قال: أخبرنا محمد بن حميد أبو سفيان العبدى عن سفيان بن سعيد الثورىّ عن هشام بن سعد عن سعيد المَقْبُرِى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله، -ﷺ-: النّاسُ وَلَدُ (^١) آدَمُ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ.
أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمد بن عبد الله الأسدى قالا: أخبرنَا سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: خلق آدم من أرض يقال لها دَحْنَاء (^٢).
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدىّ وخلاد بن يحيَى قالا: أخبرنا مِسْعَر عن أبى حُصَيْن قال: قال لى سعيد بن جبير أتدرى لِمَ سُمّىَ آدَم؟ لأنّه خُلِق من أديم الأرض.
قال: أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن قَسَامَةَ بن زُهير قال: سمعت أبا موسى الأشعرىّ يقول: قال رسول الله، -ﷺ-: إن الله خَلَقَ آدَمَ مِنْ قُبْضَةٍ
_________________
(١) الناس ولد: م "الناس من ولد" وتتفق رواية ل هنا مع السيوطى فى الجامع الصغير ج ٢ ص ١٨٨ وهو ينقل عن ابن سعد.
(٢) قال ياقوت: دَحْنا: بفتح أوله وسكون ثانيه ونون. وألفه يروى فيها القصر والمد. وهى أرض خلق الله تعالى منها آدم.
[ ١ / ٩ ]
قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ والأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وبَيْنَ ذلكَ والسّهْلُ وَالحَزْنُ والخَبِيثُ والطيّبُ (^١).
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا المعتمر بن سليمان عن عاصم الأحول عن أبى قُلابة قال: خُلق آدم من أديم الأرض كلّها من أسودها وأحمرها وأبيضها وحَزْنها وسهلها. قال: وقال الحسن مثله: وخُلق جُؤجؤه من ضَريّة.
قال: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قَطَن، أخبرنا شعبة عن أبى حصين عن سعيد بن جبير قال: إنّما سمى آدم لأنّه خُلق من أديم الأرض وإنّمَا سمى إنسانًا لأنّه نسى.
قال: أخبرنا حسين بن حسن الأشقر (^٢). أخبرنا يعقوب بن عبد الله القُمّى عن جعفر، يعنى ابن أبى المُغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود قال: إنّ الله بعثَ إبليس فأخذ من أديم الأرض من عَذْبها ومِلْحها، فخلق منها آدم، فكلّ شئ خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنّة وإن كان ابن كافر، وكلّ شئ خلقه من مِلحها فهو صائر إلى النّار وإن كان ابن تَقِىّ، قال فمِنْ ثَمّ قال إبليس: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [سورة الإسراء: ٦١] لأنّه جاء بالطينة، قال فسُمى آدم، لأنه خُلق من أديم الأرض.
قال: أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب ويونس بن محمد المؤدب قالا: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت البُنَانى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، -ﷺ-: إنّ الله لمّا صَوّرَ آدَمَ تَرَكَهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَجَعَلَ إبْليسُ يُطِيفُ بهِ، فلمّا رَآهُ أجْوَفَ عَرَفَ أنّهُ خَلْقٌ لا يَتَمَالَك (^٣).
قال: أخبرنا معاذ بن معاذ العنبرى، أخبرنا سليمان التيمى، أخبرنا أبو عثمان النَّهْدِى عن سَلمان الفارسىّ أن ابن مسعود قال: خَمّر الله طينة آدم أربعين ليلة،
_________________
(١) أورده السيوطى فى الجامع الصغير ج ١ ص ٧٠ ورمز له بالصحة.
(٢) ل: الأشقرى: وهو خطأ صوابه من: م والخلاصة والتقريب واللباب وتحرف الأشقر فى طبعتى إحسان وعطا إلى "الأشقرى".
(٣) أخرجه مسلم فى صحيحه كتاب البر والصلة، باب خلق الإنسان خلقا لا يتمالك ج ٢ ص ٤٤٠ - وعن أنس.
[ ١ / ١٠ ]
أو قال أربعين يومًا، ثم ضرب بيده فيه فخرج كلّ طيّب فى يمينه، وخرج كل خبيث فى يده الأخرى، ثم خلّط بينهما، قال: فمن ثَمّ يخرج الحىّ من الميت والميت من الحىّ.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس المدنى، حدّثنى أَبِى، عن عون بن عبد الله بن الحارث الهاشمى عن أخيه عبد الله بن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: قال رسول الله، -ﷺ-: إنّ الله خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعانى قال: حدّثنى عبد الصمد بن مَعْقِل أنّه سمع وهب بن مُنَبّه يقول: خلَق اللهُ ابن آدم كما شاء وممّا شاء فكان كذلك، تبارَك الله أحسن الخالقين، خُلق من التراب والماء، فمنه لحمه ودمه وشَعره وعِظامه وجسده كلّه، فهذا بدء الخلق الذى خلق الله منه ابن آدم، ثُمّ جعلت فيه النفس، فبها يقوم ويقعد ويسمع ويُبصر، ويعلم ما تعلم الدواب، ويتقى ما تتقى، ثمّ جعل فيه الروح، فبِهِ عرف الحقّ من الباطل، والرشد من الغىّ، وبه حذّر وتقدّم، واستتر وتعلّم، ودبّر الأمور كلها.
