ولد ابن سعد ونشأ في البصرة، التي كانت مركزًا علميًا هامًا في ذلك العصر وقد ازدانت بعدد كبير من العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء، فشَبَّ في تلك البيئة العلمية، وأفاد من علماء عصره، فسمع من الكثرين منهم.
ثم قدم بغداد وسكن فيها ملازمًا لشيخه محمد بن عمر الواقدي (ت (٢٠٧) هـ)، يكتب له مدة طويلة من الزمن فعُرف به (^٣).
كما قدم الكوفة سعيًا في طلب العلم (^٤).
وكانت له رحلة إلى المدينة المنورة، وأخرى إلى مكة، غير أن الترتيب الزمني لهذه الرحلات كان غامضًا، فلم أقف على دراسة بحثت رحلاته العلمية
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢٢. والأنساب للسنعاني ٤٧٠. ووفيات الأعيان ٤/ ٣٥٢. وتهذيب الكمال للمزي ٦/ ٦٠٠. والعبر للذهبي ١/ ٤٠٧. وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٥. وتقريب التهذيب ٢٩٨. وشذرات الذهب ٢/ ٦٩.
(٢) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٦٢. والكامل في التاريخ لابن الأثير ٧/ ١٨. وكشف الظنون ٢/ ١٠٩٩. وطبقات الحفاظ للسيوطي ١٨٣.
(٣) انظر: ص ١٧ تعليق ٢ من هذه المقدمة.
(٤) انظر: مقدمة ساخاو لطبقات ابن سعد ٣/ ٢٥ (طبعة دار التحرير). ومقدمة إحسان عباس للطبقات ١/ ٦ (تصوير بيروت).
[ ١٩ ]
بحثًا تفصيليا إلاَّ ما ذكره كل من ساخاو وإحسان عباس، أن، رحلته إلى المدينة كانت قبل سنة مائتين من الهجرة، إذ أن بعض شيوخه المدنين أدركتهم المنيَّة قبل بداية القرن الثالث، فمعن بن عيسى مثلًا توفي سنة ثمان وتسعين ومائة (^١).
أما طبيعة تنقله بين المدن الخمس-البصرة، وبغداد، والكوفة والمدينة المنورة ومكة المكرمة-من حيث التسلسل الزمني، فمازالت مبهمة ولإيضاح لا بد ذلك من دراسة شاملة لشيوخ المؤلف، والوقوف على تواريخ وفياتهم لضبط أوقات حِلِّه وترحاله.
وفي هذا المقام تجدر الإشارة إلى الحركة العلمية التي شهدتها هذه المدن، لتتعرف على البيئة العلمية التي نشأ فيها ابن سعد، وعلى الأوساط الثقافية التي ارتحل إليها.
لقد شهدت مدن الحجاز والمدن الهامة في الأمصار الإسلامية الأخرى كالمدينة المنورة والكوفة والبصرة وبغداد ودمشق والفسطاط، حركة فكرية واسعة، شملت العلوم الإسلامية واللغوية، كما شملت العلوم والعقلية أيضًا، ومن الصعب الإحاطة بجوانب هذه الحركة في هذا التمهيد، لأن القصد التعريف بالأوساط الفكرية التي تأثر بها ابن سعد.
وفيما يلي عرض سريع لهذه الحركة في تلك المراكز: