محمد بن سعد وكتاب الطبقات
ترجم له ابن النديم في الفهرست: ٩٩ (ط. فلوجل)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل رقم: ١٤٣٣، والخطيب في تاريخ بغداد ٥: ٣٢١، وابن خلكان في وفيات الأعيان رقم: ٦١٧ (ط. محيي الدين عبد الحميد) والصفدي في الوافي ٣: ٨٨ (رقم ١٠٠٩)، والذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن حجر في تهذيب التهذيب، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (وفيات ٢٣٠) والجزري في طبقات القراء (١: ١٤٢). ووردت عنه إشارات في كتاب بغداد لابن طيفور، ومعجم الأدباء لياقوت، والإعلان بالتوبيخ للسخاوي. وألف عنه أتولث Otto Loth رسالة عام ١٨٦٩ ثم درس طريقته في الطبقات في مقال له نشر بمجلة ZAMD ص ٥٩٣ - ٦١٤ العدد ٢٣، وكتب سخاو Sachau تحليلًا لكتابه في مقدمة الجزء الثالث من الطبقات، وتحدث عنه هوروفتز Horovitz بين كتاب المغازي الأول ص ١٢٦ - ١٣٢ (ترجمة حسين نصار). يستطيع القارئ أن يراجع ما كتب عنه في دائرة المعارق الإسلامية وفي تاريخ بروكلمان (لأصل ١: ١٣٦ والتكملة ١: ٢٠٨).
ومع كل ذلك، فإن المعلومات التي نحتاجها لنرسم منها هيكلًا لسيرته قليلة بسيرة لا تفي بشيء من هذا، لأن محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري المكنى بأبي عبد الله، يمثل شخصية الراوية الذي لم يسمح لذاته وعلاقاته وأحواله بأن ترسم على ما يرويه، أو أن تتدخل فيه، وإنه لمن
[ ١ / ٥ ]
المفارقات أن ترى الشخص الذي حفظ لنا الصفات الخلفية والخلقية وأدق المظاهر أحيانًا عن حياة الأشخاص، لا يجد من يكتب عنه ترجمة موضحة.
فكل ما لدينا عنه أنه ولد سنة ١٦٨ هـ؟. بالبصرة، فنسب إليها، وارتحل إلى بغداد وأقام فيها ملازمًا لأستاذه الواقدي يكتب له، حتى عرف باسم " كاتب الواقدي ". وكانت له رحلة إلى المدينة والكوفة، ولا ريب في أن رحلته إلى المدينة تمت قبل سنة ٢٠٠ هـ؟، فهو يذكر أنه لقي فيها بعض الشيوخ عام ١٨٩ كما أن أكثر الذين روى عنهم من أهلها أدركتهم المنية قبل مطلع القرن الثالث. وقد كان أحد أجداده مولى لبني هاشم، ولكن ابن سعد نفسه كان قد تحلل من عهدة الولاء، وفي نسبته أنه زهري، وهي نسبة غريبة بعدما صرحت الروايات بولاء أهله لبني هاشم.
وفي أثناء حله وترحاله، كان شغله الشاغل هو لقاء الشيوخ وكتابة الحديث وجمع الكتب، ولذلك اتصل بأعلام عصره من المحدثين فروى عنهم وقيد مروياته، وأفاد منها في تصنيف كتبه حتى وصف بأنه كان كثير العلم، كثير الحديث والرواية، كثير الكتب. وهذا الخبر قد يدل على أن نشاطه لم يقف به عند تأليف الطبقات، وعلى سعة باعه في نواحٍ علمية كثيرة فإن المصادر لم تذكر له من المؤلفات إلا كتابين آخرين - عدا الطبقات الكبير - وهما كتاب الطبقات الصغير، وهو مستخرج من المؤلف الأول، وكتاب أخبار النبي - وهو الكتاب الوحيد الذي ذكره ابن النديم - وربما لم يكن شيئًا سوى الجزأين الأولين من الطبقات الكبير، أي أن الكتب الثلاثة في حقيقتها كتاب واحد، وتسكت المصادر عما سوى ذلك من مؤلفات.
