قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى موسى بن شيبة عن عُمَيرة بنت عُبيد الله بن كعب بن مالك عن بَرّة بنت أبى تَجْرَاةَ قالت: أوّل من أرضع رسول الله، -ﷺ-، ثُوَيْبَة بلبن ابن لها، يقال له مسْرُوح، أيّامًا قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطّلب، وأرضعت بعده أبا سلمة ابن عبد الأسد المخزومى (^١).
قال: وأخبرنا محمّد بن عمر عن مَعْمَر عن الزهرى عن عُبيد الله بن عبد الله ابن أبى ثور عن ابن عبّاس قال: كانت ثُويبة مولاة أبى لهب قد أرضعت رسول الله، -ﷺ-، أيّامًا قبل أن تقدم حليمة، وأرضعت أبا سلمة بن عبد الأسد معه، فكان أخاه من الرضاعة (^٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن مَعْمَر عن الزهرى عن عروة بن الزبير أن ثُويبة كان أبو لهب أعتقها فأرضعت رسول الله، -ﷺ-، فلمّا مات أبو لهب رآه بعض
_________________
(١) أورده النويرى ج ١٦ ص ٨٠ من طريق الواقدى.
(٢) أورده النويرى ج ١٦ ص ٨٠، والصالحى ج ١ ص ٤٥٧.
[ ١ / ٨٧ ]
أهله فى النوم بشَرّ حِيبَة (^١)، فقال: ماذا لقيتَ؟ قال أبو لهب: لم نذُق بعدكم رخاء، غير أنى سُقيتُ فى هذه بعتاقتى ثُويبة، وأشار إلى النّقَيرة التى بين الإبهام والتى تليها من الأصابع (^٢).
قال: وأخبرنا محمّد بن عمر عن غير واحد من أهل العلم قالوا: وكان رسول الله، -ﷺ-، يَصِلها وهو بمكّة، وكانت خديجة تُكرمها، وهى يومئذ مملوكة، وطلبت إلى أبى لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبَى أبو لهب، فلمّا هاجر رسول الله، -ﷺ-، إلى المدينة أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله، -ﷺ-، يبعث إليها بصِلة وكِسوة، حتى جاءه خبرها أنّها قد توفيت سنة سبع، مَرْجعَه من خيبر، فقال: مَا فَعَلَ ابنُهَا مَسْرُوح؟ فقيل: مات قبلها ولم يَبقَ من قَرابتها أحد (^٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن إبراهيم بن عبّاس عن القاسم بن عبّاس اللَّهَبىّ قال: كان رسول الله، -ﷺ-، بعد أن هاجر يسأل عن ثُوَيبة فكان يبعث إليها بالصلة والكِسوة حتى جاءه خبرها أنّها قد ماتت، فسأل: من بقى من قرابتها؟ قالوا: لا أحد.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا مَعْمَر عن يحيَى بن أبى كثير عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله، -ﷺ-: حَمْزَةُ بنُ عبد المطَّلِب أخى مِنَ الرضَاعَةِ.
قال: أخبرَنا محمّد بن عمر، حدّثنى عمر بن سعيد بن أبى حسين عن ابن أبى مُلَيْكة قال: كان حمزة بن عبد المطّلب رضيع رسول الله، -ﷺ-، أرضعتهما امرأة من العرب، كان حمزة مسترضعًا له عند قوم من بنى سعد بن بكر، وكانت أمّ حمزة قد أرضعت رسول الله، -ﷺ-، يومًا وهو عند أمّه حليمة (^٤).
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهْب المصرى عن مَخْرَمَة
_________________
(١) لدى ابن الأثير فى النهاية (حيب) فى حديثه عروة "لما مات أبو لهب أُرِيَهُ بعض أهله بِشَرّ حِيبة" أى بِشَرّ حالٍ. والحيبَة والحَوْبَة: الهم والحزن.
