أفاد ابن سعد من علماء عصره في البصرة وبغداد والكوفة والمدينة ومكة، هذه المدن التي كانت صاحبة الريادة العلمية في تلك الحقبة الزمنية التي عاشها. فلا شك أنه نهل من معينها الصافي، ورشف من تراثها الإسلامي العريق، وظهر أثر ذلك في كتابه (الطبقات الكبرى) الذي يوضح كثيرًا من جوانب ثقافته. ولقد شهد له من عاصره، ومن بعده من العلماء بالعلم والفضل، وبمعرفته بالحديث وغيره.
فقال عنه تلميذه وراوي كتابه (الطبقات) الحسين بن فَهُم (^٢): "كان كثير العلم كثير الحديث والرواية كثير الكتب، كتب الحديث وغيره من كتب الغريب والفقه" (^٣).
وقال ابن النديم (ت (٣٨٥) هـ): "كان عالمًا بأخبار الصحابة والتابعين) (^٤).
_________________
(١) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٦٢.
(٢) هو الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فَهُم -بفتح الفاء، وضم الهاء- وقصة تسمية فَهُم: ذكرها الخطيب. قال الحاكم والدار قطني: ليس بالقوي. وقال الخطيب: ثقة عسر في الرواية متمنع إلا لمن أكثر ملازمته. وقال ابن كامل: كان حسن المجلس متفننًا في العلوم، حافظًا للحديث والأخبار والأنساب والشعر، عارفًا بالرجال، متوسطًا في الفقه. مات سنة تسع وثمانين ومائتين وله ثمان وسبعون سنة. (انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٩٢. والعبر للذهبي ٥/ ٨٣. وميزان الاعتدال ١/ ٥٤٥).
(٣) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٦٤. وتاريخ يغداد ٥/ ٣٢١.
(٤) انظر: الفهرست لابن النديم ١٤٥.
[ ٤٠ ]
وقال الخطيب البغدادي (ت (٤٦٣) هـ): "كان من أهل العلم والفضل).
ثم روى بسنده عن محمد بن موسى (^١)، حيث قال: "الذين اجتمعت عندهم كتب الواقدي أربعة أنفس؛ محمد بن سعد الكاتب أولهم) (^٢).
وقال الصفدي ظهرت فضائله ومعارفه وهو كثير العلم … الخ. وذكر نحوًا مما نقله الخطيب عن ابن فَهُم (^٣).
وقال ابن تغري بردي (ت (٨٧٤) هـ): "كان إمامًا فاضلًا عالمًا حسن التصانيف، ونقلنا عنه كثيرًا في الكتب (^٤).
ولم تقتصر دراسة ابن سعد على الحديث، والأخبار، والسير، والفقه والغريب-كما تقدم-بل شملت الأنساب بإتقان ودقة متكاملين، حيث ينتهي بنسب صاحب الترجمة إلى ما قبل الإسلام، مما يدل على تضلعه العميق في هذا الفن. بالإضافة إلى تمتعه بقسط وافر من المعرفة بعلم الرجال، فكثيرًا ما تجده يصدر حكمه على الرجل من جرح أو تعديل.
كما وجه اهتمامه إلى دراسة القراءات، وكان من شيوخه المشهورين في هذا المجال: رُويم بن يزيد المقرئ أبو الحسن البصري نزيل بغداد (ت (٢١١) هـ)، وكان يُقرئ في مسجده ببغداد، وكان ثقة في الحديث (^٥).
ومحمد سعدان الكوفي الضرير النحوي المقرئ (ت (٢٣١) هـ)، صاحب كتاب (القراءات) وآخر في النحو. وقد وثقه الخطيب وغيره (^٦).
_________________
(١) هو محمد بن محمد بن موسى بن حماد أبو أحمد، المعروف بالبربري. كان إخباريًا، عارفًا بأيام الناس توفي سنة أربع وتسعين ومائتين. (انظر: تاريخ بغداد ٣/ ٢٤٣).
(٢) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢١.
(٣) انظر: الوافي بالوفيات ٣/ ٨٨.
(٤) انظر: النجوم الزاهرة ٢/ ٢٥٨.
(٥) انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٤٢٩. ومعرفة القراء الكبار ١/ ١٧٦.
(٦) انظر: المصدرين السابقين ٥/ ٣٢٤. و١/ ١٧٧.
[ ٤١ ]
وقال ابن الجزري (ت (٨٣٣) هـ): إن ابن سعد روى الحروف عن محمد ابن عمر الواقدي، ورواها عن ابن سعد، الحارث بن أبي أسامة (^١).
ربما دلت صلته بالنحويين واللغويين، مثل أبي زيد الأنصاري النحوي (ت (٢١٥) هـ) صاحب التصانيف اللغوية والنحوية، وكان يُعد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة في النحو (^٢).
ومثل محمد بن سعدان الضرير المتقدم، ربما دل ذلك على اهتمامه بالنواحي النحوية واللغوية.
وخلاصة القول: أن دراسة ابن سعد قد شملت، القرآن، والحديث والفقه، والأنساب، والتاريخ، وعلم الرجال، والغريب، واللغة، والنحو، إلاَّ أنه لم يؤلف سوى كتابه (الطبقات الكبرى) الذي حوى مادة علمية نفيسة في الحديث والأنساب، والتاريخ، ونقد الرجال.
ويبدو أن هذه العلوم هي التي استأثرت باهتمام ابن سعد وغلبت على ثقافته (^٣).