الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد قدوة المسلمين وإمام المرسلين.
عُنِى العرب بتدوين تاريخهم عناية قلّ أن تساويهم فيها أمة من الأمم أو تدانيها، وافتنوا فى ذلك افتنانا يدعو إلى العجب والإعجاب.
وكان صحابة الرسول وكبار التابعين ومن تبعهم من هؤلاء الذين عنى بهم فريق من المصنفين كالواقدى وابن سعد فى العهود الإسلامية المبكرة.
ولما كان كتاب الطبقات للواقدى فى عداد المفقود، فإن كتاب الطبقات الكبير الذى نقدم له اليوم يعدّ أول كتاب فى الطبقات وصل إلينا. كما يعدّ كذلك من أوسع الكتب فى هذا المجال وأحفلها وأدقها. فقد أتيح لابن سعد فرصة الاطلاع على ما سبقه من كتب الأنساب والرجال والتاريخ والتراجم ونحوها. فاستطاع أن يعتصرها جميعًا ليستخلص منها هذه الصورة المتكاملة المترابطة.
وقد ظل ابن سعد من ألمع الوجوه الفكرية فى عصره والعصور التى تلته حيث اعتمد عليه المؤرخون اللاحقون فى كتاباتهم كالمزى والذهبى وابن كثير وابن حجر والسيوطى وغيرهم.
وابن سعد يخصص جزءين من طبقاته لسيرة الرسول -ﷺ- وباقى أجزاء الكتاب ترجمة للصحابة والتابعين، والجزء الأخير من كتابه خصصه للنساء.
وقد كلفنى السيد/ محمد نجيب الخانجى -﵀- بتحقيق هذا الكتاب سنة ١٩٧٦ م فجمعنا جمهرة أجزاء الكتاب الخطية، ثم ظهر لنا أن ثمة بعض الأجزاء ينقصها عدة أوراق، فبذلت مكتبة الخانجي جهدًا شاقا حتى استحضرت الأوراق من مواطنها بتركيا على يد المرحوم الدكتور محمود الطناحى.
[ المقدمة / ٥ ]
ثم توقفنا بعض الوقت ظنا منا أن هذا الكتاب سوف يظهر قريبًا بصورة مكتملة ومحققا.
فظهر وقتئذ القسم المتمم لتابعى أهل المدينة ومن بعدهم بتحقيق الأستاذ زياد منصور سنة ١٩٨٣ م. ثم ظهرت طبعة دار الكتب العلمية ببيروت سنة ١٩٩٠ م. ثم ظهرت الطبقة الخامسة من الصحابة بتحقيق د. محمد السلمى سنة ١٩٩٣ م. ثم ظهرت الطبقة الرابعة من الصحابة ممن أسلم عند فتح مكة وما بعد ذلك بتحقيق د. عبد العزيز السلومى سنة ١٩٩٥ م.
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن هاتين الطَّبَقتَيْن مع غيرهما كانت المكتبة قد أعدتهما للطبع منذ سنة ١٩٨٠ م، أى قبل ظهور جميع هذه الطبعات بفترة طويلة.
أما طبعة القسم المتمم لتابعى أهل المدينة فقد ظهر وبه ورقة ناقصة تحتوى على عدد من التراجم يضاف إلى ذلك كثرة ما به من التصحيف والتحريف وقد أشرنا إلى بعض ذلك عند موضعه فى هذا الكتاب.
وأما طبعة دار الكتب العلمية فتعدّ من أسوإ الطبعات التى ظهرت من هذا الكتاب نظرًا لما يشيع فيها من التصحيف والتحريف الفاحش، يضاف إلى ذلك أنها خلت من مئات التراجم التى تضمنتها هذه الطبعة التى نقدم لها اليوم.
كذلك شاع التصحيف والتحريف بصورة واسعة فى تحقيق الطبقتين الرابعة والخامسة التى أشرت إليهما.
وفوق ذلك فثمة مئات التراجم لم تتناولها أى من الطبعات المشار إليها، والتى ظلت مخطوطة حتى أضافتها الطبعة التى نقدم لها اليوم.
لهذا كله بدأ عملنا مرة أخرى فكانت هذه الطبعة المكتملة التى تُقدّم للقراء والباحثين لأول مرة.
وبعد: فثمة اعتقاد سائد لدى بعض الباحثين أن كتابات ابن سعد فى السيرة والمغازى وما بعدها من طبقات الصحابة والتابعين، تكاد تكون صورة مماثلة لكتابات أستاذه الواقدى فى هذا الشأن.