(٢) انظره لدى الصالحى ج ١ ص ٤٥٧.
(٣) نقله النويرى فى نهاية الأرب ج ١٦ ص ٨٠ - ٨١.
(٤) الصالحى ج ١ ص ٤٦٠.
[ ١ / ٨٨ ]
ابن بُكير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن مسلم يقول: سمعت محمّد بن مسلم، يعنى أخاه الزهرى، يقول: سمعتُ حميد بن عبد الرحمن بن عوف يقول: سمعتُ أمّ سلمة زوج النبىّ، -ﷺ-، قالت: قيل له: أين أنت يا سول الله من ابنة حمزة؟ أو قيل له: ألا تخطب ابنة حمزة؟ قال: إنّ حَمزةَ أخى مِنَ الرّضَاعَةِ (^١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا همّام بن يحيَى، أخبرنا قتادة عن جابر ابن زيد عن ابن عبّاس أنّ رسول الله، -ﷺ-، أريد على ابنة حمزة فقال: إنّهَا ابْنَةُ أخى مِنَ الرّضَاعَةِ وَإنهَا لا تَحِلّ لى وَإنّهُ يحْرُمُ منَ الرّضَاعَة مَا يحْرُمُ مِنَ النّسَبِ.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ عن علىّ بن زيد بن جُدعان عن سعيد بن المسيّب أنّ علىّ بن أبى طالب، ﵇، قال: قلتُ لرسول الله، -ﷺ-، فى ابنة حمزة وذكرت له من جمالها، فقال رسول الله، -ﷺ-: إنّهَا ابْنَةُ أخى مِنَ الرّضَاعَةِ، أمَا عَلِمْت أنّ الله حَرّمَ مِنَ الرّضَاعَة مَا حَرّمَ مِنَ النّسَبِ؟
حدّثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليدَ الطّيالسىّ، أخبرنا شعبة عن محمّد بن عُبيد الله قال: سمعتُ أبا صالح عن علىّ قال: ذكرتُ ابنة حمزة لرسول الله، -ﷺ-، فقال: هىَ ابْنَةُ أخى مِنَ الرّضَاعَة.
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطى، أخبرنا ليث بن سعد عن يزيد بن أَبِى حَبِيب عن عِراك بن مالك أنّ زينب بنت أبى سلمة أخبرته أن أمّ حبيبة قالت لرسول الله، -ﷺ-: إنّا قد حُدّثنا أنّك ناكح دُرّة بنت أبى سلمة، فقال رسول الله، -ﷺ-: أعَلَى أمّ سَلمَةَ؟ وقال: لَوْ أنّى لَمْ أنْكَحْ أمّ سَلمَةَ مَا حَلّتْ لى، إنّ أبَاهَا أخى مِنَ الرّضَاعةِ (^٢).
قال: أخبرنَا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، أخبرنا زكريّاء بن يحيَى بن يزيد السعدى عن أبيه قال: قدم مكّة عشر نسوة من بنى سعد بن بكر يطلبن
_________________
(١) الصالحى ج ١ ص ٤٦٢.
(٢) انظره لدى الصالحى ج ١ ص ٤٦٢.