قال: أخبرنا خلاد بن يحيَى، أخبرنا هشام بن سعد، أخبرنا زَيد بن أَسْلَم عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله، -ﷺ-: لَمّا خَلَقَ الله آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ من ظَهْرِهِ كُلّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمّ جَعَلَ بَيْنَ عَيْنَىْ كُلّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبيصًا مِنْ نُورٍ ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلى آدَمَ فَقَالَ: أىْ رَبّ مَنْ هَؤلاء؟ قَالَ: هَؤلاءِ ذُرّيّتُكَ. فَرَأى رَجُلًا مِنْهُمْ أعْجَبَهُ نُورُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أىْ رَبّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ ذُرّيّتِكَ فى آخِرِ الأمَمِ يُقَالُ لَهُ دَاوُدُ. قَالَ: أىْ رَبّ كَمْ عُمرُهُ؟ قَالَ: سِتّونَ سَنَةً. قَالَ: فَزِدْهُ مِنْ عُمُرى أرْبَعينَ سَنَةً. قَالَ: إذًا تُكْتَبُ وَتُخْتَمُ وَلا تُبَدّلُ (^١). قَالَ: فَلَمّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ. قَالَ: أوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرى أرْبَعُون سَنَةً؟ قَالَ: أوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ قَالَ رسول الله،
_________________
(١) وردت الأفعال تكتبَ وتختمَ ولا تبدلَ منصوبة فى "ل" وقد علق عليها الأستاذ محمود شاكر بقوله: "الرفع هو الصحيح عندى هنا. لأن ما بعد إذن ليس جوابًا وجزاءًا أو لا يشبه ما بعد إذن ما قبلها وليس مخاطبا به آدم، بل خوطبت به الكتبة الذين يكتبون آجال بنى آدم".
[ ١ / ١١ ]
-ﷺ-: فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرّيّتُهُ، وَنَسِىَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرّيّتُهُ، وَخَطِئَ (^١) آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرّيّتُهُ (^٢).
أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب، أخبرنا حمَّاد بن سَلَمة عن علىّ بن زيد عن يوسف بن مِهران عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت آيةُ الدَّين قال رسول الله، -ﷺ-: إنّ أوّلَ مَنْ جَحَدَ آدَمُ، ﵇، وكرّرها ثلاثًا، إنّ الله لمّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَأخْرَجَ ذُرّيّتَهُ فَعَرَضَهُمْ عَلَيْهِ، فَرَأى فِيهِمْ رَجُلًا يُزْهِرُ (^٣) فَقَالَ: أىْ رَبّ أىّ بَنىّ هذا؟ قَال: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ. قَالَ: فَكَمْ عُمُرُهُ؟ قَالَ: سِتّونَ سَنَةً. قالَ: أىْ رَبّ زِدْهُ فى عُمُرِهِ. قَالَ: لا إلّا أنْ تَزيدَهُ أنْتَ مِنْ عُمُرِكَ، قَالَ وَكَانَ عُمُرُ آدَمَ ألْفَ سَنَة، قَالَ: أىْ رَبّ زِدْهُ مِنْ عُمُرى. قَالَ: فَزَادَهَ أرْبَعينَ سَنَةً وكَتَبَ عَليْهِ كِتابًا وأشْهَدَ عَلَيْه المَلائكةَ فَلَمّا احْتُضِرَ آدَمُ أتَتْهُ المَلائكَةُ لِتَقْبِضَ رُوحَهُ فَقَالَ: إنّهُ قَدْ بَقِىَ مِنْ عُمُرى أرْبَعُونَ سَنَةً، فَقَالُوا: إنّكَ جَعَلْتَهَا لابْنِكَ دَاوُدَ. فَقَالَ: أىْ رَبّ مَا فَعَلْتُ؟ فَأنْزَلَ الله عَلَيْهِ الكِتَابَ وَأقَامَ عَلَيْهِ البَيّنَةَ، ثُمّ أكْمَلَ الله، ﷿ لآدَمَ ألْفَ سَنَةٍ، وَأكْمَلَ لِدَاوُدَ مِائَةَ سَنَة (^٤).
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ، وهو ابن عُلَيّةَ، عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، فى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (^٥) [سورة الأعراف: ١٧٢]. فمسح ربّك ظَهْرَ آدَمَ، فخرجت كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم
_________________
(١) خطئ -بكسر الطاء- أى أذنب وعصى.
