متقنعين.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك قال: إنّى لقائم عند المنبر يوم الجمعة ورسول الله -ﷺ-، يخطب، إذ قال بعضُ أهل المسجد: يا رسول الله حُبس المطر وهلكت المواشى فادعُ الله أن يسقينا، فرفع رسول الله، -ﷺ-، يديه، وما نرى فى السماء من سحاب، فألّف الله بين السحاب، فَوَبَلَتْنَا حَتّى رأيتُ الرجل الشديد تُهمّه نفسه أن يأتى أهله، قال: فمُطِرنا سبعًا لا تُقْلع حتى الجمعة الثانية ورسول الله، -ﷺ-، يخطب، فقال بعض القوم: يا رسول الله! تهدّمتِ البيوت وحُبس السُفّار فادعُ الله أن يرفعها عنّا، فرفع رسول الله، -ﷺ-، يديه فقال: اللهم حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا! قال: فتقوّر ما فوق رءوسنا منها حتى كأنّا فى إكليل يُمطَر ما حولنا ولا نُمطَر (^١).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان عن ثابت قال: جعلت امرأة من الأنصار طُعيّمًا لها ثمّ قالت لزوجها: اذهبْ إلى رسول الله -ﷺ-. فادعُه وأسِرّه إلى رسول الله، -ﷺ-، قال: فجاء فقال: يا رسول الله إنّ فلانة قد صنعت طُعيّمًا وإنى أُحِبّ أن تأتينا، فقال رسول الله، -ﷺ-، للنّاس: أجِيبوا أبَا فُلان، قال: فجئتُ وما تكاد تتّبعنى رجلاى لما تركتُ عند أهلى، ورسول الله، -ﷺ-، قد جاء بالناس، قال: فقلت لامرأتى قد افتضحنا! هذا رسول الله، -ﷺ-، قد جاء بالناس معه، قالت: أوَما أمرتك أن تُسِرّ ذلك إليه؟ قال: قد فعلتُ، قالت: فرسولُ الله، -ﷺ-، أعْلم، فجاءوا حتى ملأوا البيت وملأوا الحُجْرة وكانوا في الدار، وجئ بمثل الكفّ فوُضعت، فجعل رسول الله، -ﷺ-، يبسطها فى الإناء ويقول ما شاء الله أن يقول ثمّ قال: ادْنُوا فَكُلُوا فَإذا شَبِعَ أحَدُكُمْ فَلْيخْلِ لِصاحِبِهِ،
_________________
(١) أورده الذهبى فى تاريخ الإِسلام: السيرة النبوية ص ٣٦٣.
[ ١ / ١٤٩ ]
قال: فجعل الرّجل يقوم والآخر يقعد حتى ما بقى من أهل البيت أحد إلّا شبع، ثمّ قال: ادْعُ لى أهْلَ الحُجْرَة، فجعل يقعد قاعدٌ، ويقوم قائم حتى شبعوا، ثمّ قال: ادْعُ لى أهْلَ الدّار، فصنعوا مثل ذلك، قال: وبقى مثلُ ما كان فى الإناء، قال: فقال رسول الله، -ﷺ-: كُلُوا وَأطْعِمُوا جِيرَانَكُمْ.
حدّثنا هاشم بن القاسم، أخبر سليمان عن ثابت قال: قلت لأنس: يا أبا حَمْزَة حدّثنا من هذه الأعاجيب شيئًا شهدته ولا تُحدثه عن غيرك، قال: صلّى رسول الله، -ﷺ-، صلاة الظهر يومًا ثمّ انطلق حتى قعد على المقاعد التى كان يأتيه عليها جبريل فجاء بلال فنادى بالعصر، فقام كلّ من كان له بالمدينة أهل يقضى الحاجةَ ويصيب من الوضوء، وبقى رجال من المهاجرين ليس لهم أهل بالمدينة، فأتى رسول الله، -ﷺ-، بقدح أرْوَحَ فيه ماء فوضع رسول الله، -ﷺ-، كفّه فى الإناء، فما وسع الإناء كف رسول الله، -ﷺ-، كلّها، فقال بهؤلاء الأربع فى الإناء ثمّ قال: ادْنُوا فَتَوَضَّئُوا، ويده فى الإناء، فتوضئوا حتى ما بقى منهم أحد إلّا توضّأ، قال فقلت: يا أبا حمزة كم تراهم؟ قال: ما بين السبعين والثمانين!
أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان بن حرب وخالد بن خداش قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد عن ثابت عن أنس أنّ النبىّ، -ﷺ-، دعا بماء فأُتى به فى قدح رَحْرَاح، قال: فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من أصابعه كأنّه العيون، فشربنا، قال أنس: فحزرتُ القوم ما بين السبعين إلى الثمانين، إلّا أنّ خالدًا قال: فجعل القوم يَتَوضَّئون.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: حضرتِ الصّلاة فقام جيران المسجد يَتَوضَّئون. وبقى ما بين السبعين إلى الثمانين، فكانت منازلهم بعيدة، فدعا رسول الله، -ﷺ-، بِمخْضب فيه ماء ما هو بملآن فوضع أصابعه فيه وجعل يصبّ عليهم ويقول: تَوَضّئوا، حتى تَوَضّئوا كلّهم، وبقى فى المخضب نحوٌ مما كان فيه.
أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسى، أخبرنا حزم بن أبى حزم قال: سمعتُ الحسن يقول: أخبرنا أنس بن مالك أنّ رسول الله، -ﷺ-، خرج ذات يوم
[ ١ / ١٥٠ ]
لبعض مخارجه ومعه ناسٌ من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحَضَرَتِ الصّلاة فلم يجد القوم ما يتوضئون به، فقالوا: يا رسول الله ما نجد ما نتوضّأ به، وَرَأَىَ (^١) فى وجوه القوم كَراهية ذلك، فانطلقَ رجلٌ من القوم فجاء بقدح فيه شئ من ماء يسير، فأخذه رسول الله، -ﷺ-، فتوضّأ منه ثمّ مدّ أصابعه الأربع على القدح ثمّ قال: هَلُمّوا، فتوضّأ القوم حتى بلغوا ما يريدون من الوضوء، فسُئل: كم بلغوا؟ فقال: سبعين أو نحو ذلك (^٢).
أخبرنا موسى بن مسعود أبو حُذَيفة النَّهدى، أخبرنا عِكْرِمة بن عمار عن إياس ابن سَلمة عن أبيه قال: قدمنا الحُدَيبية مع رسول الله، -ﷺ-، ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة ما تُرويها، فقعدَ رسول الله، -ﷺ-، على جَبَاها، فإمّا بَزَقَ، وإمّا دَعَا، فجاشَت فَسَقَيْنَا واستقينا (^٣).
أخبرنا خلف بن الوليد الأزدى، أخبرنا خلف بن خليفة عن أَبان بن بِشر عن شيخ من أهل البصرة، أخبرنا نافع أنه كان مع رسول الله، -ﷺ-، في زُهاء أربعمائة رجل فنزل بنا على غير ماء، فكأنّه اشتدّ على الناس (^٤)، ورأوا رسول الله، -ﷺ-، نزل فنزلوا، إذ أقبلت عنز تمشى حتى أتت رسول الله، -ﷺ-، مُحَدَّدة القرنين، قال: فحَلَبها رسول الله، -ﷺ-، قال: فأروى الجُند ورَوِى، قال ثم قال: يا نافِعُ امْلِكْهَا ومَا أرَاكَ تَمْلِكُهَا، قال: فلمّا قال لى رسول الله، -ﷺ-: وَمَا أُرَاكَ تَمْلِكُها، قال: فأخذتُ عودًا فركزتُه فى الأرض، قال: وأخذت رباطًا فربطتُ الشاة فاستوثقت منها، قال: ونامَ رسول الله، -ﷺ-، ونام الناس ونمتُ، قال: فاستيقظتُ فإذا الحبل محلول وإذا لا شاة، قال: فأتيتُ رسول الله، -ﷺ-، فأخبرته، قال قلت: الشاة ذهبت، قال: فقال لى رسول الله، -ﷺ-: يا نافِعُ أوَمَا أخْبَرْتُكَ أنّكَ لا تَمْلِكُهَا؟ إن الّذى جَاءَ بِهَا هُوَ الذى ذَهَبَ بِهَا.
_________________
(١) فى ل "ورُئِىَ" والمثبت رواية م. ومثلها لدى الصالحى فى سبل الهدى ج ١٠ ص ١٦.
(٢) الصالحى: سبل الهدى ج ١٠ ص ١٦.
(٣) الصالحى: سبل الهدى ج ١٠ ص ٣٩.
(٤) كذا فى ل، ورواية م "فكأنه اشتد على رسول الله".
