حدّثنا عبد الوهّاب بن عطاء عن ثَور بن يزيد، وأخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا ثَور بن يزيد عن خالد بن مَعْدان قال: قيل لرسول الله، -ﷺ-: أخْبِرْنَا عَنْ نَفسك، قال: نَعَمْ أنَا دَعْوَةُ إبْرَاهِيمَ وَبَشّرَ بى عِيسَى بنُ مريمَ ورَأتْ أمّى حِينَ وَضَعَتْنى خَرَجَ مِنْهَا نورٌ أضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّأمِ واسْتُرْضِعْتُ فى بنى سَعْدِ بنِ بَكْرٍ، فَبَيْنَمَا أنَا مَعَ أخِى خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرعَى بَهْمًا أتَانى رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثيَابٌ بِيَاضٌ بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ ثَلْجًا فَأخَذَانى فَشَقّا بَطْنى فَاسْتَخْرَجَا قَلْبى فَشَقّاهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا ثُمّ غَسَلا بَطْنى وَقَلْبى بِذلِكَ الثّلْج ثُمّ قَال زِنْهُ بِمِائَة مِنْ أُمّتِهِ، فَوَزَنُونى بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِألْفٍ مِنْ أُمّتِهِ، فَوَزَنُونى بِهِمْ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمّ قَالَ دَعْهُ فَلَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمّتِهِ لَوَزَنَهَا (^١).
أَخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى موسى بن عُبيدة عن أخيه قال: لمّا وُلد رسول الله -ﷺ- فوَقَع إلى الأرض وقع على يديه رافعًا رأسه إلى السماء وقَبَضَ قبضةً من التراب بيده، فبلَغ ذلك رجلًا من لِهْب فقال لصاحبٍ له: انجُه لئن صَدَق الفأل ليغلبنّ هذا المولود أهْل الأرض.
أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مُسلم قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمة عن ثابت ابن أنسَ بن مالك أنّ رسول الله، -ﷺ-، كان يلعب مع الصّبيان فأتاه آتٍ فأخذَه فشقَّ بطنه فاستخرَج منه عَلَقة فرمَى بها وقال: هذه نصيب الشيطان منك، ثمّ غسله فى طَست من ذَهب من ماء زَمْزَم ثمّ لَأَمَهُ، فأقبلَ الصبيان إلى ظِئره: قُتل محمد! قُتل محمد! فاستقبلت رسول الله، -ﷺ-، وقد انْتُقِعَ لَوْنهُ، قال أنَس: فلقد كنّا نرى أثَرَ المِخْيَطِ فى صَدره.
أَخبرنا محمد بن عمر، حدّثنى عبد الله بن زَيد بن أسْلَم عن أبيه قال: لمّا قدمت حَليمة قَدِمَ معها زوجها وابن لها صغير تُرضعهُ يقال له عبد الله وأتانٌ قَمراء وشارفٌ لهم عَجْفَاء قد مات سَقْبها من العجَف ليس فى ضَرع أُمّه قَطرة لبن،
_________________
(١) أورده صاحب الكنز برقم ٣١٨٣٥ نقلا عن ابن سعد.
[ ١ / ١٢٥ ]
فقالوا: نُصيب ولدًا نُرضعه، ومعها نسوةٌ سَعديّات، فَقَدِمْنَ فأقَمن أيّامًا، فأخذن ولم تأخذ حَليمة، ويُعرض عليها النبىّ، -ﷺ-، فقالت: يتيم لا أبَ له، حتى إذا كان آخر ذلك أخذته وخرَج صواحبها قَبلها بيوم، فقالت آمنة: يا حَليمة اعلَمى أنّكِ قد أخذتِ مولودًا له شأن، والله لحملتُه فما كنتُ أجد ما تجد النّساء من الحملِ، ولقد أُتيت فقيل لى: إنّك ستلدين غُلامًا فسمِّيه أحمد وهو سيّد العالمين، ولوقع معتمدًا على يديه رافعًا رأسَه إلى السماء، قال: فخرجت حليمة إلى زوجها فأخبرته، فسُرّ بذلك، وخرَجوا على أتانهم مُنطلقة، وعلى شارفهم قد دَرّت باللبن، فكانوا يجلبون منها غَبُوقًا وصَبُوحًا، فطلَعَت على صواحبها، فلمّا رأينها قُلن: مَنْ أخَذتِ؟ فأخبرتهن، فقلن: والله إنّا لنرجو أن يكون مُبارَكًا، قالت حليمة: قد رأينا بَرَكته، كنتُ لا أروى ابنى عبد الله ولا يَدَعنا ننام من الغَرث، فهو وأخوه يَرويَان ما أحبّا وينامان ولو كان معهما ثالث لرَوِىَ، ولقد أمَرَتْنى أُمه أن أسألَ عنْه: فرجعت به إلى بلادها، فأقامت به حتى قامت سوق عكاظ، فانطلقت برسول الله، -ﷺ-، حتى تأتى به إلى عَرّاف من هُذيل يُريه النّاسُ صبيانَهم، فلمّا نَظَر إليه صاح: يا مَعْشر هُذيل! يا معشر العرب! فاجتمع إليه النّاس من أهل الموسم، فقال: اقتلوا هذا الصبىّ! وانسلّت به حليمة، فجعل النّاس يقولون؟ أىّ صبىّ؟ فيقول: هذا الصّبىّ! ولا يَرَوْنَ شيئًا قد انطلقت به أُمّه، فيقال له: ما هو؟ قال: رأيتُ غلامًا، وآلِهَتِهِ ليقتلنّ أهل دينكم، وليكسرنّ آلهتكم، وليظهرنّ أمره عليكم، فطُلب بعكاظ فلم يوجد، ورجعت به حليمة إلى منزلها، فكانت بعدُ لا تَعرضه لعرّاف ولا لأحدٍ من النّاس (^١).
قال: أخبرنا محمد بن عمر، حدّثنى زياد بن سعد عن عيسى بن عبد الله بن مالك قال: جعل الشّيخ الهُذَلىّ يصيح: يا لهذيل! وآلهتِه إنّ هذا لينتظر أمرًا من السّماء، قال: وجعل يُغْرَى بالنبىّ، -ﷺ-، فلم يَنْشَبْ أن دَلِهَ فذهب عقله حتى مات كافرًا.
وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى مُعاذ بن محمد عن عطاء بن أبى رَباح عن ابن عبّاس قال: خرجت حليمة تطلب النبىّ، -ﷺ-، وقد بَدَت البهمُ تَقِيل،
_________________
(١) ابن هشام ج ١ ص ١٦٢.
