لا يمكن الكلام بدقة عن طبيعة معلوماته التي نقلها عن كل شيخ من هؤلاء الشيوخ الذين ينيفون على الأربعين شيخًا، ولكن ابن سعد في هذا القسم اعتمد بصورة رئيسية على شيخه محمد بن عمر الواقدي الذي اعترف العلماء بغزارة معلوماته التاريخية، لكن المحدثين ضعفوه في الحديث (^١). وحكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه (متروك) (^٢)، ولكنهم مع ذلك استمروا في النقل عنه،
_________________
(١) انظر: الضعفاء الصغير للبخاري ١٠٤. والضعفاء والمتروكين للنسائي ٩٣. وتهذيب التهذيب ٩/ ٣٦٣.
(٢) انظر: تقريب التهذيب ٣١٢.
[ ٦٦ ]
خاصة في السيرة وتاريخ صدر الإسلام. وقد نقل عنه ابن سعد في ثلاثة وأربعين ومائة موضع في هذا القسم وحده. ممل يدل على أنه مصدره الرئيسي في معلوماته المتعلقة بطبقات أهل المدينة. وبعض هذه الروايات عبر عنها ابن سعد بلفظ (قال)، وعبر عن بعضها الآخر بألفاظ صريحة في السماع عن شيخه الواقدي، ومعظم هذه الروايات يتعلق بسني الوفيات، أو بفضل وورع صاحب الترجمة وجرأته في الحق، أو بمكانته الاجتماعية، أو بذكر المناصب الإدارية التي شغلها -ولاية أو قضاء-، أو بنشاطه الثقافي، أو بنوع اللباس الذي يلبسه والخضاب الذي يخضب به. وقد أشارت بعض هذه النصوص إلى بعض الحوادث التأريخية المشهورة. أو إلى بعض الأقوال المتعلقة بنقد الرجال وربما ورد فيها روايات حديثية.
ويلي الواقدي في كثرة الاقتباسات عنه في هذا القسم اثنان:
الأول- هو معن بن عيسى الأشجعي القزاز.
والثاني- مطرف بن عبد الله اليساري. وكلاهما من أهل المدينة. ومطلعان على أحوال علمائها ورواتها.
فأما معن بن عيسى، فقد نقل عنه ابن سعد في ثمانية عشر موضعًا نقلًا مباشرًا، نصوصًا تتناول: عبادة صاحب الترجمة وانعكاس أثر ذلك عليه، وتسلمه لوظيفة القضاء، أو نوع اللباس، ونوع الخاتم وبأي يد يضعه، ونوع العمامة ومتى يضعها، ونوع الخضاب.
وأما مطرف بن عبد الله اليساري، فقد نقل عنه في ثمانية عشر موضعًا نقلًا مباشرًا أيضًا، وسائر هذه النصوص يرويها مطرف عن مالك بن أنس عدا روايتين وتتعلق هذه النصوص بالمكانة العلمية لصاحب الترجمة، وبدرجة ورعه وتقواه وقد تتعلق بوصف شخصه، أو بوضع العمائم ونوعها. كما ورد في أحد
[ ٦٧ ]
النصوص بعض المصطلحات الحديثية عن مالك، كالعرض والمشافهة وغيرها (^١).
ويليها في أهمية إثنان، هما: إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس وأحمد بن أبي إسحاق إبراهيم الدورقي.
فأما إسماعيل الأويسي، فقد نقل عنه ابن سعد في أحد عشر موضعًا نقلًا مباشرًا، نصوصًا تتناول الصباغ والخواتيم وأنواعها. كما ورد في بعضها قول مالك: بعدم الفرق بين سماع الحديث وعرضه (^٢). وقوله: بزيادة الإيمان ونقصانه (^٣). وانفرد نص من هذه النصوص بتأريخ وفاة الإمام مالك.
وأما الدورقي، فقد نقل عنه في عشرة مواضع نقلًا مباشرًا. نصوصًا تتناول كثرة عبادة وورع آل المنكدر بن عبد الله بن الهُدَيْر، ومكانتهم الإجتماعية في المدينة المنورة آنذاك.
أما بقية الشيوخ الأربعين فقد نقل عن كل منهم ما بين رواية واحدة إلى خمس روايات (^٤). وهي تكفي للحكم على نوع اهتمامهم وطبيعة مروياتهم، ولكنها تدل على كثرة مصادر ابن سعد في هذا القسم من طبقاته، وأنه لم يقتصر على معلومات شيخه الواقدي بل أضاف إليه روايات من شيوخ آخرين.
وهناك روايات مختلفة نقلها ابن سعد تعليقًا عن عدد من التابعين فهو ينقل عن سعيد بن أبي مريم (١٤٤ - (٢٢٤) هـ) في موضع واحد بصيغة (أُخبرت).
وعن عبد الرزاق بن هَّمام الحِمْيَري (ت (٢١١) هـ) -صاحب المصنف- في موضعين بنفس الصيغة.
_________________
(١) انظر: ص ٤٣٨.
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: ص ٤٣٩ - ٤٤٠.
(٤) راجع قائمة شيوخه لمعرفة توزيع هذه النقول.
[ ٦٨ ]
وعن الليث بن سعد المصري (ت (١٧٥) هـ) في موضع واحد بنفس الصيغة أيضًا.
وعن مالك بن أنس (ت (١٧٩) هـ) في موضع واحد، بلفظ (قال).
وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب (ت (١٥٨) هـ) في موضع واحد بنفس اللفظ أيضًا.