[ ١ / ١٥١ ]
أخبرنا عتاب بن زياد وأحمد بن الحجّاج أبو العبّاس الخراسانيّان قالا: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا الأوزاعى قال: حدّثنا المطّلب بن حَنْطَب المخزومى قال: حدّثنى عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصارىّ قال: حدّثنى أبى قال: كنّا مع رسول الله، -ﷺ-، فى غَزَاة، فأصاب النّاس مَخْمَصَةٌ فاستأذن النّاسُ رسول الله -ﷺ-، فى نَحْر بعض ظهرهم وقالوا: يُبلّغنا الله به، فلمّا رأى عمر بن الخطّاب أن رسول الله -ﷺ-، قد هَمّ أن يأذن لهم فى نَحْر بعض ظَهرهم قال: يا رسول الله كيف بنا إذا نُحر لقينا القوم غدًا جياعًا رجالًا، ولكن إن رأيت أن تدعو النّاس ببقايا أزوادهم فَتجمّعها ثمّ تدعو الله فيها بالبرَكة، فإنّ الله سيُبلّغُنا بدعوتك، أو سيبارك لنا فى دعوتك، فدعا رسول الله، -ﷺ-، ببقايا أزوادهم، فجعلَ النّاس يجيئون بالحثية من الطعام وفوق ذلك، وكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر، فجمّعها رسول الله، -ﷺ-، ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو ثمّ دعا الجيش بأوعيتهم وأمرهم أن يحثوا، فما بقى فى الجيش وعاء إلّا مَلَئُوه وبقى منه، فضحك رسول الله، -ﷺ-، حتى بَدَت نَواجِذه فقال: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا الله وأشْهَدُ أنّى رَسُولُ الله لا يَلْقَى الله عَبْدٌ يُؤمنُ بهما إلا حُجبَتْ عَنْهُ النّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ (^١).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سليمان، يعنى ابن المغيرة، عن ثابت البُنَانى عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة قال: خطبنا رسول الله، -ﷺ-، عشِيّة فقال: إنّكُمْ تَسْرُونَ (^٢) عَشِيّتَكُمْ هَذِهِ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأتُونَ المَاءَ إن شاءَ الله غَدًا، فانْطلقَ النّاس لا يلوى بعضهم على بعض، فإنى لأَسيرُ إلى جَنْب النبىّ، -ﷺ-، حين ابهارّ الليل، إذ نَعَسَ النبىّ، -ﷺ-، فمال على راحلته فدعمتُه، يعنى أسندته، من غير أن أُوقظه، فاعتدلَ على راحلته ثمّ سِرنا، ثمّ تهوّر الليل فنعس النبىّ، -ﷺ-، فمالَ على راحلته مَيْلة أُخرى فَدَعمتُه من غير أن أُوقظه، فاعتدلَ على راحلته ثمّ سِرنا حتى إذا كان من آخر السَّحَر مالَ مَيْلَةً هى أشدّ من الميلتين الأوليَيْن حتى كاد أن يَنْجَفل فَدَعمتُه فرَفع رأسه فقال: مَنْ هَذَا؟ فقلتُ: أبو قتَادة، فقال:
_________________
(١) الصالحى: سبل الهدى ج ١٠ ص ٨٩.
(٢) تَسْرُون: رواية (م) "تسِيرُون".
[ ١ / ١٥٢ ]
مَتى كَانَ هذَا مِنْ مَسِيرِكَ مِنِّى؟ قلت: ما زال هذا مَسِيرى منك منذ الليلة، قال: حَفِطَكَ الله بِمَا حَفِظْتَ نَبِيّه بِهِ، ثمّ قال: أتُرَانَا نَخْفَى على النّاس؟ هَلْ تَرَى مِنْ أحَدٍ؟ كأنّهُ يُريد أن يُعرّس، قال قلت: هذا راكبٌ، ثمّ قلت: هذا راكبٌ، فاجتمعنا وكنّا سبعة رَكَبَة، فمال النبىّ، -ﷺ-، عن الطريق فوضع رأسه ثمّ قال: احْفَظوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا، فَكان أوّل ما استيقظ هو بالشمس فقُمنَا فزعين، قال: ارْكَبوا، فسِرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نَزَلَ فدعا بميضأة كانت معى فيها ماء فتوضّأنا وضوءًا دون وضوء وبقى فيها شئ من ماء، فقال النبىّ، -ﷺ-: يا أبَا قَتَادَةَ احْفَظْ عَلَيْنَا مَيْضَأتَكَ هَذه فإنّهُ سَيَكونُ لهَا نَبَأ، ثمّ نُودى بالصلاة فصلّى النبىّ، -ﷺ-، ركعتين قبل الفجر ثمّ صلّى الفجر كما كان يصلّى كلّ يوم، ثمّ قال: ارْكبوا، فركبنا، فجعل بعضنا يهمس إلى بعض، فقال النبىّ، -ﷺ-: مَا هَذَا الّذى تَهْمِسُونَ دُونى؟ قال قلنا: يا رسول الله تفريطنا فى صلاتنا، قال فقال: أمَا لَكُمْ فىّ أُسْوَةٌ؟ إنّهُ لَيْسَ فى النّوْم تَفْرِيطٌ وَلَكِنّ التّفْريطَ عَلى مَنْ لَمْ يُصَلّ الصّلاةَ حَتّى يجئَ وَقْت الصّلاةِ الأخْرَى فمَنْ فَعلَ ذلِكَ فَلْيُصَلّ حين يَنْتَبِهُ لَهَا، فإذا كانَ الغَدُ فَلْيُصَلّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا، ثمّ قال: مَا تَرَوْنَ النّاسَ صَنَعُوا؟ ثمّ قال: أصبح النّاس فقَدوا نبيّهُم، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله يَعِدكم لم يكن ليُخْلِفكم، فقال النّاس: النبىّ، -ﷺ-، بين أيديكم فإن تُطيعوا أبا بكر وعمر تَرشُدوا، فانتهينا إلى النّاس حين حمى كلّ شئٍ، أو قال حين تعالى النّهار، وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا عطشًا، قال: لا هُلْكَ عَلَيْكُمْ، فنزل فقال: أطْلِقُوا لى غُمَرى، يعنى بالغمر القعب الصغير، ودعا بالميضأة فجعل النبىّ، -ﷺ-، يصبّ وأسْقيهم، فلمّا رأى النّاس ما فيها تكابّوا، فقال النبىّ، -ﷺ-: أحْسِنُوا المِلْءَ فَكُلّكُمْ سَيُرْوَى، قال: فجعل النبىّ، -ﷺ-، يصُبّ وأسْقيهم حتى ما بقى غيرى وغيره، قال: فصُبّ، وقال: اشْرَبْ، قال: فقلتُ يا رسول الله لا أشرَب حتى تشرَبَ، فقال النبىّ، -ﷺ-: إنّ سَاقىَ القَوْمِ آخِرُهُمْ، قال: فشربتُ وشربَ النبىّ، -ﷺ-، قال: فأتى النّاس الماء جامّينَ رِوَاءً، فقال عبد الله بن رباح: إنى لَفى مسجدكم هذا الجامع أحدّث هذا الحديث، إذ قال لى عِمران بن حُصَين: انظر أيها الفتى، انظر كيف تحدِّث، فإنى أحد الركب تلك الليلة، قال: قلت يا أبا نُجيد فأنت أعلم، قال: ممن أنت؟ قال: قلت من الأنصار، قال: فأنتم أعلم بحديثكم، حدِّثِ
[ ١ / ١٥٣ ]
القوم، قال: فحدّثتُ القوم، فقال عمران: وقد شهدتُ تلك الليلة وما شعرتُ أنّ أحدًا من النّاس حفظه كما حفظته (^١).
حدّثنا فُضيل بن عبد الوهّاب أبو محمد الغطفانى، أخبرنا شريك عن سِماك عن أبى ظَبْيان عن ابن عبّاس قال: جاء رجلٌ إلى النبىّ، -ﷺ-، فقال: بمَ كنتَ نبيًّا؟ قال: أرَأيْتَ إن دَعَوْتُ شَيْئًا مِنَ النّخْلَةِ فَأجَابَنى أتُؤمِنُ بى؟ قال: نعم، فدعاه فأجابه فآمن به وأسلم (^٢).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شُعبة قال: أخبرنى عَمرو بن مُرّة وحصين بن عبد الرحمن عن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: أصابنا عطَش بالحُدَيبية فَجَهَشْنا (^٣) إلى رسول الله، -ﷺ-، وبين يديه تَوْر فيه ماء فقال بأصابعه هكذا فيه، وقال: خُذُوا باسمِ الله، قال: فجعل الماء يَتَخَلَّل من أصابعه كأنّها عُيون فَوَسِعَنَا وكَفَانا، وقال حُصين فى حديثه: فشربنا وتوضأنا (^٤).
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا سُليمان بن المغيرة عن ثابت البُنانى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن المقداد قال: أقبلتُ أنا وصاحبان لى قد ذَهَبَتْ أسماعنا وأبصارنا من الجهد، قال: فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله، -ﷺ-، ليس أحدٌ يقبلنا، قال: فانطلقنا إلى رسول الله، -ﷺ-، فانطلقَ بنا إلى أهله، قال: فإذا ثلاثة أعنز، فقال رسول الله، -ﷺ-: احْتَلِبُوا هَذَا اللّبَنَ بَيْنَنَا، قال: فكنّا نحتلب فيشرب كلّ إنسان نصيبه، ونرفع لرسول الله، -ﷺ-، نصيبه، قال: فيجئ من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان، ثمّ يأتى المسجد فيصلّى، ثمّ يأتى شرابه فيشربه، قال: فأتانى الشيطان ذات ليلة فقال: محمّد يأتى الأنصار فيُتحفونه ويصيبُ عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجُرعة فاشربْها،
_________________
(١) أورده الذهبى فى تاريخ الإسلام: السيرة النبوية ص ٣٦٢، والصالحى: سبل الهدى ج ١٠ ص ٢٩.
(٢) أورده الذهبى فى تاريخ الإسلام: السيرة النبوية ص ٣٤٤، والصالحى فى سبل الهدى ج ١٠ ص ١٢٣.
(٣) أى فزِعْنا.
(٤) الذهبى: السيرة النبوية ص ٣٤٣.