[ ١ / ١٢٦ ]
فوجدته مع أخته، فقالت: فى هذا الحرّ! فقالت أُخته: يا أمّهْ ما وَجَدَ أخى حَرًّا، رأيتُ غمَامَة تُظِلّ عليه إذا وقَفَ وقفت، وإذا سار سَارت معه حتى انتهى إلى هذا الموضع.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى نَجِيح أبو مَعْشَر قال: كان يُفْرَش لعبد المطّلب فى ظلّ الكعبة فِرَاش ويأتى بَنُوه فيجلسون حوالى الفِراش ينتظرون عبد المطّلب، ويأتى النبىّ، -ﷺ-، وهو غُلام جَفْرٌ، حتى يَرْقَى الفراش فيجلس عليه، فيقول أعمامه: مَهْلًا يا محمّد عن فِرَاش أبيك، فيقول عبد المطّلب إذا رأى ذلك منه: إنّ ابنى ليؤنس مُلْكًا، أو إنّه ليحدث نفسه بمُلك (^١).
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا عبد الله بن عون عن عمرو بن سعيد أنّ أبا طالب قال: كنتُ بذى المجاز ومعى ابن أخى، يعنى النبىّ، -ﷺ-، فأدرَكَنى العطش فشكوتُ إليه فقلتُ: يابن أخى قد عطشتُ، وما قلت له ذاك وأنا أرى أنّ عنده شيئًا إلّا الجَزَع، قال: فَثَنَى وَرِكَه ثم نَزَل فقال: يَا عَمّ أعَطِشْتَ؟ قال قلتُ: نعم، قال: فأهوى بعَقِبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال: اشْرَبْ يا عَمّ، قَال: فشربتُ (^٢).
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقى، أخبرنا أبو المليح عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل قال: أراد أبو طالب المَسِير إلى الشأم، فقال له النبىّ، -ﷺ-: أىْ عَمّ إلى مَنْ تُخَلّفُنى ههُنَا فَمَا لى أُمّ تَكْفُلُنى وَلا أَحَدٌ يُؤْوِينى، قال: فَرَقَّ له، ثمّ أردَفَه خَلْفه، فخرَج به فنزلوا على صاحب دَيْر، فقال صاحب الدَّيْر: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى، قال: ما هو بابنك ولا ينبغى أن يكون له أبٌ حَىٌّ، قال: ولِمَ؟ قال: لأنّ وجهه وجه نَبىّ وعينه عين نبىّ، قال: وما النبىّ؟ قال: الذى يُوحَى إليه من السماءِ فَيُنَبِّئُ بهِ أهْلَ الأرْض، قال: الله أجلّ مما تقول، قال: فاتّق عليه اليهود، قال: ثمّ خرَج حتى نزل براهب أيضًا صاحب دَير، فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى. قال: ما هو بابنك وما ينبغى أن يكون له أبٌ حىٌّ، قال: ولِمَ ذلك؟
_________________
(١) ابن هشام: السيرة ج ١ ص ١٦٨.
(٢) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ١٨٦ نقلا عن ابن سعد.
[ ١ / ١٢٧ ]
قال: لأنّ وجهه وجه نَبىّ وعَيْنه عين نبىّ، قال: سُبحان الله، اللهُ أجَلّ ممّا تقول، وقال: يابن أخى ألَا تسمع ما يقولون؟ قال: أىْ عَمّ لا تُنْكِرْ لله قُدْرَةً (^١).
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن صالح بن دينار وعبد الله بن جعفر الزهرى قال: وحدّثنا ابن أبى حبيبة عن داود بن الحصين قالوا: لمّا خرَج أبو طالب إلى الشأم وخرج معه رسول الله، -ﷺ-، فى المرة الأولى، وهو ابن اثنتى عشرةَ سنة، فلمّا نَزَل الرَّكْبُ بُصْرَى من الشأم، وبها راهب يُقال له بَحِيرَا فى صَومعة له، وكان علماء النّصارى يكونون فى تلك الصومعة يتوارثونها عن كِتَاب يَدْرسونه، فلمّا نزلوا ببَحِيرَا وكان كثيرًا ما يمرّون به لا يكلِّمهم حتى إذا كان ذلك العام، ونزلوا مَنْزِلًا قريبًا من صَومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلّما مَرّوا، فصَنَع لهم طعامًا ثمّ دَعَاهم (^٢).
وإنّما حَمَله على دُعائهم أنّه رآهم حين طَلعوا وغَمامة تظلّ رسول الله، -ﷺ-، من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ثمّ نظر إلى تلك الغَمامة أظَلّت تلك الشجرة واخضلّت أغصان الشجرة على النبىّ، -ﷺ-، حين استظلّ تحتها، فلمّا رأى بَحيرا ذلك نَزَل من صَومعته وأمرَ بذلك الطّعام فأتى به وأَرسَل إليهم، فقال: إنى قد صنعتُ لكم طعامًا يا معشر قريش، وأنا أحبّ أن تحضروه كلّكم، ولا تخلفوا منكم صغيرًا ولا كبيرًا، حُرًّا ولا عَبدًا، فإنّ هذا شئ تكرمونى به، فقال رجل: إن لك لشأنًا يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم؟ قال: فإنّنى أحببتُ أن أكرمكم ولكم حقّ (^٣).
فاجتمعوا إليه وتخلّف رسول الله، -ﷺ-، من بين القوم لحداثة سنّه، ليس في القوم أصغر منه فى رحالهم، تحت الشجرة، فلمّا نَظَر بَحيرا إلى القوم فلم يَرَ الصّفة التى يَعرف ويجدها عنده، وجعلَ ينظر ولا يَرى الغمامة على أحدٍ من القوم، ويَراها متخلّفة على رأس رسول الله، -ﷺ-، قال بَحيرا: يا معشرَ قريش
_________________
(١) أورده الصالحى فى سبل الهدى ج ٢ ص ١٨٨ - ١٨٩ عن ابن سعد.
(٢) النويرى: نهاية الأرب ج ١٦ ص ٩٠.
(٣) المصدر السابق ج ١٦ ص ٩٠ - ٩١.
[ ١ / ١٢٨ ]
لا يتخلَّفن منكم أحدٌ عن طعامى، قالوا: ما تخلّف أحدٌ إلّا غلام هو أحدث القوم سِنًّا فى رِحالهم، فقال: ادعوه فليحضر طعامى فما أقبح أن تحضروا ويتخلّف رجل واحدٌ مع أنى أراه من أنفَسكم، فقال القوم: هو والله أوسطنا نَسَبًا وهو ابن أخى هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب، فقال الحارث بن عبد المطلب بن عبد مَناف: والله إن كان بنا لَلُؤمٌ أن يتخلّف ابن عبد المطلب من بيننا، ثمّ قام إليه فاحتضنه وأقبلَ به حتى أجلَسَه على الطعام، والغَمامة تسير على رأسه، وجعل بحيرا يلحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى أشياء فى جسده قد كان يجدها عنده من صفته (^١).