[ ١ / ٨٩ ]
الرضاع، فأصبن الرضاع كلهنّ إلّا حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن سِجْنَة (^١) ابن جابر بن رِزَام بن ناصرة بن فُصَيّة بن نصر بن سعد بن بكر بن هَوَازن بن منصور بن عِكْرمة بن خَصَفة بن قَيس بن عيلان بن مُضر، وكان معها زوجها الحارث بن عبد العُزّى بن رفاعة بن مِلّان بن ناصرة بن فُصَيّة بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن ويكنى أبا ذُؤيب وولدُها منه عبد الله بن الحارث، وكانت تُرضعه، وأنيسة بنت الحارث وجُدامة بنت الحارث وهى الشّيْماء، وكانت هى التى تحضن رسول الله، -ﷺ-، مع أمها وَتَوَرَّكُهُ، فَعُرِضَ عليها رسول الله، -ﷺ-، فجعلت تقول: يتيم ولا مال له، وما عست أمّه أن تفعل؟ فخرج النّسوة وخلَّفنها، فقالت حليمة لزوجها: ما ترى؟ قد خرج صواحبى وليس بمكّة غلام يُستَرضع إلّا هذا الغلام اليتيم، فلو أنّا أخذناه، فَإنّى أكره أن نرجع إلى بلادنا ولم نأخذ شيئًا، فقال لها زوجها: خُذيه عَسَى الله أن يجعل لنا فيه خيرًا، فجاءت إلى أُمّه فأخذته منها فوضعته فى حجرها، فأقبل عليه ثدياها حتى يقطُرا لبنًا، فشرب رسول الله، -ﷺ-، حتى روى، وشَرِب أخوه.
ولقد كان أخوه لا ينام من الغَرَث (^٢)، وقالت أمّه: يا ظِئرُ (^٣) سلى عن ابنك فَإِنَّهُ سيكون له شأنٌ، وأخبرتها ما رأت وما قيل لها فيه حين ولدته، وقالت: قيل لى ثلاث ليال: استرضعى ابنك فى بنى سعد بن بكر، ثمّ فى آلِ أبى ذؤيب، قالت حليمة: فإنّ أبا هذا الغلام الذى فى حِجرى أبو ذؤيب، وهو زوجى، فطابَت نَفسُ حليمة وسرّت بكلّ ما سمعت، ثمّ خرجت به إلى منزلها، فحدجوا أتانهم، فركبتها حليمة وحملت رسول الله -ﷺ-، بين يديها ورَكِبَ الحارثُ شَارِفَهم فطلعا على صواحبها به بوادى السِّرَر، وهنّ مُرتِعات وهما يتواهقان، فَقُلْنَ: يا حليمة ما صنعتِ؟ فقالت: أخذتُ والله خير مولود رأيته قطّ وأعظمهم بَرَكة، قال النسوة: أهو ابن عبد المطّلب؟ قالت: نعم! قالت: فما رحلنا من منزلنا ذلك حتى رأيت الحسد من بعض نسائنا.
_________________
(١) قيده الصالحى فى سبل الهدى ج ١ ص ٤٦١ بسين مهملة مكسورة فجيم ساكنة فنون مفتوحة وفى ل، م "شجنة".
(٢) الغرث: الجوع.
(٣) الظِّئر: المرضِعة غيرَ ولدها (النهاية).
[ ١ / ٩٠ ]
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: وذكر بعض الناس أنّ حليمة لما خرجت برسول الله، -ﷺ-، إلى بلادها قالت آمنة بنت وهب:
أعيذُهُ بالله ذى الجلالِ … من شرّ ما مرّ على الجبالِ
حتى أراهُ حامل الكلَالِ (^١) … وَيَفْعَلَ العُرْفَ إلى الموَالى
وغيرِهم من حِشْوَة الرجالِ
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن أصحابه قال: مكث عندهم سنتين حتى فُطِم، وكأنّه ابن أربع سنين، فَقَدِموا به على أُمه زائرين لها، وأخبرتها حليمةُ خبره وما رأوا من بَرَكته، فقالت آمنةُ: ارجعى بابنى فإنى أخاف عليه وَبَاء مكّة، فوالله ليكوننّ له شأن! فرجعت به، ولما بلغ أربع سنين كان يغدو مع أخيه وأخته فى البهْمِ قريبًا من الحى، فأتاه الملَكَان هناك فَشَقّا بطنه واستخرَجا عَلَقَةً سَوْداءَ فَطَرَحاها وغَسَلا بطنه بماء الثلج فى طَسْت من