الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن من فضل الله على الأمة الإسلامية خاصة، وعلى الناس عامة، أن حفظ لهم هذا الدين. وذلك بحفظ الكتاب والسنة، وتسخير العلماء لخدمتهما عبر عصور طويلة.
ولما كانت السنة النبوية هي المصدر التشريعي الثاني بعد كتاب الله، إذ جاءت مفصلة لمجمله، وموضحة لمشكله، ومخصصة لعامه، ومقيدة لمطلقه لذلك عظمت منزلتها، فهي المصدر الثاني للتشريع، ولا يمكن فهم الإسلام بدونها.
ومن هذا المنطلق سار موكب العلماء، للحفاظ على دينهم القويم، ونزلوا في معترك العمل الدائب، لتمحيص الروايات التي تصلهم عن النبي ﷺ وآثار الصحابة، وفتاوى الفقهاء، والروايات التاريخية … الخ.
وكان جلُّ اهتمامهم منصبًا على دراسة الحديث في نقله بالأسانيد، وهي مزية للأمة الإسلامية لم تعرفها الأمم الأخرى، فأمعنوا النظر في هذه الأسانيد، وقوّموا رجالها لتمييز صحيح الحديث من سقيمه، ومنقطعه من موصوله، فنشأت
[ ٩ ]
علوم الحديث المختلفة، منها ما يتعلق بهذه الأسانيد، كعلم الطبقات والجرح والتعديل والكنى والألقاب وغيرها، ومنها ما يتعلق بدراسة المتون. والمهم في دراستي علم الطبقات وعلم الجرح والتعديل، اللذان استقلا بمصنفات خاصة، ونبغ فيهما نقاد أفذاذ تكلموا في الرواة وأحوالهم، وحكموا على كل راوٍ بالحكم الذي يستحقه، أمثال: يحي القطان، وابن معين، وابن المديني، وابن حنبل، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، والبخاري مسلم وغيرهم من النقاد الأوائل. وكان من بين هؤلاء النقاد المتقدمين، محمد بن سعد مؤلف (الطبقات الكبرى) أهم كتب الطبقات المبكرة، وقد استعمل فيه ألفاظ الجرح والتعديل عند إرادته الحكم على الرجل. فاشتمل على مادة جيدة في علم الجرح والتعديل، واعتبر السخاويّ كلام ابن سعد في نقد الرجال كلامًا جيدًا مقبولًا (^١). إلاَّ أن المعلومات المتعلقة بمادَتْيَ النسب، والتاريخ الثقافي والحضاري، طغت لسعتها وغزارتها على مادة الجرح والتعديل، فاشتهر الكتاب في أوساط المؤرخين أكثر من المحدثين.
ويعتبر كتاب (الطبقات الكبرى) لابن سعد من أقدم ما وصل إلينا من كتب الطبقات، لأن كتب التي دونت قبله على نظام الطبقات مازالت مفقودة (^٢).
كما تظهر أهمية الكتاب في تنوع مادته، وفي دقة المؤلف بذكر الأسانيد -وفق منهج المحدثين- للروايات الحديثية، والتأريخية، وحتى الأخبار المتعلقة بالأوصاف الشخصية.
ولعل أهمية تكمن أيضًا في حسن اختيار المؤلف لمعلوماته المتنوعة من مصادرها المتخصصة، بأمانة علمية متناهية.
ومع هذا كله فلم يحظ الكتاب بالعناية العلمية التي يستحقها. فكان أول
_________________
(١) انظر: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ٣٤٢.
(٢) انظر: بحوث في تاريخ السنة المشرفة للدكتور / أكرم ضياء العمري ٧٥ - ٧٦.
