أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني محمّد بن لوط النّوْفَلي عن عَون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: وحدّثني عائذ بن يحيَى عن أبي الحُوَيْرث قال: وحدَّثني محمّد بن عبد الله ابن أخي الزّهريّ عن أبيه عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذْريّ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لمّا رأت قريش ظهور الإسلام وجلوس المسلمين حول الكعبة سُقِط في أيديهم، فمشوا إلى أبي طالب حتى دَخَلوا عليه فقالوا: أنْت سيدنا وأفضلنا في أنفسنا، وقد رأيتَ هذا الذي فعلَ هؤلاء السُّفهاء مع ابن أخيك من تركهم آلهتنا وطَعنهم علينا وتَسْفِيههم أحلامنا، وجاءوا بعُمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا: قد جئناك بفتى قريش جمالًا ونسبًا ونَهادة وشعرًا ندفعه إليك فيكون لك نصره وميراثه وتدفع إلينا ابن أخيك فنقتله، فإنّ ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مَغَبّةً، قال أبو طالب: والله ما أنْصَفْتُموني، تُعطونني ابنكم أَغذُوه لكم وأعطيكم ابن أخي تقتلونه؟ ما هذا بالنّصَف، تسومونني سوم العرير الذليل! قالُوا: فأرْسِلْ إليه فلنعطه النّصَف، فأرسل (* إليه أبو طالب، فجاء رسول الله، - ﷺ -، فقال: يابن أخي هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا ينصفونك، فقال رسول الله، - ﷺ -: قُولُوا أسْمَعْ، قالوا: تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك، قال أبو طالب: قد أنصَفَك
_________________
(١) أورده صاحب الكنز برقم ٢٤٩٠٠ عن ابن سعد. (* - *) قارن بالنويري ج ١٦ ص ٢٠١ - ٢٠٢.
[ ١ / ١٧١ ]
القوم فاقبل منهم، فقال رسول الله، - ﷺ -: أرَأيْتُمْ إنْ أعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ هَلْ أنْتُمْ مُعْطِيّ كَلِمَةً إنْ أنْتُمْ تَكَلّمْتُمْ بهَا مَلَكْتُمْ بهَا العَرَبَ وَدَانَتْ لَكُمْ بهَا العَجَمُ؟ فقال أبو جهل: إنّ هذه لكلمة مُرْبحة، نعم وأبيك لنقولنّها وعشر أمثالها، قال: قُولُوا لا إلَهَ إلّا الله، فاشمأزّوا ونفَرُوا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون: اصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد، ويقال: المتكلّم بهذا عقبة بن أبي مُعَيْط، وقالوا: لا نعود إليه أبدًا، وما خير من أن يُغْتالَ محمّد، فلمّا كان مساء تلك الليلة فُقِدَ رسول الله، - ﷺ -، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتيانًا من بني هاشم وبني المطّلب ثمّ قال: ليأخذْ كلّ واحدٍ منكم حديدة صارمة ثمّ ليتبعني إذا دخلتُ المسجد، فلينظر كلّ فتًى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم ابن الحَنْظَلِيّة، يعني أبا جَهل، فإنّه لم يغب عن شرّ إن كان محمّد قد قُتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة فوجدَ أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد أحسست ابن أخي؟ قال: نعم كنتُ معه آنفًا، فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبدًا حتى أراهُ، فخرَج زَيدٌ سريعًا حتى أتى رسول الله، - ﷺ -، وهو في بيت عند الصَّفَا ومعه أصحابه يتحدّثون، فَأَخْبَرَهُ الخبر، فجاء رسول الله، - ﷺ -، إلى أبي طالب، فقال: يابن أخي أين كنت؟ أكنتَ في خيرٍ؟ قال: نَعَمْ، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله، - ﷺ -، فلمّا أصبح أبو طالب غَدا على النبيّ، - ﷺ -، فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش، ومعه الفتيان الهاشميون والمطّلبيون، فقال: يا معشر قريش هل تدرون ما هَممتُ به؟ قالوا: لا، فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عمّا في أيديكم، فَكَشَفُوا، فإذا كلّ رجل منهم معه حديدة صارمة، فقال: والله لو قتلتموه ما بَقَّيْتُ منكم أحدًا حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم وكان أشدّهم انكسارًا أبو جهل *).
* * *