ذهب، ثمّ وُزِنَ بألفٍ من أُمته فوزنهم، فقال أحدهما للآخر: دَعْه، فلو وُزِن بأمّته كلّها لوزنهم! وجَاء أخوه يصيح بأمّه: أدركى أخى القرشىّ! فخرجت أمّه تعدو ومعها أبوه فيجدان رسول الله، -ﷺ-، مُنْتَقعَ اللون، فنزلت به إلى آمنة بنت وهب وأخبرتها خبره وقالت: إنّا لا نَرُدّهُ إلّا على جَدْعٍ آنُفِنَا، ثمّ رَجعت به أيضًا فكان عندها سنةً أو نحوها لا تَدعه يذهب مكانًا بعيدًا، ثمّ رأت غَمَامَةً تُظِلّه إذا وقفَ وقفت، وإذا سارَ سارت، فأفزَعها ذلك أيضًا من أمره، فَقَدِمَتْ به إلى أُمه لتردّه وهو ابن خمس سنين فأضلّها فى الناس فالتمسته فلم تَجده، فأتت عبد المطلب فأخبرته، فالتمسه عبد المطّلب فلم يجده: فقام عند الكعبة فقال:
لاهمّ أدّ راكبى مُحمّدَا … أدّهْ إلىّ وَ(^٢) اصْطَنعْ عِنْدى يَدَا
_________________
(١) كذا فى م وبهذا الضبط. وفى ل "الحِلَال" وقد علق الأستاذ محمود شاكر على ذلك بقوله: "كلال -بالكسر- جمع كَلّ، وما كان على (فَعْل) فى المضاعف فالأغلب فى جمعه "فُعولٌ وفِعالٌ" نحو صك وصكوك وصكاك. و(كَلَال) بالفتح كأنه جمع كَلَالة، وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام (وفى الحديث تحمل الكَلَّ) و(الحلال) صواب أيضا".
(٢) لدى النويرى ج ١٦ ص ٨٥ "اردده ربى" ولدى الصالحى ج ١ ص ٤٧٦ "اردده لى" وكلاهما ينقل عن ابن سعد.
[ ١ / ٩١ ]
أنت الذى جعلته لى عَضُدَا … لا يبعدِ الدهرُ به فَيَبْعَدَا
أنت الذى سَمّيتهُ مُحَمّدَا (^١)
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطىّ، أخبرنا خالد بن عبد الله عن داود ابن أبى هند عن العباس بن عبد الرحمن عن كِنْدِير بن سعيد عن أبيه قال: كنت أطوف بالبيت فإذا رجلٌ يقول:
ربّ (^٢) رُدَّ إلىَّ رَاكبى محمّدَا … رُدّهْ إلىَّ واصْطَنِعْ عِنْدى يَدَا
قال قلت: مَن هذا؟ قالوا: عبد المطّلب بن هاشم بعث بابن ابن له فى طلب إبلٍ له ولم يبعث به فى حاجة إلَّا نَجح، فما لبثنا أن جاء فضمَّه إليه وقال: لا أبعثُ بك فى حاجة.
قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ العَنبرى، أخبرنا ابن عَون عن ابن القِبْطية قال: كان النبىّ، -ﷺ-، مسترضَعًا فى بنى سعد بن بكر.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا همّام بن يحيَى عن إسحاق بن عبد الله أنّ أمّ النبىّ، -ﷺ-، لما دفعته إلى السعدية التى أرضعته قالت لها: احفظى ابنى، وأخبرتها بما رأت، فمرّ بها اليهود، فقالت: ألا تحدّثونى عن ابنى هذا فإنى حملته كذا ووضعته كذا ورأيتُ كذا كما وَصَفت أُمّه، قال: فقال بعضهم لبعض: اقتلوه، فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا، هذا أبوه وأنا أمّه، فقالوا: لو كان يتيمًا لقَتَلناه (^٣)! قال: فذهبت به حليمة وقالت: كدتُ أخرّب أمانتى، قال إسحاق: وكان له أخٌ رضيع، قال: فجعل يقول له: أترى أنّه يكون بَعْثٌ؟ فقال النبىّ، -ﷺ-: أمَا والّذى نَفْسى بيدِهِ لآخُذَنّ بيَدِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلأعْرِفَنّكَ: فقال: فلمّا آمَنَ بعد موت النبىّ، -ﷺ-، جعل يجلس فيبكى ويقول: إنما أرجو أن يأخذ النبىّ، -ﷺ-، بيدى يوم القيامة فأنجو.