(٢) أخرجه الترمذى كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الأعراف رقم ٣٠٧٦ وقال: حسن صحيح. وأخرجه الحاكم فى المستدرك كتاب التفسير، تفسير سورة الأعراف ج ٢ ص ٣٥٥.
(٣) يزهر: رجل أزهر، أى أبيض مشرق الوجه.
(٤) أورده الهيثمى فى مجمع الزوائد ج ٨ ص ٢٠٦، وقال: رواه أحمد والطبرانى. وفيه: على بن زيد وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.
(٥) بمتن ل "ذرياتهم، وبهامشها "وفى طبعة فليجل "ذُرّيَّتَهُم" وبالمثل صيغة الجمع "ذرِّياتهم" والرواية التى وصلتنا تتفق مع ما ورد بجميع مخطوطات ابن سعد التى لدينا. انظر البيضاوى فى هذا الصدد (تحقيق فليشر Fleisher ج ١ ص ٣٥١). حيث ورد (وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب "ذرّيّاتهم". وقد علق الأستاذ محمود شاكر على ذلك بقوله "قرأ ابن كثير والكوفيون بغير ألف على التوحيد فى المواضع الثلاثة (هنا وفى الطور ويس) ووافقهم أبو عمرو عَلَى حرف يس - وقرأ الباقون بالألف على الجمع مع كسر التاء فى المواضع الثلاثة (فرش الحروف فى كتاب النشر ج ٢ ص ٢٦٣).
[ ١ / ١٢ ]
القِياِمة بنَعمانَ هذا الذى وراء عرفة، فأخذ ميثاقهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾.
قال إسماعيل: فحدثنا ربيعة بن كلثوم عن أبيه فى هذا الحديث: ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: مسح ربّك ظهر آدم بنَعْمانَ هذه، فأخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثمّ أخذ عليهم الميثاق قال: ثمّ تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (^١).
أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطى، أخبرنا منصور، يعنى ابن أبى الأسود، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: خلق الله آدم بدحْناء فمسح ظهره، فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، قال: ألَسْتُ بِرَبّكِمْ قَالُوا بَلَى. قال: يقول الله: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ قال سعيد: فيرون أنّ الميثاق أُخِذَ يومئذ.
قال: أخبرنا موسى بن مسعود أبو حذيفة النهدىّ، أخبرنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصارى عن أبى لبابة ابن عبد المنذر أن رسول الله، -ﷺ-، قال: يَوْمُ الجُمُعَةِ سَيّدُ الأيّامِ وأعْظَمُهَا عِنْدَ الله، خَلَقَ الله فِيهِ آدَمَ وَأهْبَطَ فِيهِ آدَمَ إلى الأرْضِ وَفِيهِ تَوَفّى الله آدَمَ.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن محمد بن عَمرو (^٢) عن أبى سلمة عن عبد الله بن سلام قال: خَلَقَ الله آدَمَ فى آخر يوم الجمعة.
أخبرنا عمرو بن الهيثم، أخبرنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: قال سلمان إنّ أوّل ما خُلق من آدَم رأسُه فجُعل يُخلق جسده وهو ينظر، قال: فبقيت رجلاه
_________________
(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك، ج ٢ ص ٥٩٣، كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين - ذكر آدم ﵇.
(٢) عَمرو، تحرفت فى ل وطبعتى إحسان وعطا إلى "عمر" والتصويب من م والعبر والميزان وتهذيب التهذيب والخلاصة.
[ ١ / ١٣ ]
عند العصر، قال: يا رَبّ الليل أعْجَل قد جاء الليل، قال الله: وَخُلِقَ الإنْسانُ عَجُولًا (^١).
قال: أخبرنا محمد بن حُمَيد العبدى عن مَعْمَر عن قتادة فى قوله: منْ طِينٍ، قال: استُلّ آدم من الطين.
قال: أخبرنا محمد بن حُمَيد العبدى عن معمر عن قتادة فى قوله: ﴿أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٤]؛ قال: يقول بعضهم هو نبات الشعر، وقال بعضهم نفخ الروح.
أخبرنا حمّاد بن خالد الخيّاط عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد قال: حدّثنى عبد الرحمن بن قَتادة السلمى، وكان من أصحاب النبىّ، -ﷺ-، قال: سمعت رسول الله، -ﷺ-، يقول: إن الله خَلَقَ آدَمَ ثم أخذ الخلق من ظَهْرِهِ، فَقَالَ هَؤلاءِ فى الجنة ولا أُبَالى، وهؤلاء فى النار ولا أُبَالى. فقال قائل: يا رسول الله على ماذا نَعمل؟ قال: على مواقع القَدَر.