ونستطيع أن نقول إن محمد بن سعد كان على اتصال بأكبر رجال الحديث في عصره، سواء أكانوا شيوخًا أم تلامذة. ومن يطلع على الطبقات
[ ١ / ٦ ]
يجد له شيوخًا كثيرين منهم سفيان بن عيينة وأبو الوليد الطيالسي ومحمد بن سعدان الضرير ووكيع بن الجراح وسليمان بن حرب وهيثم والفضل بن دكين والوليد بن مسلم ومعن بن عيسى وعشرات غيرهم، ولو راجع القارئ تراجم هؤلاء الشيوخ في كتب الرجال، لوجد معظمهم ممن لا يشك في عدالته. وهذا ما يجعلنا نعتقد أن المادة التي نقلها ابن سعد قد وجهت بالنقد الضمني لأنه تحرى قبل نقلها أن تكون في الأكثر مأخوذة عن العدول الثقات. وهذا الموقف هو الذي كسب لابن سعد تقدير معاصريه ومن بعدهم، فكلهم تقريبًا وثقه وأثنى عليه حتى قال فيه الخطيب: " محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته ". وقال ابن خلكان: " كان صدوقًا ثقة " وقال ابن حجر: " أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين " ووصفوه بالفضل والفهم والنبل، وفضلوه على أستاذه الواقدي ضعيف ". وقد تستوقفنا هنا ثلاث روايات تتصل بعدالته:
أولاها: أن ابن فهم - تلميذه - كان مرة عند مصعب الزبيري فمر بهم يحيى بن معين فقال له مصعب: يا أبا زكريا، حدثنا محمد بن سعد الكاتب بكذا وكذا، فقال له يحيى: كذب. وقد اعتذر عنه الخطيب بأن تلك الأحاديث التي أنكرها يحيى ربما كانت من المناكير التي يرويها الواقدي، أي أنه ألقى اللوم على أستاذه أيضًا. ومن أجل هذه القصة فيما يبدو قال ابن تغري بردي: وثقه جميع الحفاظ ما عدا يحيى بن معين.
الثانية: أن ابن أبي حاتم سأل أباه عنه فقال له: " يصدق " (^١) - ولم يستعمل نعتًا قويًا في توثيقه - وزاد قائلًا: رأيته إلى القواريري وسأله عن أحاديث فحدثه.
_________________
(١) أصبحت هذه اللفظة في مصدر متأخر «صدوق» انظر ابن الجزري ١: ١٤٣.
[ ١ / ٧ ]
الثالثة: ما ذكر ابن طيفور (^١) من أن المأمون كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة من الفقهاء - بينهم محمد بن سعد كاتب الواقدي - فأشخصوا إليه، فسألهم وامتحنهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعًا: إن القرآن مخلوق. فهذه الرواية إن صحت تدل أولًا على ما كان يتمتع به ابن سعد من شهرة وتقدم في بغداد، ولكنها قد تشير ثانيًا إلى شيء من عدم الرضي عنه بين فئة من أهل الحديث. ومن ذلك فقد نرى بينه وبين أحمد بن حنبل الذي وقف أصلب موقف في فتنة خلق القرآن علاقة قوية إذ كان أحمد يوجه في كل جمعة برجل إلى ابن سعد يأخذ منه جزائين من حديث الواقدي فينظر فيهما إلى الجمعة الأخرى ثم يردهما ويأخذ غيرهما.
أما تلامذته فهم كثيرون أيضًا، ومنهم أحمد بن عبيد وابن أبي الدنيا والبلاذري والحارث بن أبي أسامة والحسين بن فهم وغيرهم.
وتكاد المصادر تجمع على أن ابن سعد توفي يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ٢٣٠ هـ؟، بمدينة بغداد ودفن في مقبرة باب الشام وهو يومئذ ابن اثنتين وستين سنة. وهذا الخبر منقول عن الحسين بن فهم أحد تلامذته الأدنين، وأحد اثنين رويا كتاب الطبقات. ولكن ابن أبي حاتم يذكر أنه توفي سنة ست وثلاثين (يعني ومائتين) وقال الصفدي في الوافي أنه توفي سنة ٢٢٢ على خلاف في ذلك. ويبدو أن رواية ابن فهم هي الصحيحة، فأما رواية الصفدي في الوافي فواضحة الخطأ لأن ابن سعد يؤرخ لأناس توفوا سنة ٢٢٨ و٢٢٩ هـ؟ (^٢) وليس هناك ما يدل على أن ذلك مما زاده الرواة الذين نقلوا الكتاب. أما رواية ابن أبي حاتم فقد كتبت بالأرقام لا بالحروف وهي في شكلها الذي كتبت به لا تسلم من الخطأ.
