قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي عن غير واحد من علماء أهل المدينة قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قالوا: تزوج كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك فاطمة بنت سعد ابن سيل واسم سيل خير بن حمالة بن عوف بن عامر، وهو الجادر، وكان أول من بنى جدار الكعبة، ابن عمرو بن جعثمة بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وكان جعثمة خرج أيام خرجت الأزد من مأرب، فنزل في بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فحالفهم وزوجهم وزوجوه
[ ١ / ٦٦ ]
فولدت فاطمة بنت سعد لكلاب بن مرة زهرة بن كلاب، ثم مكثت دهرًا، ثم ولدت قصيًا فسمي زيدًا، وتوفي كلاب بن مرة وقدم ربيعة بن حرام ابن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد إحد قضاعة فاحتملها إلى بلاده من أرض عذرة من أشراف الشام إلى سرغ وما دونها، فتخلف زهرة بن كلاب في قومه لكبره وحملت قصيًا معها لصغره وهو يومئذٍ فطيم، فسمي قصيًا لتقصيها به إلى الشأم، فولدت لربيعة رزاحًا، وكان قصي ينسب إلى ربيعة بن حرام فناضل رجلًا من قضاعة يدعى رفيعًا، قال هشام بن الكلبي: وهو من عذرة، فنضله قصي فغضب المنضول فوقع بينهما شر حتى تقاولا وتنازعا، فقال رقيع: ألا تلحق ببلدك وقومك؟ فإنك لست منا، فرجع قصي إلى أمه فقال: من أبي؟ فقالت: أبوك ربيعة، قال: لو كنت ابنه ما نفيت، قالت: أو قد قال هذا؟ فوالله ما أحسن الجوار، ولا حفظ الحق، أنت والله يا بني أكرم منه نفسًا ووالدًا ونسبًا وأشرف منزلًا! أبوك كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة القرشي، وقومك بمكة عند البيت الحرام فما حوله، قال: فوالله لا أقيم ههنا أبدًا! قالت: فأقم حتى يجيء أبان الحج فتخرج في حاج العرب فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض الناس، فأقام، فلما حضر ذلك بعثته مع قوم من قضاعة فقدم مكة، وزهرة يومئذ حي، وكان أشعر وقصي أشعر، فأتاه فقال له قصي: أنا أخوك، فقال: ادن مني، وكان قد ذهب بصره وكبر، فلمسه فقال: أعرف والله الصوت والشبه! فلما فرغ من الحج عالجه القضاعيون على الخروج معهم والرجوع إلى بلادهم فأبى وأقام بمكة، وكان رجلًا جلدًا نهدًا نسيبًا فلم ينشب أن خطب إلى حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحي الخزاعي ابنته حبى، فعرف حليل النسب ورغب فيه فزوجه، وحليل يومئذ يلي أمر مكة والحكم فيها وحجابة البيت، ثم هلك حليل فحجب البيت ابنه
[ ١ / ٦٧ ]
المحترش، وهو أبو غبشان، وكانت العرب تجعل له جعلًا في كل موسم، فقصروا به في بعض المواسم منعوه بعض ما كانوا يعطونه، فغضب فدعاه قصي فسقاه، ثم اشترى منه البيت بأزواد، ويقال بزق خمر، فرضي ومضى إلى ظهر مكة.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني عبد الله ابن عمرو بن زهير عن عبد الله بن خداش بن أمية الكعبي عن أبيه قال: وحدثتني فاطمة بنت مسلم الأسلمية عن فاطمة الخزاعية، وكانت قد أدركت أصحاب رسول الله، ﷺ، قالا: لما تزوج قصي إلى حليل ابن حبشية ابنته حبى وولدت له أولاده، قال حليل: إنما ولد قصي ولدي، هم بنو ابنتي، فأوصى بولاية البيت والقيام بأمر مكة إلى قصي، وقال: أنت أحق به.
ثم رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، وهشام ابن محمد الكلبي الأول، قالوا: ويقال انه لما هلك حليل بن حبشية، وانتشر ولد قصي، وكثر ماله، وعظم شرفه، رأى أنه أولى بالبيت وأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشًا فرعة إسماعيل بن إبراهيم، وصريح ولده، فكلم رجالًا من قريش وبني كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، وقال: نحن أولى بهذا منهم، فأجابوه إلى ذلك وتابعوه، وكتب قصي إلى أخيه ابن أمه رزاح بن ربيعة بن حرام العذري يدعوه إلى نصرته، فخرج رزاح وخرج معه إخوته لأبيه حن ومحمود وجلهمة فيمن تبعه من قضاعة حتى قدموا مكة، وكانت صوفة، وهم الغوث بن مر، يدفعون بالناس من عرفة ولا يرمون الجمار حتى يرمي رجل من صوفة، فلما كان بعد ذلك العام فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل، فأتاها قصي بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروهم، فأقتتلوا قتالًا شديدا حتى انهزمت صوفة، وقال
[ ١ / ٦٨ ]
رزاح: أجز قصي، فأجاز الناس وغلبهم على ما كان في أيديهم من ذلك، فلم تزل الإفاضة في ولد قصي إلى اليوم، وندمت خزاعة وبنو بكر فانحازوا عنه، فأجمع قصي لحربهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا بالأبطح حتى كثرت القتلى في الفريقين، ثم تداعوا إلى الصلح وحكموا بينهم يعمر بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينهم بأن قصي بن كلب أولى بالبيت وأمر مكة من خزاعة، وأن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع يشدخه تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وبني كنانة ففيه الدية، وأن يخلى بين قصي وبين البيت وأمر مكة، فسمي يومئذ يعمر الشداخ لما شدخ من الدماء.