أخبرنا محمد بن مقاتل الخراسانى قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال:
أخبرنا إسماعيل بن رافع أنّه سمع سعيدًا المَقْبُرىّ يقول: قال أبو هُريرة: كان أول ما جرى فيه الروح من آدم، بصره وخياشيمه، فلمّا جرى الرّوح منه فى جسده كلّه عطس، فلقّاه الله حمده فحمد ربّه، فقال الله له: رحمك ربّك، ثم قال الله له: اذهب يا آدم إلى أولئك الملإ فقل لهم: سلام عليكم، فانظر ماذا يردون عليك، ففعل ثمّ رجع إلى الجبّار، فقال الله له، وهو أعلم: ماذا قالوا لك؟ فقال: قالوا وعليك السلام ورحمة الله، فقال له: هذا يا آدم تحيّتك وتحيّة ذرّيّتك.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: لمّا نُفخ فى آدم الروح عطس فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال الله له: يرحمك ربّك. قال ابن عبّاس: سبقت رَحْمَتُهُ غَضَبَه.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم والحسن بن موسى الأشيب قالا: أخبرنا حماد ابن سلمة عن علىّ بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عبّاس قال: لما خلق الله
_________________
(١) كذا بجميع مخطوطات ابن سعد التى لدينا وهو من معنى الآية وليس بنصها وقد علق الأستاذ محمود شاكر على ذلك بقوله: "ما فى الأصل دال على أنه من قول الله تعالى عنه، قال آدم ما قال، ولم يُرِدْه انتزاعًا من آية سورة الإسراء وهذا مستساغ وموجود مثله".
[ ١ / ١٤ ]
آدم كان يَمَسّ رأسه السماء، قال: فوطّدهُ الله إلى الأرض حتى صار ستّين ذراعًا فى سبع أذرع عرضًا.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العِجْلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن عُتَىّ عن أُبَىّ بن كعب عن النبىّ، ﵇، أنّه قال: إنّ آدَم كان رَجُلًا طُوَالًا (^١) كأنهُ نَخْلةٌ سَحُوقٌ (^٢) كَثيرَ شَعْرِ الرّأسِ، فَلَمّا رَكِبَ الخَطِيئَةَ بَدَتْ لَهُ عَوْرَتُهُ وَكَانَ لا يَرَاهَا قَبْلَ ذلِكَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا في الجنة، فَتَعَلّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ، فَقَالَ لَهَا: أرْسِلِينى. فَقَالَتْ: لَسْتُ بِمُرْسِلَتِكَ قَالَ: وَنَادَاهُ رَبّهُ: يَا آدَمُ أمِنّى تَفِرّ؟ قَالَ: رَبّ إنّى اسْتَحْيَيْتُكَ (^٣).
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا عبّاد بن العوّام عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن عُتَىّ عن أُبَىّ بن كعب بمثل هذا الحديث ولم يرفعه.
أخبرنا حفص بن عمر الحوضى، أخبرنا إسحاق بن الربيع أبو حمزة العطّار عن الحسن عن عُتَىّ عن أُبَىّ بن كعب قال: كان آدم طُوَالًا آدَمَ جَعْدًا كأنّه نخلة سحوق.
قال: أخبرنا يحيَى بن السكن قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا علىّ ابن زيد بن جُدْعَان عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله، -ﷺ-: يدْخُلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا جِعَادًا مُكَحَّلِينَ أبْنَاءَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ عَلى خَلْقِ آدَمَ ستّينَ ذِراعًا فى سَبْعِ أذْرُعٍ (^٤).
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن قال: بكى آدم على الجنّة ثلاثمائة سنة.
أخبرنا عمرو بن الهيثم وهاشم بن القاسم الكنانى قالا: أخبرنا المسعودى عن
_________________
(١) الطوال بالضم: الطويل.
(٢) نخلة سحوق: أى الطويلة التى بعد ثمرها على المجتنى (النهاية).
(٣) شبيه به ما أورده صاحب الكنز برقم ١٥١٤٠ عن أبى الشيخ فى العظمة. وكذا ما أخرجه الحاكم فى المستدرك ج ٢ ص ٥٩٣، كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين - ذكر آدم ﵇.
(٤) أخرجه الترمذى كتاب الجنة باب ما جاء فى سن أهل الجنة، رقم ٢٥٤٥.