_________________
(١) جاء هذا الخبر على نحو أكمل في النجوم الزاهرة ٢: ٢١٩.
(٢) انظر الطبقات ٥: ٣٢٦.
[ ١ / ٨ ]
ولم يقتصر ثقافة ابن سعد على الحديث والأخبار والسير بل إنه كتب الغريب والفقه، وربما دلت صلته بالنحويين واللغويين مثل أبي زيد الأنصاري (^١) على استكماله للنواحي اللغوية والنحوية، على نحو واسع. أما صلته بمحمد ابن سعدان الضرير وهو من مشهوري القراء فتدل على اهتمامه بالقراءات. وقد صرح ابن الجزري بأن ابن سعد روى الحروف عن محمد بن عمر الواقدي ثم رواها عنه الحارث بن أبي أسامة. وكان توفره على كتابة تراجم الرجال سببًا في اطلاعه الواسع على علم الأنساب، ويبدو من الطبقات أنه أحكم هذا الفرع إحكامًا جيدًا بحيث تمكن فيه من المناقشة والترجيح، وعمدته في ذلك رواية أستاذه الواقدي، ورواية ابن إسحاق، ورواية ابن عمارة الأنصاري في نسب الأنصار، ورواية هشام بن محمد بن السائب الكلبي، وعن هذا الأخير روى ابن سعد كتابه " جمهرة الأنساب " (^٢).
و" الطبقات " معرض لنواح كثيرة من ثقافته، وهو عمل ضخم أراده أن يكون في خمسة عشر مجلدًا، ليخدم به السنة أو علم الحديث، فتحدث فيه عن الرسول والصحابة والتابعين إلى عصرهن مقتفيًا خطى أستاذه الواقدي الذي ألف أيضًا كتاب " الطبقات "، ويبدو أن عمل ابن سعد شمل رواية الواقدي نفسه في السيرة والتراجم مضافًا إليها روايات أخذها عن غير الواقدي في السيرة والتراجم أيضًا، فإذا كتابه صورة أكمل وأوسع لأنه يمثل نشاط المحدثين والإخباريين والنسابين في عصره وفيما قبله. غير أن الواقدي يغلب على من عداه في توجيه كثير من المادة، وإن كنا نجد فصولًا استجدها ابن سعد، فلم يرد فيها ذكر للواقدي إطلاقًا (مثل " ذكر كنية رسول الله، ﷺ " ١/ ١: ٦٦؛ ومثل " ذكر ما كان
_________________
(١) انباه الرواة ٢: ٣٠ - ٣١.
(٢) ياقوت ٧: ٢٥٠ (ط. مرجوليوث).
[ ١ / ٩ ]
رسول الله، ﷺ، يعوذ به ويعوذه به جبريل " ٢/ ١: ١٤) وقد كان الواقدي قليل الاهتمام بأمر التاريخ الجاهلي، ولذلك نجد رواية هشام بن محمد بن السائب الكلبي قد غلبت على الفصول المتصلة بتاريخ الأنبياء وبالأنساب القديمة، على وجه الإجمال؛ غير أن الفصول التي لم يذكر فيها الواقدي قليلة، وأهم الفصول إنما هي من اجتهاده وتحريره، حتى ليصدق قول ابن النديم على ابن سعد " ألف كتبه من تصنيفات الواقدي ". وفي حديثه عن الوفود التي وفدت على الرسول نجد رواية الواقدي تسير جنبًا إلى جنب - في أكثر الأحيان - مع رواية هشام بن الكلبي. بل لم يقتصر ابن سعد على الإفادة من " طبقات " الواقدي وإنما استقى معلومات من كتبه الأخرى مثل كتاب " أزواج النبي، ﷺ "، وكتاب " وفاة النبي، ﷺ "، وكتاب " أخبار مكة "، وكتاب " السيرة "، وكتاب " طعم النبي "، وأفاد بخاصة من كتاب " المغازي "، فقد دخل هذا الكتاب كله ضمن طبقات ابن سعد. غير أنه لك يكتف به في هذا الموضوع فأضاف إليه المعلومات التي رواها عن ثلاثة الرواة تتصل رواية الأول منهم (وهو رويم بم يزيد المقرئ) بمغازي ابن إسحاق، وتتصل وراية الثاني بأبي معشر أحد الذين كتبوا في المغازي، أما الثالث وهو إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني فتتصل روايته بمغازي موسى ابن عقبة. وهكذا يجيء هذا الفصل ممثلًا لأربعة كتب في المغازي (عدا روايات أخرى). ولا بد لنا من أن نتذكر أن اثنين من هؤلاء الثلاثة وهما موسى بن عقبة وابن إسحاق كانا من تلامذة الزهري، وأن إحدى روايات الواقدي تتصل بالزهري، كما أن الواقدي نفسه اعتمد كثيرًا على مغازي موسى بن عقبة ومغازي ابن إسحاق، دون أن يشير إليهما كثيرًا. وفي هذا ما يدل على اختلاط الروايات واتفاقها في منبع واحد. أما أبو معشر فقد اعتمد عليه الواقدي أيضًا وكان موثقًا في السيرة والمغازي بصيرًا بهما
[ ١ / ١٠ ]
غير أن ابن سعد نفسه وصفه بأنه " كان كثير الحديث ضعيفًا ".