_________________
(١) انظره لدى النويرى ج ١٦ ص ٨٥، والصالحى ج ١ ص ٤٧٦.
(٢) ربّ: الكلمة زائدة على الوزن، فالبيت به خزم. والخزم فى الشعر: زيادة تكون فى أول البيت لا يعتد بها فى التقطيع. هذا وقد وردت الرواية لدى البلاذرى ج ١ ص ٨٢ بنفس الإسناد لدى ابن سعد دون تصديرها بكلمة "رب" هكذا "رُدّ علىّ راكبِى محمدَا".
(٣) أورده النويرى ج ١٦ ص ٨٦ نقلا عن ابن سعد.
[ ١ / ٩٢ ]
قال: أَخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا زكريّاء بن يحيَى بن يزيد السعدىّ عن أبيه قال: قال رسول الله، -ﷺ-: أنَا أعْرَبُكُمْ أنَا مِنْ قرَيْشٍ وَلِسَانى لِسَان بَنى سَعْدِ بن بَكْر.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا أُسامة بن زَيد اللّيثى عن شيخ من بنى سعد قال: قَدِمَت حليمة بنت عبد الله على رسول الله، -ﷺ-، مكّة، وقد تزوّج خديجة، فَتَشَكّت جَدْبَ البلاد وهَلاك الماشية، فكلّم رسول الله، -ﷺ-، خديجة فيها فأعطتها أربعين شاة وبعيرًا مُوَقَّعًا للظعينة وانصرفت إلى أهلها.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير الهَمْدَانِىّ، أخبرنا يحيَى بن سعيد الأنصارى عن محمّد بن المنكدر قال: استأذنت امرأة على النبىّ، -ﷺ-، قد كانت أرضعته، فلمّا دخلت عليه قال: أُمّى أُمى! وَعَمَد إلى رِدائه فبَسَطَه لها فقعَدَت عليه.
قال: أخبرنا إبراهيم بن شمّاس السّمرقندى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السِّينانىّ عن عيسى بن فَرْقد عن عمر بن سعد قال: جاءت ظِئر النبى إلى النبى، -ﷺ-، فَبَسَط لها رداءَه وأدخل يده فى ثيابها ووضعها على صدرها، قال: وقضى حاجتها، قال: فجاءت إلى أبى بكر فبسط لها رداءَه وقال لها: دعينى أضع يدى خارجًا من الثياب، قال: ففعل وقضى لها حاجتها، ثمّ جاءت إلى عمر ففعل مثل ذلك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن مَعْمَر عن الزهرى وعن عبد الله بن جعفر وابن أبى سَبْرَة وغيرهم قالوا: قَدِم وفدُ هَوَازن على رسول الله -ﷺ-، بالجِعِرّانَة (^١) بعدما قسم الغنائم وفى الوفد عمّ النبىّ، -ﷺ-، من الرّضاعة أَبو ثَرْوان، فقال يومئذ: يا رسول الله، إنّما فى هذه الحظائر مَن كان يكفلك من عمّاتك وخالاتك وحواضِنك، وقد حضنّاك فى حجورنا وأرضعناك بثُديّنا، ولقد رأيتك مُرْضَعًا فما رأيتُ مُرْضَعًا خيرًا منك، ورأيتك فطيمًا فما رأيتُ فَطيمًا خيرًا منك، ثمّ رأيتك شابًّا فما رأيتُ شابًا خيرًا منك، وقد تكاملتْ فيك خلالُ الخير،
_________________
(١) الجِعِرَّانة: بكسر أوله إجماعا، وأصحاب الحديث يكسرون عينه ويشددون راءه، وأهل الأدب يخطئونهم ويسكنون العين ويخففون الراء - والجعرانة بين مكة والطائف.