فلمّا تفرَّقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحقّ اللَّات والعُزَّى إلّا أخبرتنى عمّا أسألك، فقال رسول الله، -ﷺ-: لا تسْألْنى باللّات وَالعُزّى فَوَاللهِ مَا أبْغَضْتُ شَيْئًا بُغْضَهُمَا! قال: فبالله إلّا أخبرتَنى عمَّا أسألك عنه! قال: سَلْنى عما بَدَا لكَ، فجعل يسأله عن أشْياءَ من حاله حتى نَومه، فجعل رسول الله، -ﷺ-، يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثمّ جعل ينظر بين عينيه، ثمّ كشَفَ عن ظَهرِه فرأى خاتَم النبوة بين كتفيه على موضع الصفة التى عنده، قال: فقبَّل موضع الخاتَم، وقالت قريش: إنّ لمحمد عند هذا الراهب لَقَدْرًا، وجعل أبو طالب، لما يرى مِن الراهب، يخاف على ابن أخيه، فقال الراهب لأبى طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال أبو طالب: ابنى، قال: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا، قال: فابن أخى: قال: فما فعلَ أبوه؟ قال: هَلَك وأُمّه حُبْلَى به، قال: فما فعلت أمّه؟ قال: توفّيت قريبًا، قال: صَدقتَ، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعَرفوا منه ما أعرف لَيَبْغُنّه عَنَتًا، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده فى كُتبنا وما روينا عن آبائنا، واعلم أنى قد أدّيتُ إليك النصيحة. فلمّا فَرَغوا من تجاراتهم خرج به سريعًا، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله، -ﷺ-، وعَرَفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بَحيرا فَذَاكروه أمرَه فنهاهم أشدّ النهى وقال لهم:
_________________
(١) نفس المصدر والجزء والصفحة.
[ ١ / ١٢٩ ]
أتجدونَ صفته؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل، فصدّقوه وتركوه، ورجع به أبو طالب فما خرج به سَفَرًا بعد ذلك خوفًا عليه (^١).
أخبرنا محمد بن عمر، حدّثنى يعقوب بن عبد الله الأشعرىّ عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزَى، قال الراهب لأبى طالب: لا تخرجنّ بابن أخيك إلى ما ههنا فإنّ اليهود أهل عَداوة، وهذا نبىّ هذه الأمة، وهو من العرب، واليهود تحسده تريد أن يكون من بنى إسرائيل، فاحذر على ابن أخيك.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا موسى بن شَيبة عن عُميرة بنت عُبيد الله بن كعب بن مالك عن أمّ سعد بنت سعد عن نَفيسة بنت مُنْيَة أخت يَعْلَى بن مُنْيَة قالت: لمّا بلَغ رسول الله، -ﷺ-، خمسًا وعشرين سنة وليس له بمكّة اسمٌ إلّا الأمين، لِمَا تَكامَلَ فيه من خِصَال الخير، فقال له أبو طالب: يابن أخى أنا رجلٌ لا مالَ لى وقد اشتدّ الزّمان علينا وألحّت علينا سنون مُنْكَرَة وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عِير قومك قد حَضَر خروجها إلى الشام، وخديجة ابنة خُوَيلد تبعث رجالًا من قومك فى عِيَراتها (^٢)، فلو تعرّضتَ لها، وبلَغَ خديجة ذلك فأرسلت إليه وأضعفت له ما كانت تعطى غيره، فخرج مع غلامها مَيسَرة حتى قَدِما بُصرى من الشأم، فنزلا فى سوق بُصْرَى فى ظلّ شجرة قريبًا من صَومعة راهب من الرهبان يقال له نَسْطُور، فاطلع الراهب إلى ميسرة، وكان يعرفه قبل ذلك، فقال: يا مَيْسرة مَن هذا الذى نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال مَيْسَرة: رجلٌ من قريش من أهل الحرَم، فقال له الرّاهب: ما نزلَ تحت هذه الشجرة قطّ إلّا نبىّ، ثمّ قال: فى عَينَيْهِ حُمْرَة؟ قال ميسرة: نعم لا تُفارقه، قال الراهب: هو هو آخر الأنبياء (^٣)، يا ليت أنى أدركه حين يُؤْمَر بالخروج! ثمّ حضر رسول الله، -ﷺ-، سوق بُصرى فباعَ سلعته التى خرَج بها واشترى غيرها، فكان بينه وبين رجل اختلاف فى شئ، فقال له الرجل: احلف باللَّات والعُزَّى، فقال رسول الله،
_________________
(١) النويرى ج ١٦ ص ٩١ - ٩٢.
(٢) جمع الجمع لعير.
(٣) كذا فى ل، وفى: م "هو وهو آخر الأنبياء". أما رواية الزرقانى ج ١ ص ١٩٩ والسيرة الحلبية ج ١ ص ١٣٣ "هو هو، وهو آخر الأنبياء" وفى النويرى ج ١٦ ص ٩٦ "هو نبى، وهو آخر الأنبياء".
[ ١ / ١٣٠ ]
-ﷺ-: مَا حَلَفْتُ بِهِمَا قَطّ وإنّى لأمُرّ فَأُعْرِضُ عَنْهُمَا، قال الرجل: القول قولك، ثمّ قال لميسرة، وخَلَا به: يا ميسرة هذا والله نبىّ! والذى نفسى بيده إنّه لهو تجده أحبارنا فى كتبهم منعوتًا، فَوَعَى ذلك ميسرة (^١).
ثمَّ انصرفَ أهل العير جميعًا، وكان مَيْسرة يرى رسول الله، -ﷺ-، إذا كانت الهاجرة واشتدّ الحَرّ، يرى مَلَكَين يُظِلّانه من الشمس وهو على بعيره، قالوا: كان الله قد ألقَى على رسوله المحبّة من مَيْسَرة، فكان كأنّه عبدٌ لرسول الله، -ﷺ- (^٢).
فلمّا رجعوا فكانوا بمَرّ الظَّهْران قال: يا محمّد انطلق إلى خديجة فاسْبقنى فأخبرها بما صَنَعَ الله لها على وجهك، فإنها تعرف ذلك لك، فتقدَّم رسول الله، -ﷺ-، حتى قَدِمَ مكّة في ساعة الظهيرة وخديجة فى عُلِّية (^٣) لها معها نساء فيهنّ نَفيسة بنت مُنية، فرأت رسول الله، -ﷺ-، حين دخَل وهو راكبٌ على بَعيره ومَلَكَان يُظِلّان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك (^٤).