ويتبين لنا من هذا الغرض أن في رواة ابن سعد ثلاثة على الأقل بضعفهم أهل الحديث، وهم: هشام بن محمد بن السائب الكلبي (وإن كان عندهم أوثق من أبيه) ولكنه يروي عن أبيه، وكان ابن سعد يعرف أن المحدثين يضعفونه. ثم الواقدي نفسه فقد اتهموه بأنه أغرب على الرسول بعشرين ألف حديث وأنه كان يروي المناكير. والثالث أبو معشر هذا المذكور. غير أنهم جميعًا يوثقون في السيرة والمغازي. وهذا الانفصال بين الحديث من ناحية والسير والأخبار والمغازي من ناحية أخرى أمر يستحق النظر. ولعل التحري الدقيق يثبت أن المحدثين الذين جرحوا هؤلاء المؤرخين كانوا ينظرون من زاوية خاصة، لعلها ضيقة محدودة، آية ذلك أن الواقدي نفسه وهو ما يهمنا هنا - لأن أكثر علم ابن سعد مأخوذ عنه - كان موثقًا عند فريق كبير من المحدثين فكان ابن سلام الجمحي يقول: " محمد بن عمر الواقدي عالم دهره " وكان الإمام مالك يسأله إذا أشكل عليه أمر، وقال فيه الدراوردي " ذلك أمير المؤمنين في الحديث " وقال مصعب الزبيري " والله ما رأينا مثله قط "، إلى غير ذلك من شهادات الأئمة الأعلام فيه. وقد كان الواقدي ذا إحساس عميق بمهمة المؤرخ وواجبه وحدوده. وحسبنا شاهدًا على ذلك أنه عند تأريخه المغازي لم يترك موضعًا حدثت فيه غزاة إلا كان يذهب لمعاينته، وقد شهد بعضهم أنه رآه وهو ذاهب إلى حنين ليرى موضع الوقعة. وأكبر ما عابه عليه المحدثون شيء اتبعه ابن سعد تلميذه أيضًا وهو جمع أسانيد كثيرة وإيراد متن واحد لها، وإدخال حديث الرجال بعضهم في بعض، مبتغيًا بذلك الإيجاز إذا كثرت الروايات وتشابهت.
على أن اعتماد مغازي موسى بن عقبة وابن إسحاق وأبي معشر ورواة الواقدي من المدنين حقيقة هامة يمكن أن نرى فيها ما يسمى " مدرسة المدينة " في السيرة، وهذه المدرسة التي انتقل مركز الثقل فيها من المدينة إلى
[ ١ / ١١ ]
بغداد بانتقال ابن إسحاق وأبي معشر والواقدي، ثم انضم إليها ابن سعد نفسه بدراسته على الواقدي، قد علمت في ظل الخلافة العباسية وكان بعضهم يجد الحظوة التامة لدى العباسيين كابن إسحاق والواقدي.