[ ١ / ٩٣ ]
ونحن مع ذلك أصلك وعشيرتك، فامنُنْ علينا مَنَّ اللهُ عليك! فقال رسول الله، -ﷺ-: قَدِ اسْتَأْنَيْتُ بكُمْ حَتى ظَنَنْتُ أنكُم لا تَقْدَمُونَ، وقد قسم النبىّ، -ﷺ-، السَّبْى وجَرَت فيه السُّهْمَان، وقدم عليه أربعة عشر رجلًا من هَوَازن مُسلمين وجاءُوا بإسلام مَن وراءهم من قومهم، وكان رأسَ القوم والمتكلّمَ أبو صُرَد زُهَير بن صُرد فقال: يا رسول الله إنّا أصلٌ وَعَشِيرةٌ، قد أصابنا من البَلاء ما لا يَخْفَى عليك يا رسول الله، إنّما فى هذه الحظائر عَمّاتُك وخَالَاتُك وحَوَاضِنُك اللّاتى هنّ يَكْفُلْنَكَ، ولو أنّا ملحنا للحارث بن أبى شَمِر أو للنُّعمان بن المنذر ثمّ نزلا منّا بمثل الذى نزلتَ به رَجَونا عَطْفهما وعائِدتهما وأنت خير المكفولين، ويقال إنّه قال يومئذ أبو صُرَد: إنّما فى هذه الحظائر أخواتُك وعَمّاتُك وخالاتُك وبناتُ عمّك وبناتُ خالاتك وأبعدهنّ قريب منك، بأبى أنتَ وأمّى! إنّهنّ حضنّك فى حُجورهنّ وأرضعنَك بثُديّهنّ وتوركنك على أوراكهنّ، وأنت خير المكفولين، فقال رسول الله، -ﷺ-: إنّ أحْسَنَ الحَديثِ أصْدَقُهُ وَعِنْدى مَنَ تَرَوْنَ منَ المُسْلمينَ أَفَأبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤكُمْ أحَبّ إلَيْكُمْ أمْ أَمْوَالُكُمْ؟ فقالوا: يا رسول الله خيَّرتنا بين أحْسَابنا وأموالنا، وما كنّا لنعدل بالأحْساب شيئًا، فَرُدّ علينا أبناءنا ونساءنا، فقال النبىّ، -ﷺ-: أمّا ما لى ولبَنى عَبْدِ المُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ وَأسْألُ لَكُمُ النّاسَ فَإذا صَلّيْتُ بالنّاسِ الظُّهْرَ فَقُولوا نَسْتَشْفِعُ برَسُول الله إلى المُسْلِمينَ وَبالمُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ الله، فَإنّى سَأقُولُ لَكُمْ مَا كَانَ لى وَلِبَنى عَبْدِ المُطَّلبِ فهُوَ لَكُمْ، وَسَأطْلُبُ لَكُمْ إلى النّاسِ: فلمّا صلّى رسول الله، -ﷺ-، الظّهر، قاموا فَتَكَلّموا بالذى قال لهم رسول الله، -ﷺ-، فَرَدّ عليهم رسول الله، -ﷺ-، ما كان لهُ ولبنى عبد المطّلب، وَرَدّ المهاجرون وَرَدّ الأنصار، وسأل لهم قبائل العرب فاتفقوا على قول واحد بتسليمهم ورضاهم ودَفْع ما كان فى أيديهم من السَّبى إلّا قومًا تمسّكوا بما فى أيديهم فأعطاهم إبلًا عوضًا من ذلك.
* * *