لا شك أن أهمية هذا القسم داخلة في أهمية الكتاب -كتاب الطبقات الكبرى- ككل، باعتباره من أقدم ما وصل إلينا من كتب (الطبقات)، ولاحتوائه على السيرة مفصلة للنبي ﷺ، اعتمد عليها المؤلفون الذين كتبوا في تاريخ السيرة فيما بعد، والذي يهمنا من هذا الكتاب باقي المجلدات التي تناولت طبقات المحدثين، من الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى عصر المؤلف.
(وتُلقي هذه المعلومات التي قدمها ابن سعد، أضواء على الحياة الثقافية والحضارية في القرنين الأول والثاني الهجريين، مما يجعل لكتابه أهمية كبيرة من الناحية التأريخية) (^١). وكذلك من الناحية النقدية إذ اعتبر العلماء كلام ابن سعد في الجرح والتعديل جيدًا مقبولًا (^٢). أضف إلى ذلك ما لقيه الكتاب من ثناء العلماء على فوائده، الكثيرة وحسن تصنيفه (^٣).
وطالما اقتصرت دراستي على هذا القسم غير المطبوع من (الطبقات الكبرى) فإنني سأبرز أهمية هذا القسم بالذات من خلال دراستي له.
_________________
(١) انظر: بحوث في تاريخ السنة المشرفة ٧٦/ ٧٨.
(٢) انظر: الإعلان بالتوبيخ ٣٤٢.
(٣) انظر: مقدمة ابن صلاح ٥٩٩. وكشف الظنون ٢/ ١٠٩٩. ونشأة علم التاريخ عند العرب ٣٢.
[ ٦٩ ]
لقد استقى ابن سعد روايات هذا القسم من عدد كبير ينيف على أربعين شيخًا، من مشاهير العلماء، أفاد منهم حسب الفنون التي تميزوا بها، مما يدل على حسن اختياره لمرويات كتابه من مظانها المتخصصة.
وتعظم أهمية هذا القسم من كتاب الطبقات بسبب فقدان المؤلفات الأولى من التواريخ التي تناولت تاريخ علماء ورواة المدينة المنورة في القرنين الأولين.
وتتضح أهميته أيضًا بنقول المؤلفين عنه في كتبهم المختلفة. فقد نقل عنه الطبري (ت (٣١٠) هـ) في (تاريخ الأمم والملوك). ووكيع بن حيان (ت (٣٠٦) هـ) في (أخبار القضاة). والأصبهاني (ت (٤٣٠) هـ) في (حلية الأولياء). وابن ماكولا (ت (٤٧٥) هـ) في الإكمال. والخطيب البغدادي (ت (٤٦٣) هـ) في (تاريخ بغداد). وابن عساكر (ت (٥٧١) هـ) في (تاريخ مدينة دمشق). والذهبي (ت (٧٤٨) هـ) في (تاريخ الإسلام) و(سير أعلام النبلاء) و(تذكرة الحفاظ) و(ميزان الاعتدال). وابن حجر (ت (٨٥٢) هـ) في (تهذيب التهذيب) و(تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة)، و(تبصير المنتبه). وابن تغري بردي (ت (٨٧٤) هـ) (^١). والسخاوي (ت (٩٠٢) هـ) في (التحفة اللطيفة). والسيوطي (ت (٩١١) هـ) في (طبقات الحفاظ). كما يتضح من الحواشي التحقيقات التي ذيلت بها هذا القسم من الطبقات.
ومما يزيد في أهمية هذا القسم، احتواؤه على بعض التراجم التي لا وجود لها في كتب التراجم التي بين أيدينا، وهذا يعطينا إضافة علمية جديدة قدمها لنا ابن سعد.
أضف إلى ذلك، أن هذا القسم سيكمل مصدرًا من أقدم المصادر التي كتبت عن تاريخ المدينة المنورة، وهو كتاب (الطبقات الكبرى) لابن سعد.
_________________
(١) يقول في (النجوم الزاهرة) ٢/ ٢٥٨، عند كلامه عن ابن سعد: (كان إمامًا) فاضلًا عالمًا حسن التصانيف، ونقلنا عنه كثيرًا في الكتب.
[ ٧٠ ]