كاد ابن سعد يسلم من جرح النقاد لولا أن ابن معين كذَّبه، وذلك فيما يرويه الخطيب البغدادي بسنده عن الحسين بن فَهُم، قال:
(كنت عند مصعب الزبيري فمر بنا يحيى بن معين فقال له مصعب: يا أبا زكريا حدثنا محمد بن سعد الكاتب بكذا وكذا -وذكر حديثًا- فقال له يحيى: كذب" (^٤). إلا أن الخطيب اعتذر عن ابن سعد، وصرف نقد ابن معين
_________________
(١) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ١٤٢.
(٢) انظر: الفهرست ٨١. وتاريخ بغداد ٩/ ٧٧.
(٣) من لمسات المشرف.
(٤) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢١.
[ ٤٢ ]
عنه ووجهه إلى الواقدي، بقوله: "ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته، ولعل مصعبًا الزبيري ذكر ليحيى عنه حديث من المناكير التي يرويها الواقدي فنسبه إلى الكذب" (^١).
وكذا اعتذرا عنه عبد الكريم السمعاني (ت (٥٦٢) هـ) فقال: "حُكي أن ابن معين رماه بالكذب. ولعل الناقل عنه غلط أو وهم لأنه من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته" (^٢). وقال الذهبي (ت (٧٤٨) هـ): "هذه لفظة ظاهرها عائد إلى الشيء المحكي، ويحتمل أن يقصد بها ابن سعد، ولكن ثبت أنه صدوق" (^٣). ولذا قال ابن تغري بردي (ت (٨٧٤) هـ) بعد أن وصفه بالإمامة والفضل والعلم: "ووثقه غالب الحفاظ إلا يحيى بن معين" (^٤).
ويظهر من أقوال النقاد أنهم لم يلمزوه في عدالته، بل عاب بعضهم عليه روايته عن الضعفاء. ويتضح ذلك في قول ابن صلاح (ت (٢١٣) هـ): "هو ثقة غير أنه كثير الرواية في الطبقات عن الضعفاء، ومنهم الواقدي محمد بن عمر" (^٥).
وقال أبو حاتم (ت (٣٢٧) هـ): "يصدق" (^٦).
وقال ابن النديم (ت (٣٨٥) هـ): "كان ثقة مستورًا عالمًا بأخبار الصحابة والتابعين" (^٧).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) نظر: الأنساب للسمعاني ٤٧٠.
(٣) انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٥٦٠.
(٤) انظر: النجوم الزاهرة ٢/ ٢٥٨.
(٥) انظر: مقدمة ابن صلاح ٥٩٩.
(٦) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٦٢. وقد طرأ تغيير على هذه اللفظة فصارت "صدوق" وتنسب إلى أبي حاتم. (انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٥٦٠. والعبر للذهبي ١/ ٤٠٧. وغاية النهاية لابن الجزري ٢/ ١٤٢. وشذرات الذهب ٢/ ٦٩.)
(٧) لعله أراد بقوله "مستورًا" أي أنه عفيف، لأن حملها على الجهالة الحال يتنافى مع توثيقه له والله أعلم (انظر: الفهرست لابن النديم ١٤٥. والمعجم الوسيط ١/ ٤١٦. مادة: سَتَرَ).
[ ٤٣ ]
وقال ابن خلكان (ت (٦٨١) هـ): كان أحد الفضلاء النبلاء الأجلاء وكان صدوقًا ثقة" (^١).
وقال عنه الذهبي (ت (٧٤٨) هـ) (الحافظ العلامة) (^٢) ووصفه مرة بـ "الحجة" (^٣) وبأنه "أحد الحفاظ الكبار (^٤) " وبأنه "صدوق، وقاله أبو حاتم وغيره" (^٥).
وقال الصفدي (ت (٧٦٤) هـ): "وكان صدوقًا ثقة" (^٦).
وقال اليافعي (ت (٧٦٨) هـ): "الإمام الحبر الحافظ" (^٧).
وقال ابن الجزري (ت (٨٣٣) هـ): "حافظ مشهور" (^٨).
وقال ابن حجر (ت (٨٥٢) هـ): "أحد الحفاظ الكبار، والثقات المتحرين" (^٩).
وقال أيضًا: "صدوق فاضل" (^١٠).
