لا شك أن هذه النماذج الآنفة الذكر، التي أوردها ابن سعد في هذا القسم من الطبقات الكبرى، تدل على طوَل باعه في هذا المجال، خاصة إذا ما قورنت بأقوال النقاد الآخرين الذي يعول عليهم في نقد الرجال.
فقد ترجم لسبع وأربعمائة راو من تابعي أهل المدينة في هذا القسم، وثق منهم اثني عشر ومائة راوٍ، وافق حكمه حكم الجمهور في سبعة وثمانين راويًا منهم، وواثق بعض النقاد في توثيقه لسبعة عشر راويًا، ولو وازنَّا بين هذه الأقوال التي حكم فيها ابن سعد على هؤلاء السبعة عشر، وبين حكم ابن حجر العسقلاني عليهم، لوجدنا أن ابن سعد وثق الجميع بلفظ (كثير الحديث أو قليله)، -وهذه الدرجة من التوثيق اعتبرها ابن حجر المرتبة الثالثة من مراتب قبول الرواية (^٨)، وهي عند البعض المرتبة الثانية (^٩)، وعند البعض الآخر
_________________
(١) : ١٣٣.
(٢) : ٢١.
(٣) ٣٥٧.
(٤) : ٣٨٩.
(٥) : ٣٢٤.
(٦) : ١٤٥.
(٧) : ٢٦٢.
(٨) لأن الأولى عنده هي الصحابة، والثانية ما جاء بصيغة أفعل التفصيل. (انظر: مقدمة تقريب التهذيب ٩).
(٩) اعتبرها العراقي والذهبي المرتبة الثانية، لأن الأولى عندهما ما كرر لفظها. (انظر: تدريب الراوي ١/ ٣٤٢).
[ ٧٢ ]
الأولى (^١) - ونجد أن ابن حجر قد أصدر حكمه على ستة عشر رجلًا ثلاثة منهم أطلق عليهم لفظ (صدوق) (^٢) وواحد لفظ (لا بأس به) (^٣). وكلا اللفظين يُعدَّان عنده في المرتبة الرابعة من مراتب القبول (^٤). ويقول في الباقين: "صدوق ربما وهم (^٥) أو-له أوهام (^٦)، أو يهم (^٧)، أو ربما أخطأ (^٨)، أو يخطئ (^٩)، أو تغير في آخره (^١٠)، أو سيئ الحفظ (^١١)، أو فيه لين" (^١٢). وجميع هذه الألفاظ عند ابن حجر في المرتبة الخامسة (^١٣)
وقد خالف ابن سعد الجمهور النقاد في حكمه على ستة رواة، فقد وثق ثلاثة منهم. قال البخاري في أحدهم: "حديثه منكر" (^١٤). وفي الثاني: "منكر الحديث" (^١٥)، أما الثالث فقد أجمع النقاد على ضعفه (^١٦). وقال ابن سعد في الرابع (ثقة كثير الحديث يرسل). والجمهور على أنه ضعيف. وزاد ابن حجر: "كثير الإرسال" (^١٧).
_________________
(١) وهي الأولى باعتبار ابن أبي حاتم. (انظر: مقدمة الجرح والتعديل ١٠).
(٢) انظر: التراجم ٢٣٦ و٢٥٥ و٣٦٤.
(٣) انظر: الترجمة ١٨٩.
(٤) انظر: مقدمة التقريب ٩.
(٥) انظر: الترجمة ٢٣٥ و٣٣٩ وزاد: رمي بالقدر.
(٦) انظر: الترجمة ١٤٨ و٣٢٣ قال ابن سعد فيه: ثقة ثبت فيه عسر.
(٧) انظر: الترجمة ٣٠٤ و٣٢٥.
(٨) انظر: الترجمة ٢٥٩.
(٩) انظر: الترجمة ١٦٣ و٣٧٥.
(١٠) انظر: الترجمة ٢٥٥. زاد ابن سعد: حدث نفسه في آخره.
(١١) انظر: الترجمة ٢٤٦.
(١٢) انظر: الترجمة ٢٤١.
(١٣) انظر: مقدمة تقريب التهذيب ٩.
(١٤) انظر: الترجمة ٢٧٨.
(١٥) انظر: الترجمة ٢٨٠.
(١٦) انظر: الترجمة ٣١٢.
(١٧) انظر: الترجمة ٢٥٢.
[ ٧٣ ]
وقال في الخامس: "ثبت في الحديث". وقال أبو حاتم والذهبي: "مجهول) (^١).
وقال في السادس: "ثقة كثير الحديث ليس بحجة". والجمهور على أنه ضعيف (^٢).
بقي راويان ممن وثقهم ابن سعد، أحدهما ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (^٣). والثاني لم أعثر على ترجمة له في عدد من المصادر (^٤). وبهذا نكون قد أكملنا الموازنة بين أقوال ابن سعد في أصحاب التراجم الذين وثقهم، وبين أقوال النقاد الآخرين فيهم.