وبعد أن انتهى ابن سعد في أكثر الجزأين الأولين من سيرة الرسول، أضاف فصلًا عن الذين كانوا يفتون بالمدينة على عهد الرسول، ثم أخذ يترجم الأخير الذي خصصه للنساء. وقد راعى في التراجم عنصرين: عنصر الزمان وعنصر المكان - أما عنصر الزمان فقد تدخل في بناء الطبقات من أولها إلى آخرها، وكانت السابقة إلى الإسلام هي المحور الأكبر فيه، سواء اتصلت بالهجرة إلى الحبشة ثم بموقعة بدر أو وقتت بما قبل فتح مكة، أو غير ذلك من النقط الزمنية التي وجهت التقسيم في ذلك الكتاب. ومن ثم بدأ بالمهاجرين البدريين ثم بالأنصار البدريين ثم بمن أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا وإنما هاجر إلى الحبشة أو شهد أُحدًا (فالبدريون مفضلون على من عداهم) ثم من أسلم قبل فتح مكة وهكذا. ونلاحظ في هذه القسمة أن ابن سعد احتذى فيها شيئًا شبيهًا بما صنعه عمر بن الخطاب عندما دون الدواوين. وبعد هذا تدخل العنصر المكاني فأخذ يترجم للصحابة ومن بعدهم على حسب الأمصار التي نزلوا فسمى من كان بالمدينة ومكة والطائف واليمن واليمامة، ثم من نزل الكوفة، ثم من نزل البصرة، ومن كان موطنه الشام ومصر وغيرهم. وفي أثناء هذا التقسيم التفت إلى التقسيمات المكانية، وبخاصة عند الحديث عن التابعين لأنه ترجم لهم في الطبقات، والطبقة في العادة تساوي جيلًا أو عشرين سنة أو عشر سنين، وهي تساوي في كتاب ابن سعد عشرين سنة تقريبًا، فمثلًا تراوح نهاية الطبقة الثالثة بين سنتي ١٠٨ - ١١٣ وتراوح نهاية
[ ١ / ١٢ ]
الطبقة الرابعة بين سنتي ١٢٦ - ١٣٢.
وقد أظهر هذا التقسيم عيبًا واحدًا في الكتاب إذ قد يكون أحد الأشخاص داخلًا في غير موضع واحد في هذا المنهج الكبير، أي قد يكون أحد الناس بدريًا، ممن يفتي ايام الرسول، ثم هاجر إلى مصر من الأمصار وعلى هذا فلا بد له من ثلاث تراجم، غير أن ابن سعد كان على وهي بهذا ولذلك ففي مثل هذه الأحوال تجده يطيل الترجمة في موطن واحد ويوجز في المواطن الأخرى. وهناك مظهر آخر لهذا التقسيم نتج من الاعتماد الكلي على الرواية وذلك هو أننا كلما ابتعدنا عن الطبقات الأولى التي تهم ابن سعد الرواية عنها من جميع النواحي، أخذت الترجمة تتذاءل وتقل قيمتها، وبدلًا من أن يكتب ابن سعد ترجمات مستفيضة لمن عاصرهم، نجده اكتفى في هذا بقولة موجزة وأفاض كثيرًا في تراجم الصحابة وكبار التابعين وبلغ من الدقة حدًا يجعل من كتابه وثيقة بالغة القيمة.
