قبل أن نستعرض الحركة العلمية المعاصرة لابن سعد في البصرة لابد من الإشارة إلى النواة الأولى التي بدأت منها هذه الحركة بعد أنَّ مُصِر البلد (^٢) و.
_________________
(١) انظر: المصدرين السابقين.
(٢) فتحت البصرة سنة أربع عشرة، على يد عتبة بن غزوان، أيام عمر بن الخطاب، والمشهور أنها مُصَّرت في نفس السنة. وقيل غير ذلك. (انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٧. والكامل في التاريخ ٢/ ٤٨٥. ومعجم البلدان ١/ ٤٣٠ - ٤/ ٤٩٠).
[ ٢٠ ]
فقد بعث عمر بن الخطاب عددًا من الصحابة إليها ليفقهوا أهلها من بينهم عمران بن الحصين (ت (٥٢) هـ) (^١)، وغيره. وكان ممن عُرف من الصحابة القائمين على هذه المدرسة أيضًا: أبو موسى الأشعري (ت بعد سنة (٦٠) هـ) (^٢) وعبد الله بن عباس (ت (٦٨) هـ) (^٣) وأنس بن مالك (ت (٩٣) هـ) (^٤) وغيرهم من الصحابة الذين وفدوا إليها وأقاموا فيها (^٥) ووضعوا البذور الأولى، التي كانت فيما بعد بدء انطلاقة قوية لحركة فكرية تمثلت بالدروس القرآنية أولًا، وبالحديث ثانيًا، ثم بالأبحاث اللغوية ثالثًا (^٦).
وهكذا تربى شباب البصرة على أيدي من تربوا على يد رسول الله ﷺ فلا غرابة إذن أن تنشط الحركة العلمية، وتنتقل دفتها إلى أيدي التابعين، أمثال الحسن البصري (ت (١١٠) هـ) (^٧)، ومحمد بن سيرين (ت (١١٠) هـ) (^٨).
ثم تتابعت الأيام وتوالت السنون، وأشرف القرن الأول على النهاية وقد نضجت بذور المتكلمين، الذين لم يقتنعوا بالمنقول، واضطروا خضوعًا لموقفهم الفكري إلى التأويل (^٩). وقد قال ابن قتيبة في حديثه عنهم: يقولون على الله ما لا يعلمون ويفتون الناس بما يأتون، ويتهمون غيرهم في النقل، ولا يتهمون
_________________
(١) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٩.
(٢) واسم أبي موسى: عبد الله بن قيس. (انظر: الإصابة ٢/ ٣٦٠).
(٣) المصدر السابق ٢/ ٣٣٤.
(٤) وكان أنس آخر من مات من الصحابة في البصرة. (انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٦).
(٥) انظر: القائمة التي ذكرها ابن سعد في طبقاته ٧/ ٥ - ٨٩ من الصحابة الذين نزلوا البصرة.
(٦) انظر: الجاحظ في البصرة وبغداد وسامراء لشارل بلات ١٢١.
(٧) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ١٧٧.
(٨) المصدر السابق ٧/ ٢٠٦.
(٩) انظر: حياة الأدبية في البصرة لأحمد زكي ١٥٣.
[ ٢١ ]
آراءهم في التأويل الخ (^١). فكثرت الخصومات، وعُقدت المناظرات التي تغلغلت في الحياة العامة بين الناس. وتصدى المحدثون لهؤلاء المتكلمين، وضعفوا منهجهم في الاعتماد على الرأي. فكان ذلك من أسباب نشاط العلم والعلماء (^٢). ويظهر هذا النشاط جليًا في النصف الأخير من القرن الثاني، حيث كثر التدوين، واهتم العلماء بالتأليف (كما يشير إلى ذلك السيوطي) فيما ينقله عن الذهبي: "منذ عام ثلاث وأربعين ومائة كثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية، والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة) (^٣).
فنبغ في البصرة عدد كبير من العلماء الذين اشتغلوا في مختلف العلوم. فقد اشتهر من القراء: يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت (٢٠٥) هـ) صاحب كتاب (الجامع) في القراءات، وكان عالمًا بالنحو (^٤).
ومن المفسرين: أبو زيد الأنصاري سعيد بن أوس (ت (٢١٥) هـ) صاحب كتاب (لغات القرآن) (^٥).
ومن المحدثين: إسماعيل بن عُليَّة (ت (١٩٣) هـ)، صاحب كتابي (التفسير) و(الطهارة) وغيرهما (^٦). وعفان بن مسلم (ت (٢٢٠) هـ) (^٧). وأبو الوليد الطيالسي (ت (٢٢٧) هـ) (^٨)، والثلاثة من شيوخ ابن سعد.
_________________
(١) أنظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ١٢ وما بعدها.
(٢) انظر: الجاحظ حياته وآثاره للحاجري ٤١. والحياة الأدبية في البصرة لأحمد زكي ١٥٦.
(٣) انظر: الحياةالأدبية في البصرة لأحمد زكي ١٤٦.
(٤) انظر: تاريخ التراث لسزكين ١/ ٢٣.
(٥) انظر: طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٧٩.
(٦) انظر: الفهرست لابن النديم ٣١٧.
(٧) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٩٨.
(٨) واسم أبي الوليد: هشام بن عبد الملك. (انظر: المصدر السابق ٧/ ٣٠٠).
[ ٢٢ ]
ومن الفقهاء: عيسى بن أبان القاضي (ت (٢٢١) هـ) صاحب كتاب (اجتهاد الرأي) (^١). وإسماعيل بن عُليَّة، وشيخ ابن سعد، تقدم آنفًا.
ومن أصحاب السير والمغازي: عبد الملك بن هشام (ت (٢٠٨) أو (٢١٣) هـ). صاحب السيرة، وكان مؤرخًا ونسابةً ونحويًا (^٢).
ومن المؤرخين: سهل بن هارون البصري (ت (٢١٥) هـ) سكن بغداد (^٣).
ومن أئمة اللغة والنحو: الخليل بن أحمد (ت (١٧٠) هـ) صاحب كتاب (العين) (^٤) وسيبويه عمرو بن عثمان (ت (١٨٣) هـ) صاحب (الكتاب) في النحو (^٥). والأخفش (ت (٢٢١) هـ) صاحب الكتاب (الأوسط) في النحو، وغيره (^٦).
وعلى هذا المحيط الحافل بالعلماء والمؤلفات، فتح ابن سعد عينيه، فارتوى من معينه، وتعلق بالعلم والمعرفة، مما دفع به إلى العواصم العلوم الأخرى وصاحبة الريادة فيه، كالكوفة، وبغداد، والمدينة، ومكة.