[ ١ / ١٥ ]
أبى عمر الشآمى عن عبيد بن الخشخاش عن أبى ذرّ قال: قلت للنبىّ، ﵇: أىّ الأنْبياء أوّل؟ قال: آدَمُ. قلت: أوَنَبيًّا كان؟ قال: نَعَمْ نَبِىّ مُكَلَّمٌ. قال: قلت فكم المُرْسَلون؟ قال: ثَلاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة التّبُوذَكِىّ، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: كان لآدم أربعة أولاد تُؤام، ذكرٌ وأنثى من بَطن، وذكَرٌ وأنثى من بَطن، فكانت أخت صاحب الحرث وضيئةً، وكانت أخت صاحب الغنم قبيحة، فقال صاحب الحرث: أنا أحقّ بها، وقال صاحب الغنم: أنا أحقّ بها. فقال صاحب الغنم: ويحك! أتريد أن تستأثر بوضاءتها علىّ؟ تعالَ حتى نقرّب قربانًا، فإن تُقُبّلَ قربانُك كنتَ أحقّ بها، وإن تُقُبّل قربانى كنت أحقّ، بها، قال: فقرّبا قربانهما، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرَن أبيض وجاء صاحب الحرث بصُبرَةٍ من طعامه، فقُبل الكبش، فخزنه الله فى الجنّةِ أرْبعينَ خريفًا، وهو الكبش الذى ذبحه إبراهيم، -ﷺ-، فقال صاحب الحرث: لأقتُلَنّكَ. فقال صاحب الغنم: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾؛ إلى قوله: ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢٨، ٢٩]. فقتله فولد آدم كلهم من ذلك الكافر.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد بن سلمة عن علىّ بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عبّاس قال: كان آدم يزوّج ذكر هذا البطن بأنثى هذا البطن، وأنثى هذا البطن بذكر هذا البطن.
قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوْضىّ، أخبرنا إسحاق بن الربيع عن الحسن عن عُتَىّ عن أُبَىّ بن كعب أنّ آدم لما حضره الموت قال لبنيه: يا بَنىّ اطلبوا لى من ثمرة الجنّة فإنى قد اشتهيتها، فذهب بنوه، وذاك فى مرضه، يطلبون له من ثمرة الجنّة، فإذا هم بملائكة الله، قالوا لهم: يا بنى آدم ما تطلبون؟ قالوا: إنّ أبانا اشتاق إلى ثمرة الجنَّة فنحن نطلبها. قالوا: ارجعوا، فقد قُضى الأمر؛ فإذا أبوهم قد قُبض. فأخذت الملائكة آدم فغسلوه وحنّطوه وكفّنوه وحفروا له قبرًا وجعلوا له لحدًا، ثمّ إنّ ملكًا من الملائكة تقدّم فصلّى عليه وخلْفَه الملائكة وبنو آدم خلفهم، تُمّ وضعوه فى حفرته وسوّوا عليه، فقالوا: يا بنى آدم هذا سبيلكم وهذه سُنّتكم.
[ ١ / ١٦ ]
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هُشَيْم قال: أخبرنَا يونس بن عبيد عن حسن قال: أخبرنا عُتىّ السّعْدىّ عن أُبَىّ بن كعب قال: لما احتُضر آدم قال لبنيه: انطلقوا فاجتنوا لى من ثمار الجنّة. فخرج بنوه فاستقبلتهم الملائكة فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: بعثنا أبونا لنجتنى له من ثمار الجنة. قالوا: ارجعوا فقد كُفيتم، فرجعوا معهم حتى دخَلوا على آدم، فلمّا رأتهم حوّاءُ ذُعرت، فجعلت تدنو إلى آدم فتلزَق به، فقال لها آدم: إلَيْكِ عَنّى فمِنْ قِبَلِكِ أُتِيتُ، خَلّى بينى وبين ملائكة ربّي. فقبضوا روحه، ثمّ غَسّلوه وكفّنوه وحنّطوه، ثمّ صلّوا عليه وحفروا له، ثمّ دفنوه، فقالوا: يا بنى آدم، هذه سُنّتكم فى موتاكم.
قال: أخبرنا خالد بن خِداش بن عجلان، أخبرنا عبد الله بن وهب عن عمرو ابن الحارث عن يزيد بن أبى حبيب عمّن حدّثَه عن أبى ذرّ قال: سمعتُ النبى، -ﷺ-، يقول: إن آدَمَ خُلِقَ مِنْ ثَلاثِ تُرُباتٍ سَوْداءَ وبَيْضَاءَ وَخَضْرَاءَ (^١).
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا حمّاد بن زيد عن خالد الحذّاء قال: خرجتُ خَرْجَة لى فجئْتُ وهم يقولون: قال الحسن: فلقيته فقلت يا أبا سعيد! آدم للسماء خُلق أم للأرض؟ فقال: ما هذا يا أبا مُنازل؟ للأرض خُلق! قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: للأرض خلق، فلم يكن بدّ من أن يأكل منها.
أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا خالد بن عبد الله عن بيان عن الشعبىّ عن جَعْدة بن هُبيرة قال: الشجرة التى افْتتن بها آدم الكَرْم، وجُعلت فتنة لولده.
قال: أخبرنَا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهب عن سعيد بن أبى أيّوب عن جعفر بن ربيعة وزياد مولى مُصْعب قالا (^٢): سُئل رسول الله، -ﷺ-، عن آدم: أنبيًّا كان أو مَلَكًا؟ قال: بَلْ نَبىّ مُكَلَّمٌ.
قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب عن ابن لَهِيعَةَ عن الحارث بن يزيد عن عُلَىّ بن رَبَاح عن عقبة بن عامر عن رسول الله، -ﷺ-، أنّه
_________________
(١) أخرجه صاحب الكنز برقم ١٥١٣٠ عن ابن سعد.
(٢) ل "قال" والمثبت من م.
[ ١ / ١٧ ]
قال: النّاسُ لآدَمَ وَحَوّاءَ كَطَفّ الصّاعِ لَنْ يَمْلَئُوهُ، إنّ الله لا يَسْألُكُمْ عَنْ أحْسَابِكُمْ ولا أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَة، أكْرَمُكُمْ عِنْدَ الله أتْقَاكُمْ (^١).
قال: أخبرنا هشام بن محمد (^٢)، أخبرنى أَبِى عن أَبِى صالح عن ابن عبّاس قال: خرج آدم من الجنّة بين الصّلاتين، صلاة الظهر وصلاة العصر، فأُنْزل إلى الأرض، وكان مَكْثُهُ فى الجنّة نصفَ يوم من أيّام الآخرة، وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتى عشرة ساعة، واليوم ألف سنة مما يَعُدّ أهل الدنْيا، فأُهبط آدم على جبل بالهند يقال له نَوْذ، وأُهبطت حوّاء بجدّةَ، فنزل آدم معه ريح الجنّة، فعلق بشجرها وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيبًا، فمن ثَمّ يؤتَى بالطيب من ريح آدم، -ﷺ-، وقالوا: أُنْزل معه من آس الجنّة أيضًا، وأُنْزل معه بالحجر الأسود، وكان أشدّ بياضًا من الثلج، وعصا موسى، وكانت من طيب الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، -ﷺ-، ومُرّ ولُبان ثمّ أُنْزل عليه بَعْدُ العلاةُ والمِطرَقة والكلبتان، فنظر آدم حين أُهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل، فقال: هذا من هذا، فجعل يكسر أشجارًا عتقت ويبست بالمِطرقة، ثم أوقد على ذلك الغصْن حتى ذاب، فكان أول شئ ضرب منه مُدْيَةٌ، فكان يعمل بها، ثمّ ضرب التنّور وهو الذى ورثه نوح، وهو الذى فار بالهند بالعذاب، فلمّا حجّ آدم، وضع الحجر الأسود على أبي قبيسٍ فكان يضئ لأهل مكّة فى ليالى الظلم كما يضئ القمر، فلمّا كان قبيل الإسلام بأربع سنين، وقد كان الحُيّضُ والجُنُبُ يصعدون إليه يمسحونه فاسود فأنزلته قريش من أبى قُبَيْسِ (^٣).
وحجّ آدم من الهند إلى مكّة أربعين حجّة على رجليه، وكان آدم حين أُهبط يمسح رأسُه السّماءَ، فمن ثَمّ صلع وأورث ولده الصّلَعَ ونَفَرَتْ من طوله دواب البر فصارت وحشًا من يومئذ، فكان آدم وهو على ذلك الجبل قائمًا يسمع أصوات
_________________
(١) أخرجه صاحب الكنز برقم ٥٦٥١ عن ابن سعد.
(٢) هشام بن محمد بن السائب الكلبى أبو المنذر الأخبارى النسّابة. روى عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس. قال أحمد بن حنبل: إنما كان صاحبَ سمر ونَسَب، ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه. وقال الدارقطنى وغيره: متروك. وقال ابن عساكر: رافضى ليس بثقة (ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٣٠٤).
(٣) أبو قبيس: جبل مشرف على مكة.
[ ١ / ١٨ ]
الملائكة ويجد ريح الجنّة، فَحُطّ من طوله ذلك إلى ستّين ذراعًا، فكان ذلك طوله حتى مات.
ولم يُجمع حسن آدم لأحد من ولده إلّا ليوسف، وأنشأ آدم يقول: ربّ كنتُ جارك فى دارك ليس لى ربّ غيرك، ولا رقيب دونك، آكل فيها رغدًا، وأسكن حيث أحببت، فأهبطتنى إلى هذا الجبل المقدّس، فكنتُ أسمع أصوات الملائكة وأراهم كيف يحُفّون بعرشك وأجد ريح الجنّة وطيبها، ثمّ أهبطتنى إلى الأرض وحططتنى إلى ستّين ذراعًا، فقد انقطع عنّى الصوت والنّظر، وذهب عنّى ريح الجنة.
فأجابه الله، ﵎: لمعصيتك يا آدمُ فعلتُ ذلك بك، فلمّا رأى الله عُرْى آدم وحوّاء أمره أن يذبح كبشًا من الضأن من الثمانية الأزواج التى أنزل الله من الجنة، فأخذ آدم كبشًا فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حوّاء ونسجه هو وحوّاء، فنسج آدم جُبّة لنفسه وجعل لحواء درعًا وخمارًا فلبساه، وقد كانا اجْتمعا بجَمْعٍ فسمّيت جَمْعًا، وتعارفا بعرَفة فسمّيت عرفة، وبكيا على ما فاتهما مائتى سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يومًا، ثمّ أكلا وشربا وهما يومئذ على نَوْذ، الجبل الذى أُهْبط عليه آدم.