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا موسى بن يعقوب الزمعي عن عمته عن أمها كريمة بنت المقداد عن أبيها قال: لما فرغ قصي ونفى خزاعة وبني بكر عن مكة تجمعت إليه قريش فسميت يومئذ قريشًا لحال تجمعها، والتقرش: التجمع، فلما استقر أمر قصي انصرف أخوه لأمه رزاح بن ربيعة العذري بمن معه من إخوته وقومه، وهم ثلاثمائة رجل، إلى بلادهم، فكان رزاح وحن يواصلان قصيًا ويوافيان الموسم فينزلان معه في داره ويريان تعظيم قريش والعرب له، وكان يكرمهما ويصلهما وتكرمهما قريش لما أبلياهم وأولياهم من القيام مع قصي في حرب خزاعة وبكر.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: إنما سموا قريشًا لأن بني فهر الثلاثة كان اثنان منهم لأم والآخر لأم أخرى، فافترقوا فنزلوا مكانًا من تهمة مكة، ثم اجتمعوا بعد ذلك، فقالت بنو بكر: لقد تقرش بنو جندلة، وكان أول من نزل من مضر مكة خزيمة بن مدركة، وهو الذي وضع لهبل الصنم موضعه فكان يقال له صنم خزيمة، فلم يزل بنوه بمكة حتى ورث ذلك فهر بن مالك، فخرجت بنو أسد ومن كان من كنانة بها فنزلوا منازلهم اليوم.
[ ١ / ٦٩ ]
قال: أخبرنا هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال: ولد لقصي بن كلاب ولده كلهم من حبى بنت حليل عبد الدار بن قصي، وكان بكره، وعبد مناف بن قصي، واسمه المغيرة، وعبد العزى بن قصي، وعبد بن قصي، وتخمر بنت قصي، وبرة بنت قصي.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان قصي يقول: ولد لي أربعة رجال، فسميت اثنين بإلهي، وواحدا بداري، وواحدا بنفسي، فكان يقال لعبد بن قصي عبد قصي، واللذين سماهما باله عبد مناف وعبد العزى، وبداره عبد الدار.
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدثني عبد الله بن جعفر الزهري قال: وجدت في كتاب أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، أخبرنا محمد بن جبير بن مطعم قال: وأخبرنا هشام بن محمد الكلبي قال: أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قالا: كان قصي بن كلاب أول ولد كعب بن لؤي، أصاب ملكًا أطاع له به قومه، فكان شريف أهل مكة لا ينازع فيها، فأبتنى دار الندوة وجعل بابها إلى البيت، ففيها كان يكون أمر قريش كله وما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة فيما ينوبهم، حتى إن كانت الجارية تبلغ أن تدرع فما يشق درعها إلا فيها، ثم ينطلق بها إلى أهلها، ولا يعقدون لواء حرب لهم ولا من قوم غيرهم إلا في دار الندوة، يعقده لهم قصي، ولا يعذر لهم غلام إلا في دار الندوة، ولا تخرج عير من قريش فيرحلون إلا منها، ولا يقدمون إلا نزلوا فيها تشريفًا له وتيمنًا برأيه ومعرفةً بفضله، ويتبعون أمره كالدين المتبع لا يعمل بغيره في حياته وبعد موته، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة وحكم مكة كله، وكان يعشر من دخل مكة سوى أهلها، قال: وإنما سميت دار الندوة لأن قريشًا كانوا ينتدون فيها، أي يجتمعون للخير والشر، والندي: مجمع القوم إذا اجتمعوا، وقطع قصي مكة
[ ١ / ٧٠ ]
رباعًا بين قومه، فأنزل كل قوم من قريش منازلهم التي أصبحوا فيها اليوم، وضاق البلد وكان كثير الشجر العضاه والسلم، فهابت قريش قطع ذلك في الحرم، فأمرهم قصي بقطعه، وقال: إنما تقطعونه لمنازلكم ولخططكم، بهلة الله على من أراد فسادًا! وقطع هو بيده وأعوانه فقطعت حينئذ قريش وسمته مجمعًا لما جمع من أمرها، وتيمنت به وبأمره، وشرفته قريش وملكته، وأدخل قصي بطون قريش كلها الأبطح فسموا قريش البطاح، وأقام بنو معيص بن عامر بن لؤي، وبنو تيم الأدرم بن غالب بن فهر وبنو محارب بن فهر، وبنو الحارث بن فهر، بظهر مكة، فهؤلاء الظواهر لأنهم لم يهبطوا مع قصي إلى الأبطح، إلا أن رهط أبي عبيدة بن الجراح، وهم من بني الحارث بن فهر، نزلوا الأبطح فهم مع المطيبين أهل البطاح؛ وقد قال الشاعر في ذلك وهو ذكوان مولى عمر بن الخطاب للضحاك بن قيس الفهري حين ضربه.