[ ١ / ١٥٤ ]
قال: ما زال يزيّن لي حتّى شَرِبتها، فلمّا وَغَلَت في بطني وعرف أنّه ليس إليها سبيل نَدَّمني (^١) قال: ويْحك ما صنعتَ! شربتَ شرابَ محمّد فيجيء فلا يراه فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دُنياك وآخرتك، قال: وعليّ شَملة من صُوف كلّما رُفعت على رأسي خرَجت قَدَماي، وإذا أُرسلت على قَدَمي خرَج رأسي، قال: وجعل لا يجيئني نوم، قال: وأمّا صاحباي فناما، فجاء رسول الله، - ﷺ -، فسلّم كما كان يسلّم، ثمّ أتَى المسجد فصلّى، وأتى شرابه فكشَف عنه فلم يجد فيه شيئًا، قال: فرفع رأسه إِلى السّماء، قلت الآن يدعو عليَّ فأهلك، فقال: اللَّهم أطْعمْ مَنْ أطْعَمَني وَاسْقِ مَنْ سَقَاني! قال فعمدتُ إلى الشَّملة فشددتها عليّ وأخذت الشّفرة فانطلقتُ إلى الأعنز أجُسّهُنّ أيّتهنّ أسْمن فأذبحُ لرسول الله، - ﷺ -، فإذا هُنّ حُفَّلٌ كُلهنّ، فعمدت إلى إناء لآل محمّد ما كانوا يطمعون أن يحلبوا فيه، فحلبت فيه حتى علته الرغوة، ثمّ جئت به إلى رسول الله، - ﷺ -. فقال: أمَا شَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللّيْلَةَ يا مِقْدَادُ؟ قال قلتُ: اشرب يا رسول الله قال: فشرب ثمّ نَاولني، فقلت: يا رسول الله اشرب، فشرب ثمّ ناولني، فأخذتُ مَا بقى فشربتُ، فلمّا عرفتُ أنّ رسول الله، - ﷺ -، قد روى وأصابتني دعوته ضحكتُ حتى أُلقيت إلى الأرض، قال رسول الله، - ﷺ -: إحْدَى سَوْءَاتِكَ يا مِقْدَاد، قال قلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وصنعتُ كذا، فقال رسول الله، - ﷺ -: مَا كَانَتْ هَذِهِ إلّا رَحْمَةً مِنَ اللهِ، أفَلا كُنْتَ أدْنَيْتَني فَتُوقِظَ صَاحِبَيْك هَذَيْنِ فيصيبانِ مِنْهَا؟ قال قلت: والّذي بعثك بالحقّ ما أُبالي إذ أصبتَها وأصبتُها معك مَن أصابها من النّاس.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا زهير أبو خيثمة، أخبرنا سُليمان الأعمش عن القاسم قال: قال عبد الله بن مسعود: ما أعترف لأحدٍ أسلم قبلي، أتاني رسول الله - ﷺ -، وأنا في غَنم أهلي فقال: أَفِي غَنَمِك لَبَنٌ؟ قال قلتُ: لا، قال: فأخذَ شاةً فَلَمَسَ ضرعها فأنزلت، فما أعرف لأحدٍ أسلم قبلي.
أخبرنا عليّ بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف القرشي عن أبي زكريّاء
_________________
(١) ضبطت في م ضبط قلم بتشديد الدال وفتحها. وندّمه عليه: أندمه، أي جعله يندم.
[ ١ / ١٥٥ ]
العجلاني عن محمّد بن كعب القرظي وعن عليّ بن مجاهد عن محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمرو بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عبّاس عن سلمان قال: أتيتُ رسول الله، - ﷺ -، وهو في جنازة رجل من أصحابه، فلمّا رآني مُقْبلًا قال لي: دُرْ خلفي، وطرَح رداءه فرأيتُ الخاتَم وقبَّلته. ثمّ دُرت إليه فجلست بين يديه، فقال: كَاتِبْ، فكاتبت على ثلاثمائة وديّة عالقة وأربعين أوقية من ذهب. فقال رسول الله، - ﷺ -: أَعِينُوا أخاكم، فكان الرجل يأتي بالوديّة والثنتين والثلاث حتى جمعوا لي ثلاثمائة، فقلت: كيف لي بعلوقها؟ فقال لي: انْطَلِقْ فَفَقّرْ لهَا بِيَدِكَ، فَفَقَّرتُ لها ثمّ أتيته فجاء معي فوضعها بيده، فما أخلفت منها واحدة وبقي الذهب، فبينا أنا عنده أُتي بمثل بيضة الحمامة من ذهب صَدَقة فقال: أيْنَ العَبْدُ المُكَاتبُ الفَارِسِيّ؟ فقمتُ فقال: خُذْ هَذِهِ فَأدِّ مِنْهَا، فقلت: وكيف تكفيني هذه! فمَسَح رسول الله، - ﷺ -، لسانه عليها، فوزنْت منها أربعين أوقية وبقي عندي مثل ما أعطاهم (^١).