بقلم فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزّايد
نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة.
الحمد لله الموفق لكل خير، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصبحه ومن تبع سُنته إلى يوم الدين.
وبعد: فإن إحياء التراث القديم من أولى ما ينبغي السعي إليه والاهتمام به، لأمور يدركها الباحثون وذوو التخصص.
وإن كتاب الطبقات الكبرى للإمام محمد بن سعد كاتب الواقدي هو من هذا التراث القديم الأم، وقد سبق المستشرقون إلى طباعته منذ أكثر من مائة عام، ثم طبع في بيروت -مرتين- ومصر عن تلك الطبعة.
وجاءت مطبوعة المستشرقين ناقصة من مواضع متعددة، ولم يوفقوا آنذاك لاستكمال الكتاب وسد ثغراته، لنقص في النسخ الخطية التي اعتمدوها، وقد نبهوا إلى وجود هذه الثغرات والأسقاط -وهي متعددة في ثنايا الكتاب-. ومع ذلك فإن كثيرًا من الناس كان مغترًا بنسختهم زاعمًا أنه عمل استشراقي لا يدخله خلل!!.
وقد وجد المحدَّثون والمؤرخون بغيتهم في هذا الكتاب من قديم الزمن ثم طبع الكتاب فتداوله المحدثون والباحثون ووجدوا فيه ضالتهم، لغزارة مادته، وترتيبها وحسن عرضها وتوثيقها بالرواية والإسناد.
[ ٥ ]
وإن كتابًا بهذه المثابة لجدير بالاهتمام كل الاهتمام: طباعة محققة تحقيقًا علميًا دقيقًا، وفنيًا أنيقًا. بأقلام مسلمة أمينة خبيرة، مع السعي الجّاد الحثيث وراء بقاياه وتتماته، ليكون الكتاب ماثلًا بين أيدي ورّاده كما صنفه مؤلفه وأراده له.
وإن من نعم الله تعالى علينا أن وفقنا لسد قسم من هذه الأسقاط والثغرات، بنشر هذه القطعة التي تتم الجزء الخامس من الطبعة البيروتية، من آخر ترجمة عمر بن عبد العزيز فما بعدها، وهو هذا الجزء النفيس الذي نقدمه للقراء اليوم، ضمن سلسلة مطبوعاتنا التي صدر منها:
١ - (الإيمان) لابن منده، بتحقيق فضيلة الدكتور علي ناصر الفقيهي.
٢ - (منتخب كتاب أزواج النبي ﷺ) لمحمد بن الحسن بن زبالة، تحقيق فضيلة الدكتور أكرم ضياء العمري. وكلاهما طبع بمطبعة الجامعة الإسلامية.
٣ - أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية، مع تحقيق كتابه (أسامي الضعفاء) و(وأجوبته عن أسئلة البزدعي) لفضيلة الدكتور سعدي مهدي الهاشمي.
٤ - (البيهقي وموقفه من الإلهيات) لفضيلة الدكتور أحمد عطية الغامدي.
٥ - (مرويات غزوة بني المصطلق) لأستاذ الشيخ إبراهيم القريبي. وكتابنا هذا هو الحلقة السادسة من هذه السلسة.
والكتاب السابع فيها هو (سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود السجستاني) تحقيق الأستاذ الشيخ محمد علي قاسم العمري.
يرى القارئ لهذا القسم الذي نقدمه من طبقات ابن سعد أنه فوت كبير من الطبقات السابقة، فقد حوى سبع ترجمات وأربعمائة ترجمة، هي تراجم
[ ٦ ]
لخيرة رجالات المدينة المنوّرة من كبار التابعين وصغارهم، لعل أقدمهم وفاة هو عبد الرحمن بن مسور (٩٠ هـ) وآخرهم وفاة هو شعيب بن طلحة (١٧٤ أو ١٧٥ هـ).
ويجد فيه من تراجم الأئمة: ترجمة ابن شهاب الزهري -وهي أطول ترجمة فيه- وابن أبي ذئب، وربيعة الرأي.
ومن تراجم العُبّاد الصالحين: تراجم الأخوة الثلاثة النجوم الزواهر من آل المنكدر محمد وعمر وأبي بكر، وغيرهم كثير.
ومن تراجم الأشراف: ترجمة عبد الله بن حسن وولديه محمد النفس الزكية، وإبراهيم، ووقائعهم مع بني العباس مشهورة.
وفيه من التراجم النادرة التي لم يقف المحقق على ذكر لصاحبها في موضع آخر: ترجمة قُرين بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة، وأبوه المطلب هو الذي زوجّه سعيد بن المسيب، ابنته، في قصة مشهورة له، فأنجبا هذا الرجل (قرين).
فهو -إذًا- جزء تتجلى أهميته من حيث أنه متمم لكتاب أصيل في بابه ومادته، ومن حيث احتواؤه لتراجم عدد كبير من رجالات أعظم مركز إسلامي علمًا وحضارة في تلك الفترة.
ولذلك كان إخراجه لزامًا على عارفيه، وقد جعل الله تعالى لجامعتنا قصب السبق لذلك، والحمد لله. كما كان من توفيق الله ﷿ أن هيأ لتحقيقه شابًا جلدًا نفاذًا من مشكلاته، دؤوبًا على العمل والتحقيق، فقدم في أوله ترجمة للمؤلف، ودراسة عن هذا القسم خاصة، وفكرة موجز عن الطبعات السابقة.
ثم قدم للقراء نص الكتاب نصًا سليمًا بالرغم من أن نسخته وحيدة غير متعددة، وحققه وضبط أعلامه وشرح غريبه، وخرج أحاديثه وتتبع حال المترجم عند أئمة الجرح ونقل أقوالهم في موافقة ابن سعد أو مخالفته عندما يتكلم عن
[ ٧ ]
الرجل جرحًا وتعديلًا، أو في الزيادة عليه حينما يقتصر ابن سعد على قوله (قليل الحديث) أو (كثير الحديث) مثلًا ولا يقول: ثقة، أ، ضعيف. فيبين محققه حال الرجل من هذه الجهة، كل ذلك لييسر للقارئ الاستفادة من الكتب، وليزيده منها.
جزاه الله خيرًا وأثابه على ما بذل من جهد وعناء.
وختامًا: نحمد الله الكريم على أفضاله علينا، ثم نزجي شكرنا لجلالة الملك خالد وسمو ولي العهد على سعيهما قدمًا بالجامعة الإسلامية لتكون في مقدمة زميلاتها من جامعات المملكة، في ميدان العلوم الإسلامية والعربية والإعلامية، زادهما الله توفيقًا لكل خير.
والحمد لله رب العالمين
[ ٨ ]