فلو شهدتني من قريش عصابة … قريش البطاح لا قريش الظواهر وقال حذافة بن غانم العدوي لأبي لهب بن عبد المطلب:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعًا … به جمع الله القبائل من فهر فدعي قصي مجمعًا بجمعه قريشًا وبقصي سميت قريش قريشًا، وكان يقال لهم قبل ذلك بنو النضر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مبرة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبد الملك بن مروان سأل محمد ابن جبير: متى سميت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش، فقال عبد الملك: ما سمعت هذا، ولكن سمعت أن قصيًا كان يقال له القرشي، ولم تسم قريش قبله.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي
[ ١ / ٧١ ]
سبرة عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: لما نزل قصي الحرم وغلب عليه فعل أفعالًا جميلة فقيل له القرشي، فهو أول من سمي به.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال: النضر بن كنانة كان يسمى القرشي.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن عتبة الأخنسي قال: كانت الحمس قريش وكنانة وخزاعة ومن ولدته قريش من سائر العرب. وقال محمد بن عمر بغير هذا الإسناد، أو حليف لقريش.
قال محمد بن عمر: والتحمس أشياء أحدثوها في دينهم تحمسوا فيها، أي شددوا على أنفسهم فيها، فكانوا لا يخرجون من الحرم إذا حجوا، فقصروا عن بلوغ الحق، والذي شرع الله، ﵎، لإبراهيم وهو موقف عرفة، وهو من الحل، وكانوا لا يسلؤون السمن ولا ينسجون مظال الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم، وشرعوا لمن قدم من الحاج أن يطوف بالبيت وعليه ثيابه ما لم يذهبوا إلى عرفة، فإذا رجعوا من عرفة لم يطوفوا طواف الإفاضة بالبيت إلا عراة أو في ثوبي أحمسي، وإن طاف في ثوبيه لم يحل له أن يلبسهما.
قال محمد بن عمر: وقصي أحدث وقود النار بالمزدلفة حين وقف بها حتى يراها من دفع من عرفة، فلم تزل توقد تلك النار تلك الليلة، يعني ليلة جمع في الجاهلية.
قال محمد بن عمر: فأخبرني كثير بن عبد الله المزني عن نافع عن ابن عمر قال: كانت تلك النار توقد على عهد رسول الله، ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان.
قال محمد بن عمر: وهي توقد إلى اليوم، وفرض قصي على قريش
[ ١ / ٧٢ ]
السقاية والرفادة، فقال: يا معشر قريش إنكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحاج ضيفان الله، وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم، ففعلوا، فكانوا يخرجون ذلك كل عامٍ من أموالهم خرجًا يترافدون ذلك فيدفعونه إليه فيصنع الطعام للناس أيام منى وبمكة، ويصنع حياضًا للماء من أدم فيسقي فيها بمكة ومنى وعرفة، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام ثم جروا في الإسلام، على ذلك إلى اليوم، فلما كبر قصي ورق، وكان عبد الدار بكره وأكبر ولده، وكان ضعيفًا وكان إخوته قد شرفوا عليه، فقال له قصي: أما والله يا بني لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل أحد منهم الكعبة حتى تكون أنت الذي تفتحها له، ولا تعقد قريش لواءً لحربهم إلا كنت أنت الذي تعقده بيدك، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعامًا بمكة إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرًا من أمورها إلا في دارك، فأعطاه دار الندوة وحجابة البيت واللواء والسقاية والرفادة وخصه بذلك ليلحقه بسائر إخوته، وتوفي قصي فدفن بالحجون، فقالت تخمر بنت قصي ترثي أباها:
طرق النعي بعيد نوم الهجد … فنعى قصيًا ذا الندى والسودد
فنعى المهذب من لؤي كلها … فانهل دمعي كالجمان المفرد
فأرقت من حزنٍ وهم داخلٍ … أرق السليم لوجده المتفقد
[ ١ / ٧٣ ]