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن الصلت بن دينار عن عبد الله بن شقيق عن أبي صخر العُقَيلي قال: خرجتُ إلى المدينة فتلقّاني رسول الله، - ﷺ -، بين أبي بكر وعمر يمشي، فَمَرّ بيهودي ومعه سِفْر فيه التوراة يقرؤها على ابن أخٍ له مريض بين يديه، فقال النبيّ، - ﷺ -: يا يَهُودِيّ نَشَدْتُكَ بالّذي أنْزَلَ التّوْرَاةَ عَلى مُوسى وفَلَقَ البَحْرَ لبَني إسْرَائيلَ أتَجِدُ فى تَوْرَاتِكَ نَعْتِي وَصِفَتي وَمَخْرَجي؟ فأومأ برأسه أن لا، فقال ابن أخيه: لكني أشهدُ بالّذي أنزلَ التوراةَ على موسى، وفَلَق البحرَ لبَني إسرائيل، أنّه لَيَجد نَعتك وزَمانك وصِفتك ومَخرجك في كتابه، وأنا أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله، فقال النبيّ، - ﷺ -: أقيمُوا اليَهُودِيّ عن صَاحِبِكُمْ، وَقُبِضَ الفتى، فصلَّى عليه النبيّ، - ﷺ -، وأجنَّه.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن يعقوب بن داود عن شيخ من بني جُمَح قال: لمّا أتى النبيّ، - ﷺ -، أُمّ معبد قال: هَلْ مِنْ قِرًى؟ قالت: لا، قال: فانتبذَ هو وأبو بكر، وراح ابنها بشُوَيهات فقال لأُمّه: ما هذا السَّواد الذى أرى مُنتبذًا؟
_________________
(١) الصالحي: سبل الهدى ج ١٠ ص ١٣٨.
[ ١ / ١٥٦ ]
قالت: قوم طلبوا القِرَى فقلتُ ما عندنا قِرًى، فأتاهم ابنها فاعتذر وقال: إنها امرأة ضعيفة، وعندنا ما تَحتاجون إليه، فقال رسول الله، - ﷺ -: انْطَلِقْ فَأْتِني بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِكَ، فجاء فَأخَذَ عَنَاقًا، فقالت أُمّه: أين تذهب؟ قال: سألاني شاةً، قالت: يصنعان بها ماذا؟ قال: ما أحَبّا، فمسَح النبيّ، - ﷺ -. ضَرعها وضَرّتها فتحفّلت، فحَلَب حتى ملأ قعبًا وتركها أحفل ما كانت وقال: انْطَلِقْ بِهِ إلى أمّكَ وَأتِني بِشاةٍ أخْرى مِنْ غَنَمِكَ، فأتى أمّه بالقَعْب فقالت: أنَّى لكَ كذا؟ قال: من لبن الفلانة، قالت: وكيف ولم تَقْرِ سَلًا قطّ؟ أظنّ هذا واللَّاتِ الصّابئَ الذي بمكّة! وشربَتْ منه، ثمّ جاءه بعَنَاق أُخرى، فحلبها حتى ملأ القعب ثمّ تركها أحفل ما كانت ثمّ قال: اشْرَبْ، فشرب، ثمّ قال: جِئْني بأُخْرَى، فأتاه بها، فحلب وسقى أبَا بكر، ثمّ قال: جِئْني بأُخرى، فأتاه بها فحَلَب ثمّ شَرِب وتركهنّ أحفل ما كُنّ.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن الحسن بن دينار عن الحسن قال: بينا رسول الله، - ﷺ -، في مسجده إذ أقبل جمل نادّ حتى وضَعَ رأسه في حِجر النبيّ، - ﷺ -، وجرجر، فقال النبيّ، - ﷺ -: إنّ هَذَا الجَمَلَ يَزْعُمُ أنّهُ لِرَجُلٍ وَأنّهُ يُريدُ أنْ يَنْحَرَهُ في طَعَامٍ عَنْ أبِيهِ الآنَ فَجَاءَ يَسْتَغِيثُ، فقال رجل: يا رسول الله هذا جملُ فلان، وقد أراد به ذلك، فدعا النبيّ، - ﷺ -، الرجلَ فسأله عن ذلك. فأخبره أنه أراد ذلك به، فطلب إليه النبيّ، - ﷺ -، أن لا يَنحره، ففعل (^١).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن حُباب بن موسى السعيديّ عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: قال عليّ، - ﵁ -: بتنا ليلة بغير عَشاء، فأصبحتُ فخرجتُ ثمّ رجعتُ إلى فاطمة، - ﵍ -، وهي محزونة، فقلت: ما لكِ؟ فقالت: لم نَتَعشَّ البارحة ولم نتغدَّ اليوم وليس عندنا عَشاء، فخرجتُ فالتمستُ فأصبتُ ما اشتريتُ طعامًا ولحمًا بدرهم، ثمّ أتيتُها به فخبزتْ وطبختْ، فلمّا فرغت من إنْضاج القِدْر قالت: لو أتيتَ أبي فدَعوته، فأتيتُ رسول الله، - ﷺ -، وهو مُضْطجع في المسجد وهو يقول: أعوذُ بالله مِنَ الجُوعِ ضجيعًا! فقلت: بأبي أنت
_________________
(١) الصالحي: سبل الهدى ج ١٠ ص ١٦٠ نقلًا عن ابن سعد.
