قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى عن غير واحد من عُلماء أهْل المدينة قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قالوا: تزوّج كلاب بن مرّة بن كعب بن لُؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك فاطمة بنت سعْد بن سَيَل واسم سيل خَيْر بن حَمَالة -بن عوف (^١) بن عامر- وهو الجادر، وكان أوّل مَن بَنى جِدار الكعبة - ابن عمرو بن جُعْثُمة بن مُبَشِّر بن صَعْب بن دُهْمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبْد الله بن مالك بن نصر بن الأزد.
وكان جعثمة خرج أيّام خرجت الأزد من مأرِب، فنزل فى بنى الدِّيل بن بكر ابن عبد منَاة بن كِنانة فحالفهم وزوّجهم وزوّجوه فولدت فاطمة بنت سعد لكلاب ابن مرّة زُهرة بن كلاب، ثمّ مكثت دهرًا، ثمّ ولدت قصيًّا فسمّى زيدًا، وتُوفى كلاب بن مُرّة وقدم ربيعة بن حرام بن ضِنّة بن عبد بن كبير بن عُذرة بن سعد بن زيد أحد قضاعة فاحتملها إلى بلاده من أرض عُذرة من أشراف الشأم إلى سرْغ وما دونها، فتخلّف زهرة بن كلاب فى قومه لكبره وحملت قصيًّا معها لصغره وهو يومئذٍ فطيم، فسمىّ قُصيًّا لتقصيها به إلى الشأم، فولدت لربيعة رِزاحًا، وكَان قصىّ ينسب إلى ربيعة بن حَرام فناضل رجلًا من قضاعة يدعى رُقَيْعًا، قال هشام ابن الكلبىّ: وهو من عذرة، فنضله قصىّ فغضب المنضول فوقع بينهما شرّ حتى تقاولا وتنازعا، فقال رُقيع: ألا تلحق ببلدك وقومك؟ فإنّك لست منّا (^٢).
_________________
(١) ابن الكلبى: جمهرة النسب ج ١ ص ٢٥.
(٢) راجع الطبرى ج ٢ ص ٢٥٥.
[ ١ / ٤٨ ]
فرجع قصىّ إلى أمّه فقال: مَنْ أبى؟ فقالت: أبوك ربيعةُ، قال: لو كنت ابنه ما نُفيتُ! قالت: أوَقد قال هذا؟ فوالله ما أحَسَن الجوار، ولا حفظ الحقّ، أنْت والله يا بُنىّ أكرم منه نفسًا ووالدًا ونسَبًا وأشرف منزلًا! أبوك كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة القرشىّ، وقومك بمكّة عند البيت الحرام فما حوله، قال: فوالله لا أُقيم ههنا أبدًا! قالت: فأقِم حتّى يجئ إبّان الحجّ فتخرج فى حاجّ العرب فإنى أخشى عليك أن يصيبك بعض النّاس (^١)، فأقام، فلمّا حضر ذلك بعثته مع قوم من قضاعة فقدم مكّة، وزهرة يومئذ حىّ، وكان أشعر وقصىّ أشعر، فأتاه فقال له قصىّ: أنا أخوك، فقال: ادنُ منّى، وكان قد ذهب بصره وكَبِر، فلمسه فقال: اعرف والله الصّوت والشّبه!
فلمّا فرغ من الحجّ عالجه القُضاعيّون على الخروج معهم والرّجوع إلى بلادهم فَأَبَى وأقام بمكّة، وكان رجلًا نهدًا نسيبًا فلم ينشب أن خطب إلى حُليل بن حُبْشيّة بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لُحَىّ الخُزاعىّ ابنته حُبّى، فعرف حُليل النسب ورغب فيه فزوّجه، وحُليل يومئذٍ يلى أمر مكّة والحكم فيها وحجابة البيت، ثمّ هلك حُليل فحجب البيت ابنه المحترش، وهو أبو غُبْشان، وكانت العرب تجعل له جُعْلًا فى كلّ موسم، فقصّروا به فى بعض المواسم منعوه بعض ما كانوا يعطونه، فغضب فدعاه قصىّ فسقاه، ثمّ اشترى منه البيت بأذْوادٍ، ويقال بِزِقّ خمر، فرضى ومضى إلى ظهر مكّة (^٢).