[ ١٠ ]
من بادر إلى نشره، طائفة من المستشرقين، غير أنهم لم يعطوا المؤلف حقه في الترجمة، ولا الكتاب حقه في التحقيق. وعلى هذه الصورة طبع الكتاب في (ليدن) ولكن يبقى لهم فضل السبق في نشره على ضخامة حجمه. وقد فقدت صفحات كثيرة من تابعي أهل المدينة، في المجلد الخامس من الكتاب. لفت نظري وأرشدني إلى هذا السقط -مشكورًا- (الدكتور أكرم ضياء العمري) فوقفت على قطعة الساقطة، وحددت بدايتها ونهايتها، ورغبت في تحقيقها لأمور منها:
١ - أنها تكمل كتابًا هامًا اعتمده أصحاب المغازي والسير، والمؤرخون والنسابون وأئمة الجرح والتعديل.
٢ - أنها من أقدم وأوفى ما كتب في التاريخ الثقافي للمدينة المنورة في القرنين الأولين من الهجرة، وقد فقدت المؤلفات المبكرة التي تناولت التاريخ الثقافي للمدينة، مما يجعل لهذه القطعة أهمية خاصة.
ولما شرعتُ بتحقيق واجهتني بعض الصعوبات التي أمكنني التغلب على بعضها، وهي:
١ - كون النسخة الفريدة. إذ كانت الصعوبة تمكن في مقابلة النصوص بالكتب اللاحقة.
٢ - طول النسخة الخطية، البالغة اثنتين وثلاثين ومائتي صفحة.
٣ - وجود أسماء مبهمة لبعض الأعلام، الذين لا يمكن تمييزهم إلا بعد تعب ودقة فحص، وإمعان نظر. فالمؤلف يذكر مثلًا، أبا سلمة الذي يروي جعفر بن سليمان، وعنه أحمد ابن أبي إسحاق العبدي، والمُكَنَّوْن بأبي سلمة كثيرون، فلم أستطيع تمييزه لو لم يصرح أبو نعيم باسمه في الحلية.
٤ - وقد ترد بعض الأسماء المختصرة، التي تتعب الباحث في معرفة الاسم الكامل للحصول على المعلومات المتعلقة به والتي يحتاجها الباحث. فصاحب الترجمة ١٦١ (محمد بن حلحلة الدَّيلي) بحثت عنه في الكتب
[ ١١ ]
المختلفة، فلم أعثر على ترجمته، وبعد مُضِيّ فترة، وجدته في أحد الكتب وأنا أبحث عن راوٍ آخر، فوقع نظري على كلمة (حلحلة) فتذكرت صاحبي الذي كنت أبحث عنه، وإذ هو (محمد بن عمرو بن حلحلة).
٥ - وجود عدد لا بأس به من أصحاب التراجم في هذه القطعة لم أعثر على تراجمهم في الكتب الأخرى.
ولا يسعني في خاتمة هذا التقديم إلا التوجه بفائق الاحترام والتقدير، للرعاية الأبوية والعناية العلمية، اللتين حباني بهما فضيلة الدكتور (أكرم ضياء العمري) طيلة فترة إشرافه على هذه الرسالة.
وأتقدم بجزيل الشكري، للأستاذين الفاضلين: الدكتور (السيد محمد الحكيم)، والشيخ (حماد الأنصاري، تقديرًا للجهد الذي بذلاه في إعدادي خلال السنة التحضيرية.
ولا يفوتني التنزيه بفضل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة علَّي، حيث أحاطتني بالرعاية خلال مراحلة الدراسة، وتولت نشر رسالتي هذه، التي تقدمت بها لنيل مرتبة الماجستير من قسم الدراسات العليا فيها. وفق الله القائمين عليها لما يحبه ويرضاه.
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ١٢ ]
المقَدّمَة
تشتمل على:
أولًا- حياة المؤلف؛ ودراسة تحليلية لهذا القسم الساقط من كتاب (الطبقات الكبرى) من تابعي أهل المدينة
ثانيا- دراسة الكتاب
[ ١٣ ]
أولًا- حياة المؤلف
[ ١٥ ]