وقد اختفت شخصية ابن سعد أو كادت وراء السند، بل إنه لا يضيرنا كثيرًا أن نعتبر كتاب الطبقات رواية نقلها تلميذ ابن سعد " الحارث بن ابي أسامة " - مثلًا - بل إننا نجد في بعض المواطن هذه العبارة " حدثنا محمد بن سعد " أي أن الذي يروي النص تلميذه لا هو؛ وقد كفل هذا للكتاب قسطًا وافرًا جدًا من الموضوعية، كما هي الحال في أكثر نواحي الثقافة الإسلامية المعتمدة على الأسانيد. وليس لابن سعد في الكتاب تعليقات كثيرة ولكن ما يوجد منها يدل على قدرة نقدية طيبة. فمن ذلك قوله في التعليق على اختلاف العلماء في نسب معد: " ولم أر بينهم اختلافًا أن معدًا من ولد قيذر بن إسماعيل، وهذا الاختلاف في نسبته يدل على أنه لم يحفظ وإنما أخذ ذلك من أهل الكتاب وترجموه لهم فاختلفوا فيه، ولم صح ذلك لكان رسول الله، ﷺ، أعلم الناس به، فالأمر عندنا على الانتهاء إلى معد بن عدنا ثم الإمساك
[ ١ / ١٣ ]
عما وراء ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم " (^١). وهو يذكر رواية ابن الكلبي أن والد الرسول توفي بعد ما أتى على الرسول ثمانية وعشرون شهرًا، ويقال سبعة اشهر ثم يعلق على ذلك بقوله: " والأول أثبت أنه توفي ورسول الله، ﷺ، حمل " (^٢) وأورد رواية يستفاد منها أن النبي بكى عند قبر أمه لما فتح مكة فقال " وهذا غلط وليس قبرها بمكة، وقبرها بالأبواء " (^٣). وقال في موطن آخر يذكر وفاة حميد بن عبد الرحمن: " وقد سمعت من يذكر أنه توفي سنة خمس ومائة وهذا غلط وخطأ ليس يمكن أن يكون ذلك كذلك، لا في سنة ولا في روايته، وخمس وتسعون أشبه واقرب إلى الصواب " (^٤). ونقل عن هشام الكلبي قوله إن الذي حضر بدرًا هو السائب ابن مظعون (لا السائب بن عثمان بن مظعون) فقال في التعليق عليه: " وذلك عندنا منه وهل لأن أصحاب السيرة ومن يعلم المغازي يثبتون السائب الخ " (^٥). وهو يضعف شعرًا يرويه (^٦)، وروايته للشعر وبخاصة في السيرة، ليست قليلة، ولكنها في باب المغازي مثلًا أقل بكثير مما رواه الواقدي أو ابن إسحاق. وهذا الميل النقدي الذي تصوره هذه النصوص موجود عند أستاذه الواقدي أيضًا.
ويجب أن نذكر أم متاب الطبقات من أوائل ما ألف في هذا الموضوع، وإننا لا نعلم كتابًا سبقه إلا طبقات الواقدي، وتذكر هذه الحقيقة يجعلنا ندرك قيمة الكتاب من حيث هو مصدر قديم ومن حيث هو أحد النماذج الأولى في موضوع " الرجال ". حقًا إن التأليف في هذه الناحية كثر من
_________________
(١) الطبقات ١ - ١: ٢٩، ٦٢، ٧٤.
(٢) الطبقات ١ - ١: ٢٩، ٦٢، ٧٤.
(٣) الطبقات ١ - ١: ٢٩، ٦٢، ٧٤.
(٤) الطبقات ٥: ١١٥.
(٥) الطبقات ٣ - ١: ٢٩٢.
(٦) الطبقات ١ - ١: ٤٧.
[ ١ / ١٤ ]
بعده، وربما انقسم التأليف في الطبقات بعده قسمين، قسم خاص بالصحابة وقسم خاص بسائر رجال الحديث من بعدهم، ولكن أثر كتاب ابن سعد، سواء ذكر اسمه أو لم يذكر، قد ظهر في التواليف التي جاءت من بعد. وإذا كنا لا نعرف لابن سعد أثرًا في " طبقات " خليفة بن خياط لأن هذا لم يصلنا، فنحن نعلم أن الصلة بين ابن سعد والبلاذري مثلًا كانت وثيقة، وأن مادة ابن سعد قد تركت أثرًا واضحًا في كتاب " فتوح البلدان "، وكتاب " أنساب الأشراف "، والثاني من هذين الكتابين صورة أخرى للتأليف في الطبقات. وفي كتاب ابن سعد فصول هي الأصل الذي احتذاه المؤلفون في " دلائل النبوة " كأبي نعيم والبيهقي وعنه نقل ابن مندة في طبقاته، ويمكن أن تقارن أصول السند عنده بما عند ابي نعيم الأصفهاني في " حلية الأولياء " فإن المتن متشابه وطرق الإسناد هي نفس طرق ابن سعد، متجهة اتجاهًا آخر، على أيدي رواة آخرين. ومن الغريب أن ابن عبد البر القرطبي في " الاستيعاب " لا يذكر أنه اعتمد على طبقات ابن سعد ويقول أنه استمد من طبقات الواقدي نفسه عن طريق محمد بن سعد عن طرق إبراهيم بن موسى بن جميل (س ٠ ٣٠٠) وهذا الأخير أندلسي هاجر إلى المشرق وسمع ابن حنبل وابن أبي الدنيا وابن قتيبة وابن سعد نفسه. وتظل شهرة ابن سعد بين الأندلسيين محدودة - بعكس طبقات الواقدي - حتى إن الكلاعي مؤلف " الاكتفاء " اعتمد على ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ومصعب الزبيري ولم يذكر شيئًا عن ابن سعد وطبقاته. على أنّا نجد أندلسيًا متأخرًا ينقل عنه وهو ابن أبي بكر (- ٧٤١) في كتابه " التمهيد والبين في مقتل الشهيد عثمان "، وهو كتاب ما يزال مخطوطًا. وأغرب من هذا أمر المشارقة وبخاصة ابن الأثير مؤلف " أسد الغابة " فإنه اكتفى في كتابه هذا بالاعتماد على أربعة كتب هي: كتاب ابن مندة وكتاب أبي نعيم وكتاب ابن عبد البر ثم تذييل الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى الأصفهاني. وواضح من هذا أن
[ ١ / ١٥ ]
كتاب ابن سعد يدخل في " أسد الغابة " دخولًا غير مباشر، ولكن إغفال ابن الأثير له أمر يستوقف النظر.
