يعتبر ابن سعد من المؤرخين المرموقين فى بداية القرن الثالث الهجرى بما له من مشاركة ملموسة فى الحياة الثقافية والفكرية للإسلام، والتى تجلت فيما قدمه لمدرسة التاريخ الإسلامى آنئذ من مؤلفاته وخاصة كتاب الطبقات الكبير.
وقد ظل ابن سعد لفترات طويلة تجاوزت عصره من أبرز وجوه الإسلام الفكرية لدى المؤرخين، وقد تجلى ذلك حين اعتمدت المؤلفات المتأخرة على كتاباته إلى حد بعيد.
فاستعان الخطيب البغدادى (ت ٤٦٣ هـ) فى كتابه تاريخ بغداد بكتاب الطبقات الكبير فى أكثر من مائتين وخمسين موضعًا، وكان الخطيب يمتلك نسخة من كتاب الطبقات قدم بها دمشق (^١).
كما استعان النووى (ت ٦٧٦ هـ) فى كتابه تهذيب الأسماء واللغات بكتاب الطبقات الكبير، وقد صرح بذلك فى مقدمة كتابه الأسماء واللغات ج ١
_________________
(١) أكرم ضياء العمري: موارد الخطيب البغدادى ص ٣٨٨.
[ المقدمة / ٢٧ ]
ص ٦ بقوله: ". . . وما كان من الأسماء وبيان أحوال أصحابها نقلته من كتب الأئمة الحفاظ الأعلام المشهورين بالأمانة فى ذلك والمعتمدين عند جميع العلماء كتاريخ البخارى. . . والطبقات الكبير لمحمد بن سعد كاتب الواقدى، وهو ثقة. . . ".
كذلك نقل عنه النويرى (ت ٧٣٢ هـ) فى كتابه نهاية الأرب نقلًا حرفيا فى المواضع التى تناول فيها سيرة الرسول ومغازيه ووفوده.
كما نقل عنه ابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ) كثيرًا من مادته فى الشمائل والمغازى والسير، وأودعها كتابه عيون الأثر فى فنون المغازى والشمائل والسير.
أما المزى (ت ٧٤٢ هـ) فقد أفاد من كتابى ابن سعد الطبقات الكبير والطبقات الصغير فى طائفة كبيرة من تراجمه.
كذلك أفاد منه الذهبى (ت ٧٤٨ هـ) حيث جعل كتابه الطبقات الكبير من مصادره الأساسية فى وضع مؤلفه عن تاريخ الإسلام، وقد أشار إلى ذلك فى مقدمة كتابه.
أما ابن حديدة (ت ٧٨٣ هـ) فقد نقل عن كتاب الطبقات الكبير كثيرًا من مادته وأودعها كتابه: المصباح المضى فى كتاب النبى الأمى ورسله إلى ملوك الأرض من عربى وعجمى.
كما أفاد منه ابن حجر (ت ٨٥ هـ) فى كتابه الإصابة فى تمييز الصحابة فى جمهرة من التراجم التى تناولها، وهو فى كثير من الأحوال ينقل بالحرف عن ابن سعد.
كما استعان السيوطى (ت ٩١١ هـ) فى كتابه حسن المحاضرة حين أزمع الحديث عن ذكر من دخل مصر من الصحابة.
وهكذا ظلت مدرسة التاريخ الإسلامى تعتمد على كتابات ابن سعد فى كل مراحلها حين يزمع مؤرخوها الحديث عن الصحابة أو التابعين ومن بعدهم إلى عصر ابن سعد.
[ المقدمة / ٢٨ ]