اختلفت المصادر في تأريخ وفاة ابن سعد على ثلاثة أقوال:
الأول: ما ذكره الصفدي بقوله: "توفي ببغداد يوم الأحد رابع جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين ومائتين، على اختلاف في ذلك، وهو ابن اثنين وستين عامًا" (^٣).
الثاني: ما قاله ابن أبي حاتم: إنه (مات سنة ست وثلاثين ومائتين" (^٤).
الثالث: ما أرخه الحسين بن فَهُم. حيث قال: "توفي ببغداد يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاثين ومائتين، ودفن في مقبرة باب الشام وهو ابن اثنتين وستين سنة" (^٥). كما رواه الخطيب بسنده عن ابن فَهُم أيضًا.
بالإضافة إلى أن أكثر المصادر على أنه توفي في تلك السنة (^٦) أي سنة ثلاثين ومائتين. وهذا هو الراجح في وفاته. لأن تلميذه الحسين بن فَهُم هو أعرف
_________________
(١) انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٥.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب ٩/ ١٨٢.
(٣) انظر: الوافي بالوفيات ٣/ ٨٨.
(٤) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٦٢.
(٥) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٦٤. وتاريخ بغداد ٥/ ٣٢٢. والكامل في التاريخ لابن الأثير ٧/ ١٨. ووفيات الأعيان ٤/ ٣٥٢. وتهذيب الكمال ٦/ ٦٠٠. والعبر للذهبي ١/ ٤٠٧. وتذكرة الحفاظ له ٢/ ٤٢٥. ومرآة الجنان ٢/ ١٠٠. والبداية والنهاية ١٠/ ٣٠٣. وتقريب التهذيب ٢٩٨. والنجوم الزاهرة ٢/ ٢٥٨. وطبقات الحفاظ للسيوطي ١٨٣. وشذرات الذهب ٢/ ٦٩.
(٦) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٦٤.
[ ٥٨ ]
الناس بتأريخ وفاة شيخه، لكثرة ملازمته له باعتباره أحد رواة كتاب الطبقات الكبرى (^١).
ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى بعض التراجم الموجودة في طبقات ابن سعد، والتي تواريخ وفيات أصحابها بعد وفاة المؤلف مثل:
- إبراهيم بن محمد بن عرعرة البغدادي، المتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين (^٢).
- والحكم بن موسى البزاز البغدادي، المتوفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين (^٣).
- وعبد الجبار بن عاصم البغدادي المتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (^٤).
- ومحمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، المتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين (^٥).
- وعبيد الله بن عمر القواريري البغدادي، المتوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين (^٦).
- وإسماعيل بن إبراهيم بن بسام الهروي البغدادي، المتوفي سنة ست وثلاثين ومائتين (^٧).
- ويحيى بن عثمان أبو زكريا الخراساني البغدادي، المتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين (^٨).
_________________
(١) انظر: كلمة ساخاو أثناء كلامه عن الجزء السابع (٧/ ٢٣٨ - طبعة دار التحرير بمصر- والمغازي الأولى ومؤلفوها لهورفتس ١٢٧).
(٢) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٥٩ تصوير دار صادر بيروت.
(٣) المصدر السابق ٧/ ٣٤٦.
(٤) المصدر السابق ٧/ ٣٥٠.
(٥) انظر: المصدر السابق ٦/ ٤١٣.
(٦) انظر: المصدر السابق ٧/ ٣٥٠.
(٧) المصدر السابق ٧/ ٣٥٩.
(٨) المصدر السابق ٧/ ٣٥١.
[ ٥٩ ]
لا شك أن مثل هذه التراجم التي وردت في كتاب الطبقات الكبرى ليست من تصنيف المؤلف، خاصة عندما نجد فيه ترجمة للمؤلف نفسه قد وردت في الكتاب، وأن تأريخ وفاته سنة ثلاثين ومائتين. وورد فيها أيضًا: "وهو الذي ألف هذا الكتاب كتاب الطبقات واستخرجه وصنفه ورُوي عنه" (^١).
وقد قال ادوارد ساخاو: وبعد موته -ابن سعد- قام المؤلف آخر وهو على الأرجح ابن فَهُم المتوفي سنة (٢٨٩) هـ بكتابة ملحوظة عنه هو نفسه، كما أضاف بعض الملحوظات عن رجال آخرين في السنوات الثمانية التالية لموته (^٢).
كما روى الخطيب بسنده عن ابن فَهُم، فقال: "محمد بن سعد صاحب الواقدي، وهو مولى الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، توفي ببغداد يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاثين ومائتين ودفن في مقبرة باب الشام، وهو ابن اثنتين وستين سنة، وكان كثير الحديث والرواية وكثير الطلب وكثير الكتب، كتب الحديث وغيره من كتب الغريب والفقه" (^٣). وهذه الرواية استوعبت تقريبًا كل ترجمة ابن سعد التي وردت في الطبقات الكبرى (^٤). وهي من رواية الحارث بن أبي أسامة عن ابن سعد. مما يجعل ترجيح ساخاو فيه نظر، ويبقى الأمر محتملًا، ولا تترجح الإضافة على يد ابن فَهُم. بل لعل ابن فَهُم أو غيره ممن روى الطبقات عن ابن سعد، سجل تلك الإضافات على نسخته، فجاء ناسخ لا يجيد التفريق بين الحاشية والأصل، فأدخلها في صلب الكتاب. أو أنه أضاف تراجم وهو يعرف ويعتبر ذلك لا بأس به باعتباره راوي الكتاب، كما فعل رواة تاريخ ابن معين
_________________
(١) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٦٤ - تصوير دار صادر، بيورت- و٧/ ٢/٩٦ - طبعة دار التحرير-.
(٢) انظر: المصدر السابق ٧/ ٢/٢٣٨. -طبعة دار التحرير بمصر-.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢٢. وتهذيب التهذيب ٩/ ١٨٣.
(٤) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٦٤. -تصوير دار صادر بيروت-و٧/ ٢/٩٦. -طبعة دار التحرير-.
[ ٦٠ ]
كالدوري؛ إذ يتعقب ابن معين، أو يعلق، أو يذكر أشياء، والناس يعرفون أنه من تعليقات التلميذ وليس الشيخ. فهذا مثل ذاك لأن الاثنين متعاصران، والله أعلم.
فيتضح مما تقدم أن هناك تراجم قد أدخلها أحد رواة الطبقات فيه بعد وفاة شيخه ابن سعد.
وليُعلم أن كل ترجمة وردت في هذا الكتاب -طبقات ابن سعد- وتأريخ وفاة صاحبها بعد سنة ثلاثين ومائتين، فإنهما قطعًا ليست من تصنيف المؤلف وإنما أدخلت مؤخرًا بعد وفاته.
لقد ذكرتُ هذا التفصيل في تأريخ وفاته، كي لا يلتبس الأمر على من وقف في الطبقات على ترجمة لأحد الأعلام المتوفين بعد وفاة المؤلف، فيظن من رأى ترجمة من هذا القبيل، أن تأريخ وفاة المؤلف سنة ثلاثين ومائتين غير صحيح خاصة وأن الخلاف قائم في تأريخ وفاته.
[ ٦١ ]
ثانيا: دراسة الكتاب
[ ٦٣ ]