ودَخَل عليها رسول الله، -ﷺ-، فخبّرها بما رَبِحوا فى وجههم، فَسُرّت بذلك، فلمّا دخَل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشأم، وأخبرها بقول الراهب نسطور وما قال الآخر الذى خالَفه فى البيع، وربحت فى تلك المرّة ضعف ما كانت تربح، وأضْعَفَت له ضِعف ما سَمَّت له (^٥).
أخبرنا عبد الحميد الحِمّانىّ عن النضر أبى عُمر الخزّاز عن عِكرمة عن ابن عبّاس، قال: أوّل شئ رأى النبىّ، -ﷺ-، من النبوّة أن قيل له استتر وهو غلام، فما رُئِيَت عَورته من يومئذ (^٦).
أخبرنا عبد الحميد الحِمّانى عن سفيان الثورىّ عن منصور عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن امرأة عن عائشة قالت: ما رأيتُ ذاك من رسول الله، -ﷺ-.
_________________
(١) الصالحى ج ٢ ص ٢١٤.
(٢) الصالحى ج ٢ ص ٢١٦.
(٣) العُلِّيَّةُ: الغرفة.
(٤) الصالحى ج ٢ ص ٢١٦.
(٥) الصالحى ج ٢ ص ٢١٦.
(٦) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٢٠٢.
[ ١ / ١٣١ ]
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى علىّ بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله ابن عمر بن الخطّاب عن منصور بن عبد الرحمن عن أُمه عن بَرَّة ابنة أَبِى تِجْراة قالت: إنّ رسول الله، -ﷺ-، حين أراد الله كَرامته وابتداءَه بالنبوّة، كان إذا خرج لحاجته أبعدَ حتى لا يرى بيتًا ويُفضى إلى الشِّعاب وبُطون الأودية، فلا يمرّ بحجرٍ ولا شَجرة إلّا قالت السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يَرى أحدًا (^١).
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا أبو الأحْوص عن سعيد بن مسروق عن منذر قال: قال الربيع - يعنى ابن خُثَيم: كان يُتَحَاكم إلى رسول الله، -ﷺ-، فى الجاهليّة قبل الإِسلام، ثمّ اختُصّ فى الإِسلام، قال ربيع حَرْفٍ وما حرفٌ مَن يُطع الرسول فقَد أطاعَ الله آمنه، أى أنّ الله آمنه على وحيه.
أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا حمَّاد بن زَيد عن لَيْث عن مجاهد أنّ بنى غِفَار قَرَّبوا عِجْلًا لهم ليذبحوه على بعض أصنامهم فَشَدّوه، فصاح: يال ذريح، أمر نَجيح، صائح يَصيح، بلسان فَصِيح، بمكّة يشهد أن لا إله إلّا الله، قال: فنظروا فإذا النبىّ، -ﷺ-، قد بُعث.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة عن حُسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن العبّاس عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: حدّثتْنى أمّ أيمَن قالت: كان بِبُوانة (^٢) صَنمٌ تحضره قريش تعظّمه، تنسك له النّسائك، ويحلقون رءوسهم عنده، ويعكفون عنده يومًا إلى الليل، وذلك يومًا فى السّنة، وكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلّم رسول الله، -ﷺ-، أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبَى رسول الله، -ﷺ-، ذلك، حتى رأيتُ أبا طالب غَضب عليه، ورأيت عَمَّاتِهِ غَضِبْنَ عَليه يومئذ أشَدّ الغَضَب، وجعلن يَقُلن: إنّا لَنَخَاف عليك ممّا تَصنع من اجتناب آلهتنا، وجعلن يَقُلْنَ: ما تريد يا محمدُ أن تحضر لقومك عيدًا ولا تُكَثّر لهم جمعًا، قالت: فلم يزالوا به حتى ذهَب فغابَ عنهم ما
_________________
(١) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٣٠٦ نقلا عن ابن سعد.
(٢) موضع بين الشام وبين ديار بنى عامر.
[ ١ / ١٣٢ ]
شاء الله، ثمّ رجعَ إلينا مرعوبًا فَزِعًا، فقالت له عَمّاته: ما دهاك؟ قال: إنّى أخْشَى أنْ يَكونَ بِى لَمَمٌ، فقُلن: مَا كان الله ليبْتليك بالشّيطان وفِيك من خِصال الخير ما فيك، فما الذى رأيْت؟ قال: إنّى كُلّما دَنَوْتُ مِنْ صَنَمٍ مِنْهَا تَمَثَّلَ لى رجُلٌ أبْيَضُ طَوِيلٌ يَصِيحُ بى وَرَاءَكَ يَا مُحَمّدُ لا تَمَسّهُ! قالت: فما عاد إلى عِيدٍ لهم حتى تنبّأ (^١).
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى سليمان بن داود بن الحُصين عن أبيه عن عِكرِمة عن ابن عبّاس عن أُبَىّ بن كَعب قال: لمّا قَدِم تُبّع المدينة ونزل بقَناة فبعث إلى أحبار اليهود فقال: إنّى مخرّب هذا البلد حتى لا تقوم به يهوديّة ويرجع الأمر إلى دين العرب، قال: فقال له سامول اليهودى، وهو يومئذ أعلمهم: أيها الملك إنّ هذا بلد يكون إليه مُهاجرَ نَبىّ من بَنى إسْماعيل مَوْلِده مكّة اسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذى أنت به يكون به من القَتلى والجِرَاح أمرٌ كبير فى أصحابه وفى عدوّهم، قال تُبّع: ومَن يقاتله يومئذ وهو نبىّ كما تزعمون؟ قال: يسير إليه قومه فيقتتلون ههنا، قال: فأين قبره؟ قال: بهذا البلد، قال: فإذا قُوتل لمَن تكون الدّبْرة؟ قال: تكون عليه مرّة وله مرّة، وبهذا المكان الذى أنت به تكون عليه، ويُقتَل به أصحابه مَقْتلة لم يُقْتَلوا فى موطن، ثمّ تكون العاقبة له، ويظهر فلا ينازعه هذا الأمرَ أحدٌ، قال: وما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، فى عينيه حُمرة، يركب البعير، ويلبس الشَّمْلَة، سيفه على عاتقه لا يبالى مَن لاقى أخًا أو ابن عَمّ أو عَمًّا حتى يظهر أمره، قال تُبّع: ما إلى هذا البلد من سبيل، وما كان ليكون خرابها على يدى، فخرج تُبّع منصرفًا إلى اليمن (^٢).