قال: وأخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى عبد الله بن عمرو بن زهير عن عبد الله بن خِداش بن أميّة الكعبىّ عن أبيه قال: وحدَّثتنى فاطمة بنت مسلم الأسلميّة عن فاطمة الخزاعيّة -وكانت قد أدركت أصحاب رسول الله، -ﷺ- قالا: لمّا تزوّج قصىّ إلى حُليل بن حُبْشِيّة ابنتَه حُبّى وولدت له أولاده، قال حُليل: إنّما وَلَدُ قصىّ وَلَدى، هُم بنو ابنتى، فأوصى بولاية البيت والقيام بأمر مكّة إلى قصىّ، وقال: أنْت أحقّ به.
_________________
(١) كذا م، ل، أما الطبرى ج ٢ ص ٢٥٥ "البَأْس".
(٢) الطبرى ج ٢ ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ١ / ٤٩ ]
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، وهشام بن محمّد الكلبىّ الأول، قالوا: ويُقال إنّه لمّا هلك حُليل بن حُبْشيّة، وانتشر ولد قصىّ، وكَثُرَ ماله، وعظم شرفه، رأى أنّه أولى بالبيت وأمر مكّة من خزاعة وبنى بكر، وأنّ قريشًا فَرْعَةُ (^١) إسماعيل بن إبراهيم، وصريحُ ولده، فكلّم رجالًا من قريش وبنى كِنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكّة، وقال: نحن أَوْلَى بهذا منهم، فأجابوه إلى ذلك وتابعوه، وكتب قصىّ إلى أخيه ابن أُمّه رِزاح (^٢) بن ربيعة بن حرام العُذرى يدعوه إلى نصرته، فخرج رِزاح وخرج معه إخوته لأبيه حُنّ ومحمود وجُلْهُمة فيمن تبعه من قُضاعة حتى قدموا مكّة، وكانت صُوفة، وهم الغَوْثُ بن مرّ، يدفعون بالناس من عرفة ولا يرمون الجمار حتى يرمى رجل من صوفة، فلمّا كان بعد ذلك العام فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل، فأتاها قُصىّ بمن معه من قومه من قريش وكِنانة وقُضاعة عند العقبة فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروهم، فاقتتلوا قِتالًا شديدًا حتى انهزمَت صوفة، وقَال رزاح: أجِز قصىّ، فأجاز الناس وغلبهم على ما كان فى أيديهم من ذلك، فلم تزل الإفاضة فى ولد قصىّ إلى اليوم (^٣).
وندمت خُزاعة وبنو بكر فانحازوا عنه، فأجمع قصىّ لحربهم فاقتتلوا قِتالًا شديدًا بالأبطح حتى كثرت القتلى فى الفريقين، ثمّ تَداعوا إلى الصّلح وحكّموا بينهم يَعْمُر بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد منَاة بن كِنانة، فقضى بينهم بأنّ قصىّ بن كلاب أولى بالبيت وأمرِ مكّة من خُزاعة، وأنّ كلّ دم أصابه قصىّ من خزاعة وبنى بكر موضوعٌ يَشْدَخُهُ تحت قدميه، وأنّ ما أصابت خُزاعة وبنُو بكر من قريش وبنى كِنانة ففيه الدية، وأن يُخَلّى بين قصىّ وبين البيت وأمر مكّة، فسمّى يومئذ يعمر الشدّاخ لِما شدخ من الدماء (^٤).
_________________
(١) فرعة الجبل: أعلاه؛ يريد أن قريشا فى الذروة من ولد إسماعيل. ولدى ابن هشام: "قرعة" والقرعة: نخبة الشئ وخياره.
(٢) رِزاح: "بكسر الراء" قيده ابن ناصر الدين فى توضيح المشتبه ج ٤ ص ٩١.
(٣) الخبر لدى الطبرى ج ٢ ص ٢٥٧ - ٢٥٨ مع اختلاف فى الرواية.
(٤) الطبرى ج ٢ ص ٢٥٨.