[ ١ / ١٥٧ ]
وأمّي يا رسول الله، عندنا طعامٌ فهلُمّ! فتوكّأ عليّ حتى دخل والقِدْرُ تَفُور، فقال: اغْرِفي لِعَائِشةَ، فغرفت في صحفة، ثمّ قال: اغْرِفي لحَفْصَةَ، فغرفَت في صَحفة حتى غرفت لجميع نسائه التِّسع، ثمّ قال: اغْرِفي لأبيك وَزَوْجِكِ، فغرفت، فقال: اغْرِفي فكُلِي، فغرفت ثمّ رفعت القِدْر وَإنها لَتَفِيضُ فأكلنا منها ما شاء الله (^١).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن يزيد بن عياض بن جُعْدُبة الليثي عن نافع عن سَالم عن عليّ قال: أمَر رسول الله، - ﷺ -، خديجة وهو بمكّة فاتخذت له طعامًا، ثمّ قال لعليّ، - ﵁ -: ادْعُ لي بَني عَبْدِ المُطّلِبِ، فدعا أربعين، فقال لعليّ: هَلُمّ طَعَامَكَ، قال عليّ: فأتيتهم بثَريدة إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، فأكلوا منها جميعًا حتى أمسكوا، ثمّ قال: اسْقِهِمْ، فسقيتهم بإناء هو رِيّ أحدهم، فشربوا منه جميعًا حتى صدروا، فقال أبو لهب: لقد سحركم محمّد، فتفرّقوا ولم يدْعُهم، فلبثوا أيامًا، ثمّ صَنَع لهم مثله. ثمّ أمرني فجمعتهم فطعموا، ثمّ قال لهم، - ﷺ -: مَنْ يُؤازِرُني عَلَى مَا أنا عَلَيْهِ وَيُجِيبُني عَلَى أنْ يَكُونَ أخي وَلَهُ الجنَّةُ؟ فقلت: أنَا يا رسول الله، وإني لأحْدَثهم سِنًّا وأحمشهم سَاقًا، وسكتَ القوم، ثمّ قالوا: يا أبا طالب ألا ترى ابنك؟ قال: دعوه فلن يَألُوَ ابن عَمّه خيرًا.
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زَيد بن أسْلَم وغيره أن عَين قتَادة بن النعمان أُصيبت فسَالَت على خَدّه، فَرَدّها رسول الله، - ﷺ -، بيده، فكانت أصَحّ عينيه وأحسنهما (^٢).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زَيد بن أسْلم ويزيد بن رومان وإسحاق بن عبد الله بن أبي فَروة وغيرهم أنّ عُكّاشة بن مِحْصَن انقطَع سيفه في يوم بدر، فأعطاه رسول الله، - ﷺ -، جِذْلًا من شجرة، فعادَ في يده سيفًا صارمًا صافي الحديدة شديد المتن (^٣).
_________________
(١) الصالحي: سبل الهدى ج ١٠ ص ٩٣ نقلًا عن ابن سعد.
(٢) الصالحي: سبل الهدى ج ١٠ ص ٢٢٧.
(٣) الصالحي: سبل الهدى ج ١٠ ص ٢٠٤ نقلًا عن ابن سعد.
[ ١ / ١٥٨ ]
أخبرنا عليّ بن محمّد عن عليّ بن مجاهد عن عبد الأعلى بن مَيْمون بن مِهْران عن أبيه قال: قال عبد الله بن عبّاس: كان رسول الله، - ﷺ -، يخطب إلى خَشبة كانت في المسجد، فلمّا صُنع المنبر فَصَعَدَه رسول الله، - ﷺ -، حَنَّت الخشبة، فنزل رسول الله، - ﷺ -، فاحتَضَنها فَسَكَنت (^١).
أخبرنا عليّ بن محمّد عن أبي معشر عن زَيد بن أسْلم وغيره أنّ سُراقة بن مالك رَكِبَ في طلب النبيّ، - ﷺ -، بعدما استَقْسَم بالأزْلَام أيخرج أم لا يخرج، فكان يخرج له أن لا يخرجَ ثلاث مرّات، فرِكَب فَلَحِقهم، فدعا النبيّ، - ﷺ -، أن تَرْسَخ قوائم فرسِه فرَسَخت، فقال: يا محمّد، ادعُ الله أن يُطلق فرَسي فَأَرُدّ عنك فقال النبيّ، - ﷺ -: اللّهم إنْ كَانَ صَادِقًا فَأطْلِقْ لَهُ فَرَسَهُ، فخرَجت قوائم فرسه.
