لم تكن الكوفة (^٧) أقل أهمية من شقيقتها البصرة، في الدور الذي لعبته في النهضة العلمية عبر العصر العباسي الأول. فهذه توأم تلك، من حيث المجتمع
_________________
(١) انظر: فهرست ٢٨٩. وتاريخ التراث لسزكين ٢/ ٧٥.
(٢) انظر: تاريخ التراث ١/ ٤٧٥.
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر الفهرست ٦٣ - ٧٦ - ٧٧. على الترتيب.
(٥) انظر الفهرست ٦٣ - ٧٦ - ٧٧. على الترتيب.
(٦) انظر الفهرست ٦٣ - ٧٦ - ٧٧. على الترتيب.
(٧) كان تمصيرها سنة سبع عشرة وقيل بعدها، في عهد عمر بن الخطاب. (انظر: معجم البلدان ٤/ ٤٩٠. وبلدان الخلافة الشرقية ١٠١).
[ ٢٣ ]
البشري الذي نزلها، والأساس العلمي الذي قامت عليه. فنفس القبائل التي نزلت في الأولى نزلت في الثانية (^١)، وعلى يدي خريجي مدرسة واحدة -مدرسة محمد ﷺ- بُني الأساس العلمي للبلدين، فكما أرسل عمر بن الخطاب -﵁- عددًا من الصحابة إلى البصرة لتعليم الناس أمور دينهم، أرسل عددًا آخر إلى الكوفة لنفس الغرض. كسعد بن أبي وقاص (ت (٥٥) هـ) (^٢) وعبد الله بن مسعود (ت (٣٢) هـ) (^٣)، والبراء بن عازب (ت (٧٢) هـ) (^٤) وغيرهم (^٥) ممن علموا الناس القرآن والحديث، والفقه فنبغ على أيديهم عدد كبير من أئمة التابعين، من بينهم، سعيد بن جبير (ت (٩٤) هـ) (^٦)، وإبراهيم النخعي (ت (٩٦) هـ) (^٧) وغيرهم. فكثر العلماء، في العصر الأموي، ونشط العلم الذي كانت نواته القرآن والحديث، واستنباط الأحكام الفقهية منهما (^٨)، اعتمادًا على الجانب العقلي أكثر من الجانب النقلي، حتى عُرفت بمدرسة أهل الرأي، إضافة إلى شهرتها النحوية التي نافست بها مدرسة البصرة التي سبقتها إلى ذلك بمائة عام. وفي العصر العباسي نزلت بغداد إلى الميدان العلمي فاشتد التنافس بين الأمصار الثلاثة وكثرت المناظرات، والمفاخرات بين علماء الأمصار (^٩)، مما أدى إلى نهضة علمية واسعة النطاق، فأصاب الكوفة حظ وافر من هذه النهضة على أكتاف علمائها المشتغلين في ميادين القرآن والحديث والفقه، واللغة والنحو، وغيرها.
_________________
(١) انظر: الجاحظ حياته وآثاره للحاجري ٦/ ١٣.
(٢) انظر: طبقات ابن سعد ٦/ ١٣.
(٣) انظر: المصدر السابق ٦/ ١٣.
(٤) انظر: المصدر السابق ٦/ ١٣.
(٥) . انظر: قائمة الصحابة الذين نزلوا الكوفة في المصدر السابق جـ/٦.
(٦) المصدر السابق ٦/ ٢٥٦.
(٧) المصدر السابق ٦/ ٢٧٠.
(٨) انظر: ضحى الإسلام لأحمد أمين ٢/ ١١.
(٩) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ٧٨ - ٢٨٤.
[ ٢٤ ]
فمن أعلامها في القراءات: أبو بكر بن عياش (ت (١٩٣) هـ)، وكان من المحدثين (^١). وإسحاق بن محمد المسيبي (ت (٢٠٦) هـ) (^٢)، وعنه محمد بن سعدان الضرير (ت (٢٣١) هـ) (^٣)، الذي أخذ ابن سعد القراءة عنه (^٤).
وفي التفسير: محمد بن يوسف الفريابي (ت (٢١٢) هـ) (^٥). وغيره.
وفي الحديث: وكيع بن الجراح: "ت (١٩٧) هـ) صاحب (كتاب الزهد) و(المصنف) و(التفسير) وله كتب كثيرة في الحديث (^٦). والفضل بن دكين (ت (٢١٩) هـ) صاحب كتاب (التفسير) و(الصلاة) و(التاريخ) وغيرها (^٧) وكلاهما من شيوخ ابن سعد.
وفي الفقه: الإمام أبو حنيفة النعمان (ت (١٥٠) هـ) (^٨) وأبو يوسف القاضي (ت (١٨٢) هـ) (^٩) ومحمد بن الحسن الشيباني (ت (١٨٩) هـ) (^١٠) وعلي بن الحسن بن الحسن بن زياد اللؤلؤي (٢٠٤) صاحب الكتاب (أدب القاضي) (^١١) وغيره.
_________________
(١) انظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٣٨٦. ومعرفة القراء للذهبي ١/ ١١٠.
(٢) انظر: معرفة القراء للذهبي ١/ ١٢١.
(٣) المصدر السابق ١/ ١٧٧.
(٤) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء للجزري ٢/ ١٤٢.
(٥) انظر: طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٢٩٢.
(٦) انظر: طبقات للداودي ٢/ ٣٥٧.
(٧) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٩. وتاريخ التراث لسزكين ١/ ١٤٧.
(٨) انظر: المعارف لابن قتيبة ٤٩٩.
(٩) انظر: تهذيب التهذيب ١١/ ١٢٣.
(١٠) انظر: ضحى الإسلام لأحمد أمين ٣/ ١٨٠. حيث يرسم جدولًا يرتب فيه طبقات الفقهاء من الكوفين.
(١١) انظر تاريخ التارث لسزكين ٢/ ٧٣.
[ ٢٥ ]
وفي السيرة والمغازي: إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري (ت (١٨٨) هـ) صاحب كتاب (السير في الأخبار) وكان قد قدم بغداد (^١). وسعيد بن يحي بن سعيد الأموي صاحب كتاب (المغازي) الذي سكن بغداد وتوفي بها سنة (٢٤٩ هـ) (^٢).
وفي التاريخ والنسب: لقيط المحاربي (ت (١٩٠) هـ) (^٣)، وهشام بن محمد ابن السائب الكلبي (ت (٢٠٤) أو (٢٠٦) هـ) صاحب (النسب الكبير - الجمهرة) وله كتب كثيرة في الأخبار (^٤).
أما اللغة والنحو: فقد ظهر فيهما أمثال علي بن حمزة الكسائي (ت (١٨٩) هـ) صاحب كتاب (مختصر النحو) وغيره (^٥). ويحي بن زياد الفراء (ت (٢٠٧) هـ) صاحب كتاب (معاني القرآن) و(اللغات) و(المذكر والمؤنث) وغيرها (^٦).
ويتضح مما تقدم الدور الذي لعبته الكوفة، بنشاطها المشترك مع البصرة في النهضة العلمية التي أتت أكلها في بغداد أيام الرشيد (١٧٠ - (١٩٣) هـ) والمأمون (١٩٨ - (٢١٨) هـ).