[ ١ / ٥٠ ]
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا موسى بن يعقوب الزَّمْعىّ عَن عَمّته عن أمّها كريمة بنت المقداد عن أبيها قال: لما فرغ قصىّ ونفى خُزاعة وبنى بكر عن مكّة تجمّعت إليه قريش فسمّيت يومئذ قريشًا لحال تجمّعها، والتقرّش: التجمّعُ، فلمّا استقرّ أمرُ قصىّ انصرف أخوه لأمّه رِزاح بن ربيعة العُذرى بمن معه من إخوته وقومه، وهم ثلاثمائة رجل، إلى بلادهم، فكان رِزاح وحُنّ يواصلان قصيًّا ويوافيان الموسم فينزلان معه فى داره ويريان تعظيم قريش والعرب له، وكان يكرمهما ويصلهما وتكرمهما قريش لِمَا أبْلياهم وأوْليَاهم من القيام مع قصىّ فى حرب خزاعة وبكر.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: إنّما سُمّوا قريشًا لأنّ بنى فهر الثلاثة كان اثنان منهم لأمّ والآخر لأمّ أخرى، فافترقوا فنزلوا مكانًا من تَهَمَة مكّة، ثمّ اجتمعوا بعد ذلك، فقالت بنو بكر: لقد تقرّش بنو جَنْدَلَة، وكان أوّل من نزل من مضر مكّة خزيمة بن مدركة، وهو الذى وضع لِهُبَلَ الصّنم موضعه فكان يقال له صنم خزيمة، فلم يزل بنوه بمكّة حتى ورث ذلك فهر بن مالك، فخرجت بنو أسد ومن كان من كِنانة بها فنزلوا منازلهم اليوم.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد الكلبىّ عن أبيه قال: وُلد لقصىّ بن كلاب ولدهُ كلّهم من حُبّى بنت حُلَيْل: عبدُ الدّار بن قُصىّ، وكان بكره، وعبدُ مَناف ابن قصىّ. واسمه المغيرة، وعبد العزّى بن قصىّ، وعبد بن قصىّ، وتَخْمُر بنت قُصىّ، وبرّة بنت قصىّ (^١).
قال: أخبرنا هشام بن محمّد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: كان قصىّ يقول: وُلد لى أربعة رجال، فسمّيت اثنين بإلهى، وواحِدًا بدارى، وواحِدًا بنفسى، فكان يُقال لعبد بن قصىّ عبد قصىّ، واللّذين سمّاهما بإلهه عبد مَناف وعبد العزّى، وبداره عبد الدار (^٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر الزهرىّ
_________________
(١) ابن الكلبى: جمهرة النسب ج ١ ص ٢٦.
(٢) الخبر لدى النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٣٢.
[ ١ / ٥١ ]
قال: وجدتُ فى كتاب أبى بكر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مخرمة، أخبرنا محمد بن جُبير بن مُطعم قال: وأخبرنا هشام بن محمّد الكلبىّ قال: أخبرنى أبى عن أبى صالح عن ابن عبّاس قالا: كان قصىّ بن كلاب أوّل ولد كعب بن لؤىّ، أصاب مُلكًا أطاع له به قومه، فكان شريف أهل مكّة لا يُنَازَعُ فيها، فابتنى دار النّدْوَة وجعل بابها إلى البيت، ففيها كان يكون أمر قريش كلّه وما أرادوا من نِكاح أو حرب أو مشورة فيما ينوبهم، حتى إن كانت الجارية تبلغ أن تُدَرّع (^١) فما يُشَقّ دِرْعُهَا إلّا فِيهَا، ثمّ يُنطلَق بها إلى أهلها، ولا يعقدون لواء حرب لهم ولا من قوم غيرهم إلّا فى دار النّدوة، يعقده لهم قصىّ، ولا يُعذَر لهم غلام إلّا فى دار النّدْوة، ولا تخرج عِيرٌ من قُريْش فيرحلون إلّا منها، ولا يقدمون إلّا نزلوا فِيها تشريفًا له وتَيَمّنًا برأيه ومعرفةً بفضله، ويتبعون أمره كالدّين المتَّبَع لا يُعمل بغيره فى حياته وبعْد موته، وكانت إليه الحجابة والسّقاية والرّفادة واللّواء والنّدوة وَحُكْمُ مكّة كلّه، وكان يَعْشر من دخل مكّة سِوى أهلها (^٢).