ولم يَقْرَب حَوّاء مائة سنة، ثمّ قربها فتلقّت فحملت، فولدت أوّل بطن قابيل وأخته لبود توأمته، ثمّ حملت فولدت هابيل وأخته إقليما توأمته، فلما بلغوا أمَرَ الله آدم أن يزوّج البطن الأوّل البطن الثانى، والبطن الثانى البطن الأوّل، يخالف بين البطنين فى النّكاح.
وكانت أخت قابيل حسنة وأخت هابيل قبيحة، فقال آدم لحوّاء الذى أُمِرَ به، فذكرته لابنيها، فرضى هابيل وسَخِطَ قابيل وقال: لا والله ما أمر الله بهذا قطّ، ولكن هذا عن أمرك يا آدم، فقال آدم: فقرّبا قربانًا فأيّكما كان أحقّ بها أنزل الله نارًا من السّماء فأكلت قربانه، فرضيا بذلك.
فَغَدا (^١) هابيل، وكان صاحب ماشية، بخير غذاء غنمه وزبْد ولبن، وكان
_________________
(١) فَغَدَا: تحرفت فى طبعتى إحسان وعطا إلى "فعدا".
[ ١ / ١٩ ]
قابيل زرّاعًا فأخذ طُنًّا من شرّ زرعه، ثمّ صعدا الجبل، يعنى نَوْذ، وآدم معهما، فوضعا القربان ودعا آدم ربّه، وقال قابيل فى نفسه: ما أُبالى أَتُقُبِّلَ (^١) منى أم لا، لا ينكح هابيل أختى أبدًا، فنزلت النّار فأكلت قربان هابيل وتجنّبت قربان قابيل لأنّه لم يكن زاكى القلب، فانطلق هابيل فأتاه قابيل وهو فى غنمه فقال: لأقتلنّك! قال: لِمَ تقتلنى؟ قال: لأنّ الله تقبّل منك ولم يتقبّل منّى وردّ علىّ قربانى ونكحتَ أختى الحسنة ونكحتُ أختك القبيحة، ويتحدّث الناس بعد اليوم أنّك كنت خيرًا منى، فقال له هابيل: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّى أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢٩].
أمّا قَوله بإثْمى يقول: تأثم بقتلى إذا قتلتَنى إلى إثمك الّذى كان عليك قبل أن تقتلنى، فقتله فأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ فتركه لم يُوَارِ جسده، ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [سورة المائدة: ٣١].
وكان قتله عشية، وغدا إليه غُدوة لينظر ما فعل فإذا هو بغراب حىّ يبحث على غراب ميّت، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [سورة المائدة: ٣١]، كما يُوارى هذا سَوْءةَ أخيه؟ فدعا بالويل، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٣١].
ثمّ أخذ قابيل بيد أُخْتِه (^٢) ثمّ هبط من الجبل، يعنى نَوْذ، إلى الحضيض، فقال آدم لقابيل: اذهب فلا تزال مرعوبًا أبدًا لا تأمن من تراه! فكان لا يمرّ به أحد من ولده إلّا رماه.
فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له، فقال للأعمى ابنه: هذا أبوك قابيل،
_________________
(١) ل "أَيُقْبَلُ" والمثبت من م.
(٢) ل "أخيه" والمثبت من م والطبرى. وعلق عليه الأستاذ شاكر بقوله: "الصواب ما فى المخطوطة "أُخْتِه" فهو بلا شك أخذ الجميلة توأمته (لبود)، لأنه كان سخط القسمة، حين زوجه آدم إقليما (القبيحة) أخت أخيه هابيل".
[ ١ / ٢٠ ]
فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال ابن الأعمى: يا أبتاه قتلتَ أباك، فرفع الأعمى يده فلطم ابنه فمات ابنه، فقال الأعمى: ويل لى قتلت أبى برميتى، وقتلت ابنى بلطمتى!
ثم حملت حواء فولدت شيثًا وأخته عزورا، فسمى هبة الله، اشتقّ له من اسم هابيل، فقال لها جبريل حين ولدته: هذا هبة الله لك بدل هابيل، وهو بالعربية شث، وبالسريانيّة شاث، وبالعبرانيّة شيث، وإليه أوصى آدم، صلوات الله عليه.