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: كان الزّبير بن بَاطَا، وكان أعلم اليهود، يقول: إنّى وجدتُ سِفْرًا كان أبى يختمه علىّ، فيه ذكر أحمد نبىّ يخرج بأرض القَرَظ صفته كذا وكذا، فتحدّث به الزّبير بعد أبيه والنبىّ، -ﷺ-، لم يُبعث، فما هو إلّا أن سمع بالنبىّ، -ﷺ-، قد خرَج بمكّة حتى عمد إلى ذلك السفر فَمَحَاه وكتَم شأن النبىّ، -ﷺ-، وقال ليس به.
_________________
(١) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٢٠١.
(٢) الطبرى: تاريخه ج ٢ ص ١٠٥.
[ ١ / ١٣٣ ]
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى الضّحّاك بن عثمان عن مَخْرَمَة بن سليمان عن كُرَيْب عن ابن عبّاس قال: كانت يهود قُرَيظة والنَّضِير وفَدك وخَيْبر يجدون صفة النبىّ، -ﷺ-، عندهم قُبَيل أن يُبعث، وأنّ دار هجرته بالمدينة. فلمّا وُلِدَ رسول الله، -ﷺ-، قالت أحبار اليهود: وُلِدَ أحمد الليلة، هذا الكوكب قد طَلَع، فلمّا تَنَبَّأ قالوا: قد تَنَبَّأ أحمد، قد طلع الكوكب الذى يطلع، كانوا يعرفون ذلك ويقرّون (^١) به ويصفونه إلّا الحسد والبغى (^٢).
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن نملة بن أبى نملة عن أبيه قال: كانت يهود بنى قُريظة يَدْرُسون ذكر رسول الله، -ﷺ-، فى كُتُبهم ويُعَلّمونه الوِلدان بصفته واسمه ومُهاجَره إلينا، فلما ظَهر رسول الله، -ﷺ-، حَسَدوا وبغوا وقالوا ليس به.
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة عن داود بن الحصين عن أبى سفيان مولَى ابن أبى أحمد أنّ إسْلام ثَعلبة بن سعيد وأَسِيد بن سَعْيَةَ وأسد بن عُبيد ابن عمّهم إنّما كان عن حديث ابن الهَيّبَان أبى عمير. قدم ابن الهَيّبَان، يهودىّ من يهود الشام، قُبيل الإِسلام بسنوات. قالوا: وما رأينا رجلًا لا يُصلّى الصّلوات الخَمْس خيرًا منه، وكان إذا حُبِس عنّا المطر احتَجنا إليه، نقول له: يابن الهيّبَان اخرج فاسْتَسْقِ لنا، فيقول: لا حتى تُقَدّمُوا أمام مَخْرَجكم صَدقة، فنقول: وما نقدّم؟ فيقول: صاعًا من تَمر أو مُدَّيْن من شَعير عن كلّ نفس، فنفعل ذلك فيخرج بنا إلى ظَهر وادينا، فوالله لن نَبرح حتى تَمرُّ السحابُ فَتُمْطِرَ عَلينا، ففعل ذلك بنا مِرارًا، كلّ ذلك نُسْقَى، فبينا هو بَيْن أظهرنا إذ حَضَرَته الوَفاةُ، فقال: يا مَعشر اليهود ما الّذى تَرَوْنَ أنّه أخرجنى من أرض الخَمْر (^٣) والخَمِير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: أنت أعلم يا أبا عُمير! قال: إنّما قدمتُها أتوَكّفُ خُروج نَبىّ قد أظلّكم زمانه، وهذا البلد مُهَاجَرُه،
_________________
(١) كذا فى م، ومثله لدى الصالحى وهو ينقل عن ابن سعد. وفى ل "ويقرءون".
(٢) الصالحى: سبل الهدى ج ١ ص ٤١٠ عن ابن سعد.
(٣) فى السيرة الحلبية ج ١ ص ١٨٥ "من أهل الخَمْر -بالتحريك وبإسكان الميم- وهو الشجر الملتف".
[ ١ / ١٣٤ ]
وكنتُ أرجو أن أُدْركه فأتّبعه، فإن سَمِعتم به فلا تُسْبَقُنّ إليه، فإنّه يَسْفِك الدّماء ويَسْبى الذَّرَارى والنّساء، فلا يمنعكم هذا منه، ثمّ مات، فلمّا كان فى الليلة التى فى صَبيحتها فُتِحَت بنو قُرَيظة، قال لهم ثَعلبة وأَسِيد ابنا سَعْيَةَ وأسد بن عُبيد فتيان شَبَاب: يا معشر يهود، والله إنّه الرّجل الذى وصف لنا أبو عُمير بن الهيّبَان، فاتّقوا الله واتّبعوه، قالوا: ليس به، قالوا: بَلَى والله إنّه لهو هو، فَنَزَلُوا وأسلموا وأبَى قومهم أن يُسلموا (^١).
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني محمد بن عبد الله عن الزُّهرى عن محمد بن جُبَير بن مُطعم عن أبيه قال: كنّا جلوسًا عند صَنَم ببُوانة قبل أن يُبعث رسول الله، -ﷺ-، بشهر، فَنَحَرنا جُزرًا، فإذا صائحٌ يصيح من جوف واحدة: اسمعوا إلى العجب، ذهب استراقُ الوحى ونُرمى بالشُّهُب، لنبىّ بمكّة اسمه أحمد، مُهَاجَره إلى يثرب، قال: فأمسكنا وعجبنا، وخرَج رسول الله، -ﷺ (^٢).
حدّثنا محمد بن عمر، حدّثنى ابن أبى ذئب عن مُسلم بن جُندب عن النّضر ابن سفيان الهذلى عن أبيه قال: خرجنا فى عير لنا إلى الشام، فلمّا كُنّا بين الزرقاء ومُعَان وقد عَرّسنا من اللّيل إذا بفارس يقول: أيها النيام هُبّوا فليس هذا بحين رُقَاد، قد خرجَ أحمد، وطُرّدت الجنّ كلّ مُطَرّد، ففزعنا ونحن رفقة جرّارة كلهم قد سمع هذا، فرجعنا إلى أهلينا، فإذا هم يذكرون اختلافًا بمكّة بين قريش بنبىّ خرَج فيهم من بنى عبد المطّلب اسمه أحمد (^٣).
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى علىّ بن عيسى الحَكمى عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عَمرو بن نُفيل يقول: أنا أنتظر نبيًّا من ولد إسماعيل ثمّ من بنى عبد المطّلب، ولا أرانى أدركه، وأنا أومن به وأصدّقه وأشهد أنّه نبىّ، فإن طالت بك مدّة فرأيته فأقرئه منّى السّلام، وسأخبرك ما نعتُه حتى لا يخفَى عليك، قلت: هلمّ! قَال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق
_________________
(١) قارن النويرى ج ١٦ ص ١٤٥.
(٢) الطبرى: التاريخ ج ٢ ص ٢٩٧، والصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٢٨٩.
(٣) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٢٩١.