غير أن طبقات ابن سعد، مع ذلك كله، مصدر هام عند ابن عساكر في كتابه " تاريخ دمشق " ومصدر هام في " تاريخ الإسلام " للذهبي وفي " تجريد أسماء الصحابة " و" سير أعلام النبلاء " ومعتمد في " الإصابة " و" تهذيب التهذيب " لابن حجر. وينقل عنه ابن كثير في تاريخه ويصرح ابن تغري بردي بقوله: " ونقلنا عنه كثيرًا في هذا الكتاب " - أي كتاب النجوم الزاهرة - وكذلك كان مرجعًا لمن كتبوا في السيرة من المتأخرين كالمقريزي في " إمتاع الأسماع "، ولكثير من الكتب في الرجال.
وقد وصلنا هذا الكتاب برواية الحارث بن أبي اسامة لبعضه، والحسين ابن فهم لبعضه الآخر - كلاهما يرويه عن ابن سعد - ونحن نعلم أن الأول منهما له رواية مباشرة عن الواقدي نفسه. ثم تنقسم هذه الرواية فيأخذ أبو أيوب سليمان بن إسحاق الحلاب عن الحارث، ويأخذ أبو الحسن أحمد بن معروف الخشاب عن ابن فهم، وتعود الروايتان فتجتمعان عند أبي الحسن ابن حيويه الخزاز وتتسلسل الرواية من بعد ذلك خلال عدد من الرواة حتى تصل إلى محدث الشام ومسنده شمس الدين أبي الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي ومنه إلى شرف الدين محمد بن عبد المؤمن الدمياطي.
ومنذ سنة ١٩٠٣ عمل في نشر هذا الكتاب جماعة من العلماء الألمان فأشرف عليه سخاو وعانه فيه هوروفنز ومنوخ وبروكلمان وشوالي ولبرت وميسنر وسترستين، وكان اعتمادهم على مخطوطات خمس وجدوها، فجاء عملهم في حدود الإمكانات التي توفرت لهم جيدًا مضبوطًا دقيقًا. فإعادة طبع هذا الكتاب اليوم عمل هام ضروري، غايته تقريبه من أيدي الدارسين وتسهيل وصوله إليهم، ففي صفحاته كنز لا ينضب من المعرفة لمن شاء أن يدرس سيرة الرسول وحياة القرنين الأولين من تاريخ الإسلام، وهو المنيع الذي
[ ١ / ١٦ ]
يمد الباحثين بموضوعات جديدة في كتابة السير والبحث عن طرق الإسناد وكيفية تدوين الحديث، ويعلمنا الشيء الكثير عن الأمور الاجتماعية المتصلة بحياة البيت والسوق وأمور الزي والطعام والشراب وعن جوانب من الأعمال والمهن والحياة التجارية، وعن كثير من النواحي الثقافية والأحكام الفقهية، والصراع بين السنة والأهواء، وعن عشرات من الموضوعات، كل ذلك في لغة سهلة مستوية جزلة، وفي اعتدال وقصد وموضوعية وتجرد لا يستطيعه إلا من كان مخلصًا، كابن سعد، يقدم الغاية العلمية على كل شيء آخر.
إحسان عباس
[ ١ / ١٧ ]