قال: وإنّما سُمّيت دار النّدوة لأنّ قريشًا كانوا يَنْتَدون فيها، أى يجتمعون للخير والشرّ، والنَّدِىّ: مَجْمع القوم إذا اجتمعوا، وقطع قصىّ مكّة رِباعًا بين قومه، فأنزل كلّ قوم من قريش منازلهم التى أصبحوا فيها اليوم، وضاق البلد وكان كثير الشجر العِضاه والسّلَم، فهابت قريش قطع ذلك فى الحرم، فأمرهم قصىّ بقطعه، وقال: إنّما تقطعونه لمنازلكم ولخططِكم، بَهْلَةُ (^٣) الله على من أراد فسادًا! وقطع هو بيده وأعوانه فقطعت حينئذ قريش وسمّته مُجَمِّعًا لِمَا جَمّعَ من أمرها، وتيمنت به وبأمره، وشرّفته قريش وملّكته، وأدخل قصىّ بطون قريش كلّها الأبطح، فَسُمّوا قريش البطاح.
وأقام بنو مَعيص بن عامر بن لؤى، وبنو تيم الأدرم بن غالب بن فهر، وبنو
_________________
(١) ادرعت الجارية: لبست الدرع.
(٢) الخبر لدى ابن هشام: السيرة النبوية ج ١ ص ١٢٥ وانظره لدى النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٩.
(٣) لدى ابن الأثير فى النهاية (بهل) فى حديث أبى بكر "من ولى أمر الناس. . . فعليه بهلة الله" أى لعنة الله.
[ ١ / ٥٢ ]
محارب بن فهر، وبنو الحارث بن فهر، بظهر مكّة، فهؤلاء الظواهر لأنهم لم يهبطوا مع قصىّ إلى الأبطح، إلّا أنّ رَهْطَ أبى عُبيدة بن الجرّاح، وهم من بنى الحارث بن فهر، نزلوا الأبطح فهم مع المُطَيَّبين أهل البطاح؛ وقد قال الشاعر فى ذلك وهو ذَكوان مولى عمر بن الخطّاب للضحّاك بن قَيس الفِهْرى حين ضربه:
فلو شَهِدَتْنِى منْ قُرَيْشٍ عِصابَةٌ … قرَيشُ البطَاحِ لا قرَيشُ الظّواهرِ
وقال حذافة بن غانم العدوى لأبى لهب بن عبد المطّلب:
أبوكم قُصىّ كان يُدْعَى مُجَمِّعًا … به جَمّعَ الله القَبائِلَ من فِهْرِ
فدعى قصىّ مجمِّعًا بجمعه قريشًا، وبقصىّ سمّيت قريش قريشًا، وكان يُقال لهم قبل ذلك بنو النّضر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أنّ عبد الملك بن مروان سأل محمّد بن جُبير: متى سُمّيت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرّقها، فذلك التجمّع التقرّش، فقال عبد الملك: ما سمعتُ هذا، ولكِن سَمعتُ أنّ قصيًّا كان يُقال له القرشىّ، ولم تسم قريش قبله (^١).
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبرة عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف قال: لمّا نزل قصىّ الحرم وغلب عليه فعل أفْعالًا جميلة فقِيل له القرشىّ، فهو أوّل مَن سُمّى به (^٢).
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَة عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى جهم قال: النّضر بن كِنانة كان يسمى القرشىّ (^٣).
قال: وأخبرنا محمّد بن عمر عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن عتبة
_________________
(١) أورده الطبرى فى تاريخه ج ٢ ص ٢٦٥ نقلا عن ابن سعد.
(٢) أورده الطبرى فى تاريخه ج ٢ ص ٢٦٥ نقلا عن ابن سعد.
(٣) نفس المصدر، وعن ابن سعد.
[ ١ / ٥٣ ]
الأخنسىّ قال: كانت الحُمْسَ قريشٌ وكِنانة وخُزاعة ومَن ولدته قريش من سائر العرب. وقال محمد بن عمر بغير هذا الإسناد، أو حليفٌ لقريش.