[ المقدمة / ٦ ]
ولا ريب أن هذا الاعتقاد يخالف الحقيقة، لأن ابن سعد استقى مادته من مصادر أخرى كثيرة، ولم يقتصر على مادة الواقدى، بل قدم مادة واسعة عن رواة آخرين، حتى أنه يمكن القول بأن كتابات ابن سعد المأخوذة عن الواقدى تمثل أقل من نصف كتاب الطبقات الكبير.
وكانت المادة الواسعة فى كتابات ابن سعد عن رواة من أمثال أبى نعيم الفضل ابن دكين، وعفان بن مسلم، وعبيد الله بن موسى العبسى، ومعن بن عيسى الأشجعى وغيرهم.
كذلك رجع إلى كتب ابن إسحاق وأبى معشر وموسى بن عقبة جاعلا إياها مصدرًا أساسيا لرواياته.
وطبقات ابن سعد لم تسبق إِلَّا بطبقات أستاذه الواقدى -وقد فقدت كتاباته فى هذا المجال- ومن ثم يمكن القول بأن أقدم ما وصلنا من كتب الطبقات كتاب "الطبقات الكبير" لابن سعد.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الواقدى كان قليل الاهتمام بأمر التاريخ الجاهلي، ولذلك نجد أن رواية هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قد غلبت على الفصول المتصلة بتاريخ الأنبياء وبالأنساب القديمة التى صدّر بها ابن سعد كتابه "الطبقات الكبير".
ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أن رسم الأسماء والأعلام الواردة بالعهد القديم أكثر دقة لدى ابن سعد منها فى كتاب آخر.
ونجد ذلك على سبيل المثال فى الفصل الذى عقده بعنوان "ذكر من ولد رسول الله -ﷺ- من الأنبياء" حيث ورد فى ثناياه: وولد شيثُ بن آدم أنوشَ ونفرًا كثيرًا، وإليه أوصى شيث. فولد أنوشُ قينانَ ونفرًا كثيرًا، وإليه الوصية.
وابن سعد فى كتاباته يأتى بتفاصيل لم يذكرها الواقدى، وتتمثل هذه التفاصيل فى وصفه وتحديده للأماكن جغرافيا بدقة تجعلنا نعتقد أنه استقى معلوماته عن شهود عيان.
[ المقدمة / ٧ ]
وهو يعقد أحيانًا مقارنة بين ما كانت عليه بعض هذه الأماكن وقتذاك، وما كانت عليه وقت أن كان يقيم بالمدينة طلبًا للعلم.
كما أنه يذكر اسم من خلف النبى بالمدينة فى أثناء غزواته مع محافظته على ذلك دائمًا.
وثمة سريتان لم يذكرهما الواقدى إطلاقا يفرد لهما ابن سعد جزءًا من كتابه:
سرية عمرو بن أمية الضمرى، فهذه السرية ليست مذكورة لدى الواقدى.
وابن سعد لا يذكر أى راوية هنا، وفيما يرجح أن ابن سعد أخذ الرواية عن كتب موسى بن عقبة أو أبى معشر.
ويبدو أن ابن سعد أقدم مؤلف نقل هذه الرواية ولم يسبقه أحد إلى روايتها، وهو لم يعتن بضبط تاريخها خلافًا لما اتبعه.
وسرية عُكّاشة بن محصن الأسدى إلى الجِناب، لم يذكر هذه السرية أى مصدر قديم آخر حتى الواقدى نفسه الذى يتتبع ابن سعد عادة تأريخه.
وبجانب حرص ابن سعد على ذكر التفاصيل الجغرافية عن موقع الغزوة فإنه يذكر المغازى التى غزاها الرسول بنفسه، وأسماء الذين استخلفهم على المدينة أثناء غزواته، وأخيرًا يذكر شعار المسلمين فى القتال، كل ذلك بالإضافة إلى وصفه لكل غزوة بأسلوب موحد.
وإيراده للتفاصيل الجغرافية المشار إلى بعضها فيما سبق، يوحى بجهده ومعرفته للدقائق فى الأخبار التى جمعها.
وإذا كان الواقدى فعل شيئًا من ذلك فإن ابن سعد يزيد على تلك التفاصيل التى عند أستاذه الواقدى.
وفى كتابات ابن سعد فى السيرة نجد فيها فصولًا استجدها ابن سعد فلم يرد فيها ذكر للواقدى إطلاقا مثل: ذكر كنية رسول الله -ﷺ-. ومثل: ما كان رسول الله: يعوذ به ويعوذه به جبريل.