[ ١ / ١٣٥ ]
عينيه حمرة، وخاتَم النبوّة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثمّ يُخرجه قومه منه ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإيّاك أن تُخدع عنه فإنّى طُفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكلّ مَن أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعتّه لك، ويقولون لم يبقَ نبىّ غيره، قال عامر بن ربيعة: فلمّا أسلمتُ أخبرتُ رسول الله، -ﷺ-، قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام، فردّ ﵇ ورحّم عليه وقال: قَدْ رَأيْتُهُ فى الجنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولًا (^١).
أَخبرنا علىّ بن محمد بن عبد الله بن أبى سيف القرشى عن إسماعيل بن مجالد عن مجالد [عن] (^٢) الشَّعْبىّ عن عبد الرحمن بن زَيد بن الخطّاب قال: قال زَيد بن عَمرو بن نفيل: شاممت النصرانيّة واليهوديّة فكرهتهما، فكنتُ بالشأم وما والاه حتى أتيتُ راهبًا فى صومعة، فوقفتُ عليه، فذكرتُ له اغترابى عن قومى وكراهتى عبادة الأوثان واليهودية والنصرانيّة، فقال لى: أراك تريد دين إبراهيم! يا أخا أهل مكّة إنّك لتطلب دينًا ما يؤخذ اليوم به، وهو دين أبيك إبراهيم، كان حنيفًا لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، كان يصلّى ويسجد إلى هذا البيت الذى ببلادك، فالحقْ ببلدك، فإنّ نبيًّا يُبْعث من قومك فى بلدك يأتى بدين إبراهيم بالحنيفية، وهو أكرم الخلق على الله (^٣).
أخبرنا علىّ بن محمد عن أبى عُبيدة بن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسِر وغيره عن هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة قالت: سَكَن يهودى بمكّة يبيع بها تجارات، فلمّا كان ليلة وُلد رسول الله، -ﷺ-، قال فى مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه، قال: أخطأتُ والله حيثُ كنتُ أكره، انظروا يا معشر قريش وأحْصُوا ما أقول لكم: وُلِد الليلة نَبىّ هذه الأمّة أحمد الآخِر، فإن أخطأكم فبِفلَسْطين، به شامةٌ بين
_________________
(١) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك ج ٢ ص ٢٩٥ نقلا عن ابن سعد.
(٢) ل عن مجالد الشعبى وكذا فى طبعتى إحسان وعطا وهما ينقلان عن ل والتكملة والتصويب من م، والمزى ج ٢٧ ص ٢١٩.
(٣) ابن هشام: السيرة ج ١ ص ٢٣١.
[ ١ / ١٣٦ ]
كتفيه سوداء صفراء فيها شعرات متواترات، فتصدّع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا فى منازلهم ذكروا لأهاليهم، فقيل لبعضهم: وُلد لعبد الله بن عبد المطّلب الليلة غلام فسماه محمّدًا، فالتقوا بعدُ من يومهم فأتوا اليهودىّ فى منزله فقالوا: أعلمت أنه وُلد فينا مولود؟ قال: أبعدَ خَبرى أم قَبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد، قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرَجوا معه حتى دخلوا على أمه، فأخرَجته إليهم، فرأى الشَّامة فى ظهره، فغُشى على اليهودى ثمّ أفاق، فقالوا: ويْلك! ما لك؟ قال: ذهبت النُّبوّة من بنى إسرائيل وخرَج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب يقتلهم ويبير أَحْبَارَهم (^١)، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم. يا معشر قريش؟ أمَا واللهِ ليسطوَن بكم سَطْوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب (^٢).
أخبرنا علىّ بن محمّد عن يحيَى بن مَعن أبى زكريّاء العجلانى عن يعقوب ابنُ عتبة بن المغيرة بن الأخْنَس قال: إنّ أوّل العرب فَزَع لرمى النّجوم ثَقِيف، فأتوا عمرو بن أُمية فقالوا: ألم تَرَ ما حدَث؟ قال: بَلَى، فانْظروا فإن كانت مَعَالِمُ النجوم التى يُهْتَدى بها ويُعْرَف بها أنواء الصيف والشّتاء انتثرت فهو طى الدنيا وذهاب هذا الخَلْق الذى فيها، وإن كانت نجومًا غيرها فأمرٌ أراد الله بهذا الخلق ونَبىّ يُبعث فى العرب فقد تُحُدّث بذلك.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن أبى زكرياء العجلانى عن محمّد بن كعب القرظى قال: أوحَى الله إلى يعقوب أنى أبعثُ من ذُرّيّتك ملوكًا وأنبياء حتى أبعث النبىّ الحرمىّ الذى تبنى أمّته هَيْكل بيت المقدس، وهو خاتم الأنبياء، واسمه أحمد.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن علىّ بن مجاهد عن حميد بن أبى البَخْتَرى عن الشَّعْبى قال فى مجلّة إبراهيم، -ﷺ-: إنّه كائن من ولدك شعوب وشعوب حتى يأتى النبى الأُمىّ الذى يكون خاتم الأنبياء.
_________________
(١) كذا فى م وقد وضعت فيها علامة الإهمال تحت الراء فى (يبير) والحاء، فى (أحبارهم) وفى ل "ويبزّ أخبارهم" وفى تعليق الأستاذ محمود شاكر "نص المخطوطة هو الصواب" وقد تحرفت "يبير أحبارهم" إلى "يبزّ أخبارهم" فى طبعتى إحسان وعطا وفى النهاية (بور) مُبير: أى مُهْلِك.
(٢) الصالحى: سبل الهدى ج ١ ص ٤٠٩ عن ابن سعد.
[ ١ / ١٣٧ ]
أخبرنا علىّ بن محمد عن سليمان القافلانى عن عَطاء عن ابن عبّاس قال: لمّا أُمِرَ إبراهيم بإخراج هاجَر حُمل على البُراق، فكان لا يمرّ بأرض عَذْبة سهلة إلّا قال: انزلْ هاهنا يا جبريل. فيقول: لا، حتى أتى مكّة، فقال جبريل: انزِلْ يا إبراهيم، قال: حيث لا ضَرْع ولا زَرْع؟ قال: نَعَمْ هاهنا يخرج النبىّ الذى من ذُرّيّة ابنك الّذى تُتَمّ به الكلمة العُلْيا.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن أبى عَمرو الزهرىّ عن محمّد بن كعب القرظى قال: لمّا خرجت هاجر بابنها إسماعيل تلقّاها مُتلقّ فقال: يا هاجر إنّ ابنك أبو شُعوب كثيرة، ومن شعبه النبىّ الأُميّ ساكن الحَرَم.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن أبى مَعشر عن يزيد بن رومان وعاصم بن عمر وغيرهما أن كعب بن أسد قال لبنى قرَيظة حين نزل النبىّ، -ﷺ-، فى حصنهم: يا مَعْشَر يهود تابعوا الرجل فوالله إنّه النبىّ، وقد تبيّن لكم أنّه نبىّ مرْسَل وأنّه الذى كنتم تجدونه فى الكتب، وأنّه الّذى بَشَّر به عِيسَى، وإنّكم لَتعرِفون صفته، قالوا: هو به ولكن لا نُفارق حكم التوراة.