قال محمد بن عمر: والتحمّس أشياء أحدثوها فى دينهم تحمّسوا فيها، أى شدّدوا على أنفسهم فيها، فكانوا لا يخرجون من الحرم إذا حجّوا، فقصروا عن بلوغ الحقّ، والذى شرع الله، ﵎، لإبراهيم وهو موقف عرفَة، وهو من الحِلّ، وكانوا لا يَسْلَئُون (^١) السمن ولا ينسجون مظالّ الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم، وشرعوا لمن قدم من الحاجّ أن يطوف بالبيت وعليه ثيابه ما لم يذهبوا إلى عَرَفَة، فإذا رجعوا من عرفَة لم يطوفوا طَواف الإفاضة بالبيت إلّا عُراة أو فى ثوبَى أحْمَسى، وإن طاف فى ثوبيه لم يحلّ له أن يلبسهما.
قال محمد بن عمر: وقصىّ أحدث وقود النّار بالمزدلفة حين وقف بها حتى يراها مَن دَفَعَ من عرفة، فلم تزل توقد تلك النّار تلك الليلة، يعنى ليلة جَمْع فى الجاهليّة (^٢).
قال محمّد بن عمر: فأخبرنى كثير بن عبد الله المزنى عن نافع عن ابن عمر قال: كانت تلك النّار توقد على عهد رسول الله، -ﷺ-، وأبى بكر وعمر وعثمان. قال محمّد بن عمر: وهى توقد إلى اليوم (^٣).
وفرض قصىّ على قريْش السقاية والرفادة، فقال: يا معشر قريش إنّكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحاجّ ضِيفان الله، وزوّار بيته، وهم أحقّ الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيّام الحجّ، حتى يصدروا عنْكم، ففعلوا فكانوا يُخرجون ذلك كلّ عامٍ من أموالهم خرجًا يترافدون ذلك فيدفعونه إليه فيصنع الطّعام للناس أيام مِنًى وبمكّة، ويصنع حياضًا للماء من أدم فيسقى فيها بمكّة ومنًى وعرفة، فجرى ذلك من أمره فى الجاهليّة على قومه حتى قام الإِسلام، ثمّ جرَوا فى الإِسلام على ذلك إلى اليوم (^٤).
_________________
(١) سَلَأَ السَّمْنَ: طَبَخَهُ وعالجه.
(٢) أورده الطبرى ج ٢ ص ٢٦٥ عن ابن سعد.
(٣) نفس المصدر، وعن ابن سعد.
(٤) الخبر لدى ابن هشام فى السيرة ج ١ ص ١٣٠.
[ ١ / ٥٤ ]
فلمّا كبر قصىّ ورقّ، وكان عبد الدار بِكره وأكبر ولده، وكان ضعيفًا وكان إخوته قد شَرُفوا عليه، فقال له قصىّ: أمَا والله يا بنىّ لألحقنّك بالقوم وإنْ كانُوا قد شرفوا عليك، لا يدخل أحد منهم الكعبة حتى تكون أنْت الذى تفتحها له، ولا تعقد قريش لواءً لحربهم إلّا كنت أنت الذى تعقده بيدك، ولا يشرب رجل بمكّة إلّا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهْل الموسم طعامًا بمكّة إلّا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرًا من أمورها إلّا فى دارك، فأعطاه دار النّدوة وحجابة البيت واللواء والسقاية والرفادة وخصّه بذلك ليُلحقه بسائر إخوته، وتوفى قصىّ فدفن بالحَجُون، فقالت تَخْمُر بنت قصىّ ترثى أباها:
طَرَقَ النّعىُّ بُعيدَ نَوْم الهُجّدِ … فنعى قصيًّا ذا الندَى وَالسّودَدِ
فنعى المُهذَّبَ من لُؤىّ كلّهَا … فانهلّ دمعى كالجُمانِ المفرَدِ
فأرِقْتُ من حُزْنٍ وهَمٍّ داخلٍ … أرَقَ السليمِ لِوَجْدِهِ المُتفَقِّدِ
* * *