أما أصحاب التراجم الذين جرحهم في هذا القسم، فعددهم ثلاثون راويًا. وافق حكمه حكم الجمهور في ثمانية عشر راويًا. كما وافق بعض النقاد وخالف بعضهم في حكم على تسعة رواة. فضعف خمسة منهم بقوله (يُستضعف).
قال البخاري في أحدهم: "منكر الحديث" وقال ابن المديني: "ليس بشيء". وقال الذهبي: "صالح الحديث"، وقال ابن حجر: "لين الحديث". ووثقه ابن معين وأبو داود، والساجي، والأزدي (^٥).
أما الثاني، فقد لينه يحيى القطان. ويحيى الأنصاري. وقال ابن معين: "كانوا يتقون حديثه"، وقال مرة: "ثقة". وقال الذهبي: "شيخ مشهور حسن الحديث". وقال ابن حجر: "صدوق له أوهام" (^٦).
_________________
(١) انظر: الترجمة ٣٢٨.
(٢) انظر: الترجمة ٣٣٩.
(٣) انظر: الترجمة ٢١٠.
(٤) انظر: الترجمة ٢٨٠.
(٥) انظر: الترجمة ٢٥٤.
(٦) انظر: الترجمة ٢٨٣.
[ ٧٤ ]
وقال ابن حجر في الثالث: "صدوق يهم" (^١). وفي الرابع: "صدوق له أوهام ورمي بالتشيع" (^٢).
وأما الخامس فهو محمد بن إسحاق صاحب السيرة، قال ابن سعد: كتب عنه العلماء، ومنهم من يستضعفه، ووثقه عندما عده في البغداديين. وهو عند أكثر النقاد ثبت في حديث، وقد لينه البعض. وقال الذهبي: "صدوق قوي الحديث". وقال ابن حجر: "صدوق يدلس، رُمي بالتشيع والقدر" (^٣).
أما بالنسبة للأربعة الباقين من التسعة، فقد قال ابن سعد عن أحدهم: "لا يحتج بحديثه لأنه يرسل عن النبي ﷺ كثيرًا، وليس له لُقي وعامة أصحابه يدلسون". وقال عنه ابن حجر: "صدوق كثير التدليس والإرسال" (^٤).
وقال عن الثاني: "رأيتهم يهابون حديثه". وقد اختلفت فيه أقوال النقاد وصرحت بعض الأقوال بأنه اختلط في آخره. وخلاصة الأقوال: أنه ثقة قبل الاختلاط، متروك بعده (^٥).
وقال عن الثالث والرابع: "لا يحتج بحديثه" (^٦). و"منكر الحديث لا يحتجون بحديثه" (^٧). وقال ابن حجر: "صدوق يخطئ" و"صدوق في حديثه لين"، ويقال (تغير بآخره).
بقي ثلاثة رواة، خالف حكمه حكم الجمهور فيهم.
_________________
(١) انظر: الترجمة ٣٢٦.
(٢) انظر: الترجمة ٣٧٤.
(٣) انظر: الترجمة ٣٣٠.
(٤) انظر: الترجمة ٢١.
(٥) انظر: الترجمة ٥٧.
(٦) انظر: الترجمة ١١٣.
(٧) انظر: الترجمة ١٤٥.
[ ٧٥ ]
قال في أحدهم: "لا يحتجون بحديثه". وقد وثقه العجلي، وصحح له الترمذي وابن خُزيمة وغيرهما. وقال أبو الحسن القطان: "لا يعرف حاله". وقال ابن حجر: "صدوق" (^١).
وقال في الثاني: "ليس بذلك". وثقه غير واحد. وقال ابن حجر: صدوق رُمي برأي الخوارج (^٢).
وقال في الثالث: "وكان ثبتًا، ولا يحتجون بحديثه". بل احتج به مسلم وأبو داود والنسائي وأخرج له البخاري متابعة. ووثقه النسائي، والذهبي وابن حجر (^٣).
يتضح من هذه النماذج أن ابن سعد كان متشددًا في التجريح أكثر منه في التعديل. وبذلك نكون قد كشفنا الستار عن مدى رسوخ قدم ابن سعد في نقد الرجال، لأن مثل هذه الأقوال، لا تصدر إلا عن إنسان عارف بالرجال وأحوالهم، متتبع لهم في حلَّهم وترحالهم، دارس لأخبارهم، واقف على سني وفياتهم، إلى آخر ما هنالك من أمور تتعلق في نقد الرجال ومعرفة أحوالهم.
فالموضوع صعب المنال، شائك الطريق، لا يناله إلا من كانت له قدم راسخة في هذا المجال.
فقد أتقن ابن سعد هذا الفن، وأفاد فيه وأجاد، وحسبه في ذلك شهادة النقاد له (^٤)، ونقولهم عنه أقواله في نقد الرجال، كالخطيب البغدادي، وابن حجر وغيرهما (^٥).
_________________
(١) انظر: الترجمة ١٩٦.
(٢) انظر: الترجمة ٣٢٧.
(٣) انظر: الترجمة ٣٤١.
(٤) انظر: أقوال النقاد فيه في هذه المقدمة ص ٤٢.
(٥) انظر: دراسة أهمية هذا القسم في هذه المقدمة ص ٦٩.
[ ٧٦ ]