وكان آدم يوم ولد شيث ابن ثلاثين ومائة سنة، ثمّ تَغَشّاهَا آدم فَحَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فمَرّتْ بِهِ؛ يقول: قامت وقعدت، ثم أتاها الشيطان فى غير صورته فقال لها: يا حَوّاء ما هذا فى بطنك؟ قالت: لا أدرى! قال: فلعلّه يكون بهيمة من هذه البهائم؟ ثمّ قالت: ما أدرى! ثمّ أعرض عنها حتى إذا هى أثقلت أتاها فقال: كيف تجدينك يا حواء؟ قالت: إنى لأخاف أن يكون كالذى خوفتنى ما أستطيع القيام إذا قمتُ، قال: أفرأيت إن دعوتُ الله فجعله إنسانًا مثلك ومثل آدم تسميه بى؟ قالت: نعم، فانصرف عنها، وقالت لآدم: لقد أتانى آتٍ فأخبرنى أن الذى فى بطنى بهيمة من هذه البهائم، وإنى لأجد له ثقلًا وأخشى أن يكون كما قال؛ فلم يكن لآدم ولا لحواء همّ غيره حتى وضعته فذلك قول الله ﵎: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٨٩] فكان هذا دعاءَهما قبل أن تلد.
فلمّا ولدت غلامًا سويًّا أتاها فقال لها: ألّا سميتِه كما وعدتِنى؟ قالت: وما اسمك؟ وكان اسمه عزازيل، ولو تسمّى به لعرفته، فقال: اسمى الحارث، فسمَّته عبد الحارث فمات، يقول الله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٠].
وأوحى الله إلى آدم: إنّ لى حَرَمًا بحيال عرشى، فانطلق فابن لى بيْتًا فيه، ثمّ حفّ به كما رأيت ملائكتى يحفّون بعرشى، فهنالك أستجيب لك ولولدك مَن كان منهم فى طاعتى، فقال آدم: أىْ ربّ وكيف لى بذلك؟ لست أقوى عليه ولا أهتدى له، فقيّض الله له مَلَكًا فانْطلق به نحو مكّة فكان آدم إذا مرّ بروضة ومكان يعجبه قال للملَك: انزل بنا ههنا، فيقول له الملَك: مكانك، حتى قدم
[ ١ / ٢١ ]
مكّة فكان كلّ مكان نزل به عمرانًا، وكل (^١) مكان تعداه مفاوز وقفارًا.
فبنى البيت من خمسة أجبُل: من طور سينا، وطور زيتون، ولُبنان، والجودى، وبنى قواعده من حِراء، فلمّا فرغ من بنائه خرج به الملَك إلى عرفات فأراه المناسك كلّها التى يفعلها النّاس اليوم ثمّ قدم به مكّة فطاف بالبيت أسبوعًا ثمّ رجع إلى أرض الهند فمات على نوذ، فقال شيث لجبريل: صلّ على آدم، فقال: تقدّم أنت فصلّ على أبيك وكَبّر عليه ثلاثين تكبيرة، فأمّا خمس فهى الصّلاة، [وَأمَّا] (^٢) خمس وعشرون فتفضيلا لآدم.
ولم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفًا بنوذ ورأى آدم فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد، فأوصى أن لا يناكح بنو شيث بنى قابيل، فجعل بنو شيث آدم فى مغارة وجعلوا عليه حافظًا لا يقربه أحد من بنى قابيل.
وكان الذين يأتونه ويستغفرون له بنو شيث، فكان عُمر آدم تسعمائة سنة وستًّا وثلاثين سنة، فقال مائة من بنى شيث صِباحٌ: لو نظرنا ما فعل بنو عمّنا، يعنون بنى قابيل، فهبطت المائة إلى نساء قباح من بنى قابيل.
فاحتبس (^٣) النّساء الرجال ثمّ مكثوا ما شاء الله، ثمّ قال مائة آخرون: لو نظرنا ما فعل إخواننا، فهبطوا من الجبل إليهم فاحتبسهم النّساء، ثمّ هبط بنو شيث كلهم، فجاءت المعصية وتناكحوا واختلطوا وكثر بنو قابيل حتى مَلأوا الأرض، وهم الذين غرقوا أيام نوح.
ووَلَد شيث بن آدم أنوش ونفرًا كثيرًا وإليه أوصى شيث، فولد أنوش قينان ونفرًا كثيرًا وإليه الوصية، فولد قينان مهلاليل ونفرًا معه وإليه الوصية، فولد مهلاليل يرذ، وهو اليارذ، ونفرًا معه وإليه الوصية، وفى زمانه عُملت الأصنام ورجع من رجع عن الإسلام، فولد يرذ خنوخ وهو إدريس النبى، ﵇، ونفرًا معه (^٤).
* * *
_________________
(١) ل "وكان كل" والمثبت من م والطبرى ج ١ ص ١٢٤ وهو ينقل عن ابن سعد.
(٢) تكملة من تاريخ الطبرى ج ١ ص ١٦١ وهو ينقل عن ابن سعد.
(٣) فاحتبس تحرفت فى طبعتى إحسان وعطا إلى "فأحبس".
(٤) الخبر لدى الطبرى فى تاريخه ج ١ ص ١٦٤.
[ ١ / ٢٢ ]