عاصر ابن سعد انتعاش حركة المعتزلة في خلافتي المأمون والمعتصم (٢١٨ - (٢٢٧) هـ) إلى أن ضعفت هذه الحركة في أواخر عصر الواثق بالله بن المعتصم (٢٢٧ - (٢٣٢) هـ) (^١) وخلفه المتوكل إذ بذل الأخير جهدًا في قمعها والقضاء عليها.
ففي سنة ثمان عشرة ومائتين كتب الخليفة العباسي المأمون بن الرشيد إلى أبي الحسين إسحاق بن إبراهيم ببغداد، في إمتحان القضاة والشهود والمحدثين بخلق القرآن، فمن أقرَّ أنه مخلوق مُحْدَث خلَّى سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمره فيه برأيه، وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن، وترك الإستعانة بمن امتنع عن القول بذلك، وكان الكتاب في ربيع الأول، وأمره أن يحضر سبعة أشخاص إلى الرقة لأنهم امتنعوا عن الإجابة، منهم محمد بن سعد، ويحي بن معين، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فامتحنهم في خلق القرآن، وهددهم بالقتل إن لم يستجبوا لرغبته، فأجابوه جميعًا بخلق تالقرآن، فأعادهم إلى بغداد، وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم أن يشهر أمرهم ويشهد عليهم فأحضرهم إسحاق إلى داره، وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث وغيره، فأقروا بذلك، فخلَّى سبيلهم (^٢).
_________________
(١) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٣٠٨ - ٣٤١.
(٢) انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٦٣٤. وتاريخ الموصل للأزدي ٤١٢. وتاريخ بغداد ١٤/ ١٥ ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ٤٧٠. والكامل في التاريخ لابن الأثير ٦/ ٤٢٣. والبداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٢٧٢. وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٣٩.
[ ٣٦ ]
وكان ممن أجاب بخلق القرآن في هذه المحنة أيضًا: علي بن المديني وأبو نصر التمار، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وغيرهم (^١).
ولو قارنا بين هذا الموقف والموقف المشهور للإمام أحمد بن حنبل في تلك المحنة، فإننا نجد أن عقيدته الراسخة قد حالت بينه وبين الباطل. ولم يستجب لقول المأمون بخلق القرآن، بل ناظر خصومه حتى ضُرب وعُذب في عهد المعتصم ثم لزم بيته أيام الواثق، صابرًا على ما لاقاه منهم. ثابتًا على الحق لا يخاف في الله لومة لائم (^٢).
إنه نموذج من النماذج الحية التي تعطينا صورةً واضحة عن تلك المواقف النبيلة التي كان يقفها أسلافنا لنصرة الحق، وتطبيق عملي لقوله ﷺ: "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) (^٣).
ولما كان الإيمان يزيد وينقص، فإننا لا نشك في سلامة عقيدة ابن سعد وأقرانه، لأن ثمة حالات تنتاب الإنسان أحيانًا تهز شخصيته وتضعفه أمام حد السيف خوفًا من الموت.
_________________
(١) انظر: مناقب الإمام أحمد ٤٧٠.
(٢) انظر: حلية الأولياء للأصبهاني ٩/ ٢٠٤ - ٢٠٦. ومناقب الإمام أحمد ٣٨٧ - ٣٩٣ - ٣٩٧ - ٤٠٨، ٤٢٩.
(٣) أخرج الحديث كل من: (أ) - البخاري في صحيحه ٤/ ١٦٥. كتاب الأحكام. باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية. عن عبد الله بن عمر. وبألفاظ مقاربة. وفي ٤/ ١٧٩. كتاب التمني. باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. عن علي بن أبي طالب. (ب) ومسلم في صحيحه ٣/ ١٤٦٩. كتاب الإمارة ٣٣. باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ٨. حديث ٣٩. عن علي أبي طالب. (ج) وأبو داود في سننه ٣/ ٩٣. كتاب الجهاد ٩. باب في الطاعة ٩٦. حديث ٢٦٢٥. عن علي بن أبي طالب أيضًا.
[ ٣٧ ]
فلم يستجب هؤلاء الحفاظ لقول المأمون إلا تقيَّة وهم كارهون، يخشون على أنفسهم الموت، فكان يحي بن معين، وغيره يقولون: أجبنا خوفًا من السيف (^١).
وهكذا فإن الإمام أحمد أخذ بالعزيمة وكثير من أقرانه أخذوا بالرخصة رغم أن مكانتهم العلمية واحتمال متابعة العامة لهم تقتضي أن يأخذوا بالعزيمة وذلك خوف أن يفتن الناس بسببهم (^٢).
وقد أنكر الإمام أحمد بن حنبل عليهم موقفهم وحلف أن لا يكلم أحدًا ممن أجاب في المحنة حتى يلقى الله ﷿، وكره الكتابة عنهم (^٣)، وأنكر هذا الإنكار الشديد عليهم (^٤) لأنه رأى فيهم قدوة لهذه الأمة، باعتبارهم من العلماء المتصدرين لرواية العلم، وتنقية حديث رسول الله ﷺ من دسائس الوضع، وتمييز صحيحه من سقيمه، لطول باعهم في علم الرجال، كما شهد لهم واعتمد عليهم من بعدهم ممن عُني بهذا الفن.
ولو نظرنا في ترجمة ابن سعد عن بعض أئمة الجرح والتعديل -كابن أبي حاتم (^٥)، والخطيب البغدادي (^٦)، والمزّي (^٧)، وابن عبد الهادي (^٨)، والذهبي (^٩)،
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٧٣. وتاريخ الخلفاء للسيوطي ٣٠٨ - ٣٠٩.
(٢) من لمسات المشرف.
(٣) انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٤١٠.
(٤) انظر: مناقب الإمام أحمد ٤٧٣ - ٤٧٥.
(٥) انظر الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٦٢.
(٦) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢١.
(٧) انظر: تهذيب الكمال ٦/ ٦٠٠.
(٨) انظر: مختصر في طبقات علماء الحديث ١٣٨.
(٩) انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٤٥. وميزان الإعتدال ٣/ ٥٦٠. وتذهيب تهذيب الكمال ٣/ ٢/٢٠٦ أ. وسير أعلام النبلاء ٧/ ٢٨٥ ب.
[ ٣٨ ]
وابن حجر (^١)، والسخاوي (^٢) - لم نجد ذكرًا لتلك المحنة. ولعل في ذلك دليلًا على أنه تاب ورجع عن تلك القولة، وإلا كانوا بينوا ذلك، لأن الأمر خطير، ويتعلق بعدالة الرجل والحكم عليه. ثم إن اهتمام النقاد بأقواله في الجرح والتعديل، وتدوين أقواله في بطون كتبهم دليل آخر على سلامة عقيدته.