ووصفه السيوطي (ت (٩١١) هـ) بأنه حافظ (^١١).
_________________
(١) انظر: وفيات الأعيان ٤/ ٣٥١.
(٢) انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٥.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٨٥ ب.
(٤) انظر: تذهيب تهذيب الكمال ٣/ ٢/٢٠٦ أ.
(٥) انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٥٦٠.
(٦) انظر: الوافي بالوفيات ٣/ ٨٨.
(٧) انظر: مرآة الجنان ٢/ ١٠٠.
(٨) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ١٤٢.
(٩) انظر: تهذيب التهذيب ٩/ ١٨٢.
(١٠) انظر: تقريب التهذيب ٢٩٨.
(١١) انظر: طبقات الحفاظ للسيوطي ١٨٣.
[ ٤٤ ]
ونقل ابن العباد الحنبلي (ت (١٠٨٩) هـ)، عن ابن الأهدل (^١)، قوله: "قيل إنه مكث ستين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا" (^٢).
وبعد سرد هذه الأقوال يتضح انفراد يحيى بن معين تكذيب ابن سعد ودفاع الخطيب البغدادي، والمسمعاني، وابن تغري بردي، يُبعد عنه ذلك بالإضافة إلى أن الحفاظ عدُّوا ابن معين في طبقة المتشددين من بين طبقات النقاد، فلا يُقبل قوله إذا انفرد بالجرح وخالفه بقية النقاد.
قال اللكنوي (ت (١٣٠٤) هـ) أثناء تعداده لموانع قبول الجرح والتروي فيه: ومنها -أي من موانع قبول الجرح-: "أن يكون الجارح من المتعنتين المشددين فإن هناك جمعًا من أئمة الجرح والتعديل لهم تشدد في هذا الباب، فيجرحون الراوي بأدنى جرح، ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه عند أولي الألباب، فمثل هذا الجارح توثيقه معتبر، وجرحه لا يعتبر إلا إذا وافقه غيره ممن ينصف ويعتبر فمنهم. أبو حاتم، والنسائي، وابن معين …، وغيرهم. فإنهم معروفون بالإسراف في الجرح والتعنت فيه، فليتثبت العاقل في الرواة الذين تفردوا بجرحهم وليتفكر فيه" (^٣).
هذا وإن كثيرًا من جهابذة الحفاظ لم يسلموا من جرح بعض النقاد، فهذا ابن معين الذي تكلم في ابن سعد قد تُكلم فيه. فقال: الذهبي، قال إبراهيم بن هانيء: (^٤) رأيت أبا داود (^٥) يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى فقال: من جرَّ ذيول الناس جروا ذيله. قال الذهبي: "إنما ذكرته -أي يحي بن معين-) عبرة ليُعلم أن ليس كل كلام وقع في حافظ كبير بمؤثر فيه بوجه (^٦).
_________________
(١) لم أعثر عليه.
(٢) انظر: شذرات الذهب ٢/ ٦٩.
(٣) انظر: الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ١٧٦.
(٤) هو النيسابوري، نزيل بغداد. ثقة في الحديث، توفي سنة خمس وستين ومائتين. (انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٠٤.)
(٥) هو سليمان بن الأسعث أبو داود السجستاني صاحب السنن المتوفى سنة خمس وسبعين ومائتين. (انظر: تقريب التهذيب ١٣٢).
(٦) انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٤١٠.
[ ٤٥ ]
فلا عبرة إذن في تجريح ابن معين لابن سعد. فقد وثقه أبو حاتم الرازي وهو من المتشددين أيضًا. وكفى لتوثيقه الذهبي، وابن حجر العسقلاني، فإنهما من أهل الاستقراء في نقد الرجال، وعليهما التعويل في الموازنة والترجيح بين أقوال قدامى النقاد والوصول إلى الأحكام المتزنة والأقوال المعتدلة.
كما لا تعتبر رواية ابن سعد عن الواقدي وغيره من الضعفاء سببًا في الطعن إليه، فقد شاركه في هذا كبار الحفاظ، وَمَنْ أَسْنَدَ فَقَدْ أَحَالَ، وابن سعد يسوق الروايات عن الضعفاء والثقات بالأسانيد ويبرأ من العهدة، ولم يقل إنَّ شرطه ذكرُ الروايات الصحيحة، فلا حجة عليه في ذلك (^١).