أخبرنا علىّ بن محمد عن علىّ بن مجاهد عن محمّد بن إسحاق عن سالم مولى عبد الله بن مطيع عن أبى هريرة قال: أتى رسول الله، -ﷺ-، بيت المِدْراس فقال: أَخْرِجُوا إلىَّ أعْلَمَكُمْ، فقالوا: عبد الله بن صُورِيا، فخلا به رسول الله، -ﷺ-، فَنَاشَدَه بدينه وبما أنْعمَ الله به عليهم وأطعمهم من المنّ والسَّلْوَى وظَلَّلَهم به من الغَمام: أتَعْلَمُ أنّى رسُول الله؟ قال: اللهمّ نعم وإنّ القوم ليَعرفون ما أعرف. وإنّ صفتك ونعتك لمبيّن فى التوراة، ولكنهم حسدوك، قال: فَما يَمْنَعُكَ أنْتَ؟ قال: أكره خلاف قومى، وعسى أن يتّبعوك ويُسْلِموا فأُسْلم (^١).
أخبرنا علىّ بن محمد عن أبى مَعشر عن محمّد بن جعفر بن الزبير ومحمّد بن عُمارة بن غَزِيّة وغيرهما قالوا: قَدِم وفد نَجران، وفيهم أبو الحارث بن عَلقمة بن ربيعة، له علم بدينهم ورئاسة، وكان أسقُفهم وإمامهم وصاحب مِدْرَاسِهم وله فيهم قَدْر، فَعَثُرَت به بَغلته، فقال أخوه: تَعِس الأبعد، يريد رسول الله، -ﷺ-،
_________________
(١) انظر ابن هشام ج ٢ ص ٥٦٤ فما بعدها.
[ ١ / ١٣٨ ]
فقال أبو الحارث: بلْ تَعسْتَ أنْتَ، أتشتم رجلًا من المُرْسَلين؟ إنّه الذى بشر به عيسى وإنّه لفى التوراة! قال: فما يمنعك من دينه؟ قال: شرّفنا هؤلاء القوم وأكرَمونا ومَوّلونا وقد أَبَوْا إلّا خلافه، فحلف أخوه ألا يَثنى له صَعَرًا حتى يقدم المدينة فيؤمن به، قال: مهلًا يا أخى فإنّما كنتُ مازِحًا، قال: وإن، فمضى يضرب راحلته وأنشأ يقول:
إلَيْكَ تَعْدُو (^١) قَلِقًا وضِينُها … مُعْتَرِضًا فى بَطْنِهَا جَنِينُها
مُخَالِفًا دِينَ النّصَارَى دينُهَا
قال: فَقَدِم وأسلم.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن أبى علىّ العبدى عن محمّد بن السّائب عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: بعثت قريش النَّضر بن الحارث بن عَلْقَمة وعُقْبة بن أبى مُعَيْط وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم: سَلُوهم عن محمّد، فَقَدِموا المدينة فقالوا: أتيناكم لأمرٍ حدث فينا، منّا غلامٌ يتيمٌ حقيرٌ يقول قولًا عظيمًا يزعم أنه رسول الرحمن، ولا نعرفُ الرحمن إلا رَحْمان اليَمامة، قالوا: صِفُوا لنا صِفته، فَوَصَفوا لهم، قالوا: فمَن تَبِعه منكم؟ قالوا: سِفْلتنا، فضَحَك حَبْرٌ منهم وقال: هذا النبىّ الذى نجد نعته ونجد قومه أشدّ النّاس له عداوة.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن يزيد بن عياض بن جُعْدُبَةَ عن حَرام بن عثمان الأنصارىّ قال: قَدِم أسْعد بن زُرَارة من الشأم تاجِرًا فى أربعين رجُلًا من قومه، فرأى رؤيا أنّ آتيًا أتاه فقال: إنّ نبيًّا يخرج بمكّة يا أبا أُمامة فاتّبعه، وآية ذلك أنّكم تَنزلون منزلًا فيُصَاب أصحابُك فَتَنجو أنْت وفلان يُطْعَنُ فى عَيْنِه، فنزلوا منزلًا فَبَيَّتَهم الطّاعون فأُصِيبوا جميعًا غير أبى أُمامة وصاحب له طُعِن فى عينه.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن سعيد بن خالد وغيره عن صالح بن كيسان أنّ خالد بن سعيد قال رأيتُ فى المنام قبل مَبعث النبىّ، -ﷺ-، ظُلْمة غَشِيَتْ مكّة حتى ما أرى جبلًا ولا سهلًا، ثمّ رأيتُ نورًا يخرج من زَمزم مثلَ ضَوء المِصباح
_________________
(١) فى المطبوع "يغدو" وفى المخطوط "تغدو" وقد اتبعت ما ورد لدى ابن هشام ج ٢ ص ٥٧٤، والنويرى ج ١٨ ص ١٢٢ وهو ينقل عن ابن سعد، والصالحى ج ٢ ص ٦٢٢ وج ٦ ص ٦٥٠. ولدى ابن الأثير فى النهاية (وضن) ومنه حديث ابن عمر "إليك تَعْدُو قَلقا وضِينُها" والوضين: الحزام.
[ ١ / ١٣٩ ]
كلّما ارتفع عَظُم وسَطَع حتى ارتفعَ فأضاءَ لى أوّل ما أضاءَ البيت، ثمّ عَظُم الضوء حتى ما بَقى من سَهل ولا جَبل إلّا وأنا أراه، ثمّ سطَعَ فى السماء، ثم انحدرَ حتى أضاءَ لى نخل يَثْرب فيها البُسْر، وسمعتُ قائلًا يقول فى الضّوء: سبحانه سبحانه تمّت الكلمة وهَلَك ابن مارد بهضبة الحصى بين أذْرُحَ والأكَمَة، سَعِدَتْ هذه الأمّة، جاء نَبى الأُميين، وبلَغ الكتابُ أجله، كذبته هذه القرية، تُعذّبُ مرّتين، تتوبُ فى الثالثة، ثلاثٌ بقيت، ثِنتان بالمشرق وواحدة بالمغرب، فقصَّها خالد بن سعيد على أخيه عمرو بن سعيد، فقال: لقد رأيْت عجبًا وإنى لأرى هذا أمرًا يكون فى بَنى عبد المطّلب إذْ رأيت النّور خَرَجَ من زَمزم.