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني الحَكَم بن القاسم عن زكريّاء بن عمرو عن شيخ من قريش أنّ قريشًا لمّا تكاتَبت على بني هاشم حين أبوا أن يدفعوا إليهم رسول الله، - ﷺ -، وكانوا تكاتَبوا ألا يُنكحوهم ولا يَنكحوا إليهم، ولا يَبيعوهم ولا يبتاعوا منهم، ولا يخالطوهم في شيء ولا يكلّموهم، فمكثوا ثلاث سنين في شِعبهم محصورين إلّا ما كان من أبي لَهب فإنّه لم يدخل معهم، ودخلَ معهم بنو المطّلبِ بن عبد مَناف، فلمّا مضت ثلاث سنين أطْلَعَ الله نبيّه على أمر صَحِيفَتهم، وأنّ الأَرَضَة قد أكلَت ما كان فيها من جَوْر أو ظُلم، وبقى ما كان فيها من ذِكر الله، فذكر ذلك رسول الله، - ﷺ -، لأبي طالب، فقال أبو طالب: أحقّ ما تخبرني يابن أخي؟ قال: نَعَمْ والله! قال: فَذَكَر ذلك أبو طالب لإخوته، فقالوا له: ما ظَنّك به؟ قال: فقال أبو طالب: والله ما كذَبني قطّ، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تَلْبِسُوا أحسَن ما تجدون من الثياب ثمّ تخرجون إلى قريش فنذكر ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر، قال: فخرَجوا حتى دخَلوا المسجد، فصَمَدوا إلى الحِجر - وكان لا يجلس فيه إلّا مَسَانّ قريش وذَوُو نُهَاهم - فترفعت إليهم المجالس ينظرون ماذا يقولون، فقال أبو طالب: إنّا قد جِئنا لأمرٍ فأجيبوا فيه بالذي يُعرف
_________________
(١) المصدر السابق ص ١١٤ - ١١٥.
[ ١ / ١٥٩ ]
لكم، قالوا: مَرْحَبًا بكم وأهلًا وعندنا ما يَسرّك فما طلبتَ؟ قال: إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني قَطّ أنّ الله سَلَّط على صحيفتكم التى كتبتم الأرَضَة فَلَحَسَتْ (^١) كلّ ما كان فيها من جَوْر أو ظلم أو قطيعة رحم وبقى فيها كلّ ما ذُكر به الله، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته إليكم فَقَتلتموه أو استحييتموه إن شِئتم، قالوا: قد أنصَفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة، فلمّا أُتي بها قال أبو طالب: اقرءوها، فلمّا فَتَحوها إذا هي كما قال رسول الله، - ﷺ -، قد أُكِلَت كلّها إلّا ما كان من ذِكر الله فيها، قال: فَسُقِطَ في أيدي القوم ثمّ نكسوا على رءوسهم، فقال أبو طالب: هل تبين لكم أنّكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة؟ فلم يراجعه أحدٌ من القوم، وتَلَاوَم رجالٌ من قريش على ما صَنَعوا ببني هاشم، فمَكَثوا غيرَ كثير، ورجع أبو طالب إلى الشِّعب وهو يقول: يا معشر قريش علامَ نُحصَر ونُحبَس وقد بان الأمر؟ ثمّ دخَل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة فقال: اللّهم انصرنا ممن ظلمنا، وقطع أرحامنا، واستَحَلّ منّا ما يحرم عليه منّا! ثمّ انصرفوا (^٢).
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرَّقّيّ، أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن ابن عقيل عن جابر أو غيره قال: إن أول خبر جاء إلى المدينة عن رسول الله، - ﷺ -، أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع فجاءَ في صورة طائر حتى وقَعَ على حائط دارهم، فقالت المرأة: انزل حدِّثنا ونحدّثك وتخبرنا ونخبرك، قال: إنّه قد بُعث بمكّة نبيّ حرَّم علينا الزنا ومنع منّا القرار.
* * *
_________________
(١) كذا في م. وتحت حاء الكلمة (ح) ومثله في الخصائص الكبرى للسيوطي وهو ينقل عن ابن سعد وكذلك لدى الصالحي في سبل الهدى ج ١٠ ص ٣١٦ نقلًا عن ابن سعد، ورواية (ل): "فَلَمَست".
(٢) الذهبي: تاريخ الإسلام: السيرة النبوية ص ٢٢١، والصالحي: سبل الهدى ج ١٠ ص ٣١٦.
[ ١ / ١٦٠ ]