ويُعد ابن سعد أول مؤلف بعد ابن إسحاق، وصلت إلينا منه ترجمة كاملة للنبى، ما دمنا لا نملك غير مغازى الواقدى كتابًا مستقلًّا كاملًا. ويعطينا ابن سعد
[ المقدمة / ٨ ]
فى بعض المواضيع تفاصيل أوفى من ابن إسحاق، كما فى الفصول الخاصة برسائله وسفاراته، والخاصة بمرضه ووفاته.
إن مجموعة قصائد رثاء الرسول -ﷺ- التى ورد ذكرها فى نهاية كتابات ابن سعد عن السيرة والمغازى ويبلغ عددها ٢٥ قصيدة مختلفة، لهى أكبر مجموعة وردت فى الكتب المعروفة لدينا.
فأحيانا نجد الأبيات بأكملها فى كتاب من هذه الكتب أو فى غيره، وأحيانًا لا نجد إِلَّا بعضًا منها.
وتنتهى سيرة النبى بوضوح بعد نهاية هذه المراثى، ثم يشار إلى ذلك بعبارة أخرى "آخر أخبار النبى".
هذا ومما هو جدير بالانتباه أنه قد وردت إشارة لابن النديم فى الفهرست ص ١١١ بأن ابن سعد كتب كتابًا فى أخبار النبى -ﷺ-، وقد انفرد ابن النديم وحده بهذا القول.
وعندما يتحدث صاحب الفهرست عن كتاب "أخبار النبى" لابن سعد يجب أن نفهم أن هذا الكتاب ليس إِلا الجزء الأول من كتاب "الطبقات الكبير" وهو الجزء الذى يتحدث فيه عن سيرة النبى -ﷺ-.
ولم يقل بهذا الذى ذهب إليه ابن النديم أحد من العلماء بهذا الفن.
فالنويرى المتوفى سنة ٧٣٣ هـ، أكثر من النقول عن ابن سعد فى الأقسام التى خصصها لسيرة النبى ومغازيه فى كتابه نهاية الأرب، ويعزوها صراحة لابن سعد فى طبقاته.
وابن سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤ هـ، يقول فى كتابه "عيون الأثر فى فنون المغازى والشمائل والسير" ج ٢ ص ٣٤٤ - ٣٤٥: وما كان فيه عن محمد بن سعد فمن "كتاب الطبقات الكبير" له.
أما الذهبى المتوفى سنة ٧٤٨ هـ، فيقول فى الجزء الخاص بالسيرة من تاريخه ص ٢: "وقد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنفات كثيرة، ومادته من. . . والطبقات الكبير لمحمد بن سعد كاتب الواقدى".
[ المقدمة / ٩ ]
ويكثر ابن حُدَيْدَة المتوفى سنة ٧٨٣ هـ من النقول عن ابن سعد فى كتابه "المصباح المضى فى كُتّاب النبى الأمى ورسله إلى ملوك الأرض من عربى وعجمى" ونقول ابن حديدة فى كتابه عن ابن سعد جزء من سيرة الرسول، وقد عزاها صراحة لابن سعد فى كتابه "الطبقات الكبير".
يضاف إلى ذلك أن الذين ترجموا لابن سعد وهم من العلماء الأعلام لم يذكر أى منهم كتابًا لابن سعد بعنوان "أخبار النبى".
حتى ترجمة ابن سعد التى أوردها أحد تلاميذه فى كتابه "الطبقات الكبير" خلت من الإشارة إلى شئ من ذلك، ونصت صراحة على "كتاب الطبقات".
وما نظن ابن النديم أراد بهذا غير "الطبقات الكبير" ويبدو أنه كان يشك فى نسبة هذا الكتاب -كتاب الطبقات الكبير- لابن سعد ويراه للواقدى، فقد ذكر بين مؤلفات الواقدى كتابًا باسم الطبقات، ولم يذكر مثله لابن سعد، وهذا وَهَل منه.
هذا وبعد أن أنهى ابن سعد كتاباته فى السيرة والمغازى بعبارة "آخر أخبار النبى" أعقبها بقوله: "ذكر من كان يفتى بالمدينة ويقتدى به من أصحاب رسول الله -ﷺ- على عهد رسول الله وبعد ذلك وإلى من انتهى علمهم".
وهذا الفصل يعتبر تكملة للسيرة من ناحية محتواه، وبداية لطبقات الصحابة من جهة أشخاصه.
ومن نظر إلى الصحابة باعتبار الصحبة جعل الجميع طبقة واحدة.
ومن نظر إليهم باعتبار قدر زائد مثل السبق إلى الإسلام وشهود المشاهد جعلهم طبقات، وهذا ما أخذ به ابن سعد فى كتابه "الطبقات الكبير".