أخبرنا علىّ بن محمد عن مسلمة بن علقمة عن داود بن أبى هند قال: قال ابن عبّاس: أوحَى الله إلى بعض أنبياء بنى إسرائيل: اشتدّ غضبى عليكم من أجل ما ضَيَّعتم من أمرى، فإنى حلَفتُ لا يأتيكم رُوح القدس حتى أبعث النبى الأُمى من أرض العرب الذى يأتيه روح القدس.
أخبرنا علىّ بن محمّد عن محمّد بن الفضل عن أبى حازم قال: قَدِم كاهن مَكّة ورسولُ الله، -ﷺ-، ابن خمس سنين وقد قدمتْ بالنبىّ، -ﷺ-، ظِئره إلى عبد المطّلب وكانت تأتيه به فى كلّ عام، فنظر إليه الكاهن مع عبد المطّلب فقال: يا معشرَ قريش اقْتلوا هذا الصبىّ، فإنّه يقتلكم ويفرّقكم، فهرَبَ به عبد المطّلب، فلم تَزَل قريش تخشَى من أمره ما كان الكاهن حذَّرهم.
أخبرنا علىّ بن محمد عن علىّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن عاصم ابن عُمر بن قتَادة عن علىّ بن حسين قال: كانت امرأة فى بنى النّجّار يُقالُ لها فاطمة بنت النعمان كان لها تابعٌ من الجِنّ، فكان يأتيها، فأتَاهَا حين هاجَر النبىّ، -ﷺ-، فانقضَّ على الحائط، فقالت: ما لك لم تأتِ كما كنتَ تأتى؟ قال: قد جاء النبى الذى يحرِّم الزّنا والخمر.
أخبرنا علىّ بن محمد عن وَرقاء بن عمر عن عَطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: لما بُعث محمّد، -ﷺ-، دُحِرَ الجنّ وَرُمُوا بالكواكب، وكانوا قبل ذلك يستمعون، لكلّ قَبِيل من الجنّ مقعدٌ يستمعون فيه، فأوّل مَن فزع لذلك أهل الطائف فجعلوا يذبَحون لآلهتهم من كان له إبل أو غَنم كلّ يوم حتى
[ ١ / ١٤٠ ]
كادت أموالهم تَذهب، ثمّ تَناهوا وقال بعضهم لبعض: ألا تَرون معالم السماء كما هى لم يذهب منها شئ! وقال إبليس: هذا أمرٌ حدَث فى الأرض، ائتونى من كلّ أرض بتُربة، فكان يُؤتَى بالتربة فيشمّها ويلقيها، حتى أُتى بتُربة تِهامة فشَمَّها وقال: هاهنا الحدث (^١).
أخبرنا علىّ بن محمّد عن عبد الله بن محمّد القرشى من بنى أسد بن عبد العُزَّى عن الزُّهرى قال: كان الوحى يُستمع، وكان لامرأة من بنى أسد تابع، فأتاها يومًا وهو يصيح: جاء أمرٌ لا يُطاق، أحمد حرَّم الزّنا، فلمّا جاء الله بالإسلام مُنِعوا الاستماع (^٢).
أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثنى عبد الله بن يزيد الهذلى عن سعيد بن عمرو الهذلى عن أبيه قال: حضرتُ مع رجالٍ من قومى صَنمَنا سُوَاع وقد سُقنا إليه الذبائح، فكنتُ أوّل مَن قرَّب إليه بقرة سمينة فذبحتها على الصنم، فسمعنا صوتًا من جوفها: العجب العجب كلّ العجب، خروجُ نبىّ بين الأخاشب يحرّم الزنا، ويحرّم الذبح للأصنام، وحُرست السّماء، وَرُمِينا بالشُّهب فَتفَرّقنا، وقدمنا مكّة فسألنا فلم نجد أحدًا يخبرنا بخروج محمد، -ﷺ-، حتى لقينا أبا بكر الصّدّيق فقلنا: يا أبا بكر، خرج أحدٌ بمكّة يدعو إلى الله يقال له أحمد؟ قال: وما ذاك؟ قال: فأخبرته الخبر، فقال: نَعم هذا رسول الله. ثمّ دعانا إلى الإِسلام، فقلنا: حتى ننظر ما يصنع قومنا، ويا ليت أنّا أسلمنا يومئذ. فأسلمنا بعده.
أخبرنا محمد بن عمر الأسْلمى قال: حدّثنى عبد الله بن يزيد الهذلى عن عبد الله بن ساعدة الهُذلى عن أبيه قال: كنّا عند صنمنا سُوَاع وقد جلبتُ إليه غنمًا لى مائتى شاة قد كان أصابها جَرَب. فأدنيتُها منه أطلبُ بَرَكته، فسمعتُ مناديًا من جوف الصنم يُنادى: قد ذهبَ كيْد الجنّ ورُمينا بالشُّهب لنبىّ اسمه أحمد، قال: قلتُ عُبّرتُ والله، فأصرف وجه غنمى منحدرًا إلى أهلى، قال: فلقيتُ رجلًا فخبرنى بظهور رسول الله، -ﷺ-.
_________________
(١) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٢٦٧.
(٢) الصالحى: سبل الهدى ج ٢ ص ٢٦٨.
[ ١ / ١٤١ ]
أخبرنا علىّ بن محمّد عن عبد الرحمن بن عبد الله عن محمّد بن عمر الشامى عن أشياخه قالوا: كان رسول الله، -ﷺ-، فى حِجْر أبى طالب، وكان أبو طالب قليل المال، كانت له قطعة من إبل فكان يُؤتَى بلبنها، فإذا أكل عيال أبى طالب جميعًا أو فُرَادى لم يَشْبعوا. وإذا أكل معهم النبىّ، -ﷺ-، شَبِعوا، فكان إذا أرادَ أن يطعمهم قال: أربعوا حتى يحضر ابنى، فيحضر فيأكل معهم فيفضل من طعامهم، وإن كان لَبَنٌ (^١) شرب أولهم ثمّ يناولهم يشربون فَيَرْوَوْنَ عن (^٢) آخرهم، فيقول أبو طالب: إنّك لمبُارَك! وكان يصبح الصبيان شُعثًا رُمْصًا، ويصبح النبىّ، -ﷺ-، مَدْهُونا مَكْحولًا. قالت أمّ أَيمن: ما رأيتُ النبى، -ﷺ-، شَكَا، صغيرًا ولا كبيرًا، جوعًا ولا عطشًا، كان يغدو فيشرب من زَمزم فأعرض عليه الغذاء فيقول: لا أرِيدُهُ، أنَا شَبْعَانُ (^٣).
* * *