بعد أن أتم المنصور (١٣٦ - (١٥٨) هـ) بناء مدينة بغداد (^٧)، جمع إليه المترجمين، وعُني بترجمة الكتب إلى العربية (^٨) وكان عهده قد أظل عددًا من العلماء الذين لم يألوا جهدًا في الميدان العلمي والأدبي.
_________________
(١) المصدر السابق ١/ ٤٦٧.
(٢) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٥. وتقريب التهذيب ١٢٧.
(٣) انظر: تاريخ التراث ٤٣٠.
(٤) انظر: الفهرست لابن النديم ١٤٠، وتاريخ بغداد ١٤/ ٤٥.
(٥) انظر: المصدرين السابقين ٩٧ و١١/ ٤١٣.
(٦) انظر: المصدرين السابقين ٩٩ و١٤/ ٤١٩.
(٧) بدأ في بنائها سنة خمس وأربعين ومائة، وأئمة في السنة التالية (انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٦١٤، ٦٥٠، وفتوح البلدان للبلاذري ٢/ ٣٦١. تاريخ بغداد ١/ ٦٦).
(٨) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٢٦٩.
[ ٢٦ ]
فشهدت بغداد في عهد مؤسسها نشاطًا علميًا كان أساسًا للنهضة العلمية التي شهدتها فيما بعد.
ولما صارت الخلافة إلى المهدي (١٥٨ - (١٦٩) هـ) (^١) لم تفقد الحركة العلمية نشاطها، إلاَّ أن اهتمامه الأكبر كان منصرفًا إلى النواحي المعمارية (^٢)، وتتبع الزنادقة (^٣). وسار الهادي على سياسة أبيه في تتبع الزنادقة، ولم يُعمَّر في الخلافة طويلًا حتى أدركته المنيَّة بعد سنة وشهر من تولَّيه الخلافة (^٤).
ولم يتجلّ النشاط في عهده بوضوح إلى أن جاء عهد الرشيد (١٧٠ - (١٩٣) هـ) (^٥) فكثرت الفتوحات، وزادت العناية بترجمة الكتب التي عُثر عليها أثناء الحروب. كما أسس الرشيد بيت الحكمة، وزوده بالكتب المختلفة وأنشأ المدارس والمكتبات (^٦)، فبلغت بغداد درجة لم تصل إليها من قبل واحتضنت عددًا كبيرًا من العلماء في مختلف العلوم.
فمن المفسرين: هُشيم بن بشير السلمي الوسطي (ت (١٨٣) هـ) وكان محدثًا وفقهيًا، وله من الكتب (القراءات) و(المغازي) و(السنن في الفقه) (^٧).
ومن المحدثين: هُشيم بن بشير الواسطي المتقدم. وإسماعيل بن عُليَّة البصري (ت (١٩٣) هـ) المحدث الفقيه المفسر، صاحب كتاب (التفسير) و(الطهارة) و(الصلاة) و(المناسك) (^٨). وكلاهما من شيوخ ابن سعد.
_________________
(١) المصدر السابق ٢٧٠.
(٢) انظر: التاريخ الإسلامي العالم لعلي إبراهيم حسن ٣٦٢.
(٣) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٢٧١.
(٤) انظر: المعارف لابن قتيبة ٣٨٠، وتاريخ الخلفاء ٢٧٩.
(٥) انظر: المصدرين السابقين ٣٨١ - ٢٨٣.
(٦) انظر: تاريخ الإسلام السياسي لحسن إبراهيم حسن ٢/ ٣٤٦، ٣٤٨.
(٧) انظر الفهرست لابن النديم ٣١٨. وتاريخ التراث لسزكين ١/ ٦٤.
(٨) انظر: الفهرست ٣١٧ تكرار العَلَم في الحركات العلمية المختلفة يدل على مساهمته في النشاط العلمي لتلك البلد التي يذكر فيها.
[ ٢٧ ]
ومن الفقهاء: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي (ت (١٨٢) هـ) صاحب كتاب (الخراج) وغيره (^١).
ومن أصحاب السير والمغازي: الفزاري إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفي (ت (١٨٨) هـ) صاحب كتاب (السير في الأخبار) (^٢).
ومن أصحاب النحويين: سيبويه عمرو بن عثمان البصري (ت (١٨٣) هـ) (^٣)، والكسائي علي بن حمزة الكوفي (ت (١٨٩) هـ) (^٤).
فأصبحت بغداد مقصد رجال العلم، ومكتبة لمؤلفاتهم، ومركزًا تجاريًا هامًا. ولما آلت الخلافة إلى أمين بن الرشيد (١٩٣ - ١٩٨) نشبت الفتنة بينه وبين أخيه المأمون، واحتدم الصراع بينهما، إلى أن أخمدت الفتنة بقتل الأمين (^٥). وانتقل زمام الأمر إلى المأمون (١٩٨ - (٢١٨) هـ) (^٦) فعاد إلى بغداد نشاطها، وأصبحت مهد الحضارة في ذلك الوقت.
فقد اهتم المأمون بحركة الترجمة، فأرسل المترجمين إلى بلاد الروم لنقل ما فيها من العلوم إلى العربية، فأحضروا طرائف الكتب في مختلف الفنون (^٧).
كما طوّر بيت الحكمة الذي أسسه الرشيد، وقسمه إلى الأجنحة للترجمة والتأليف، والدرس والنسخ (^٨). فزخرت بغداد بجمٍّ غفير من العلماء الذين
_________________
(١) المصدر السابق ٢٨٦.
(٢) انظر: تاريخ التراث ١/ ٤٦٧.
(٣) انظر: الفهرست ٧٦. وتاريخ بغداد ١٢/ ١٩٨.
(٤) انظر المصدريين السابقين ٩٧، ١١/ ٤١٤.
(٥) انظر: التاريخ الإسلامي العام ٣٧٠ - ٣٧١.
(٦) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٣٠٦.
(٧) انظر: الفهرست لابن النديم ٣٣٩ - ٣٤٠.
(٨) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ٦١. وتاريخ الإسلام السياسي ٢/ ٣٤٨. والعصر العباسي الأول لشوقي ضيف ١١٣.
[ ٢٨ ]
ساهموا في نشر العلم، وتربية الأجيال ثقافة وأخلاقًا، حتى صار لبغداد شهرتها العلمية في مختلف الميادين.
فنبغ فيها من القراء: شيخ ابن سعد رُويم بن يزيد المقرئ البغدادي (ت (٢١١) هـ) (^١). وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم البغدادي (ت (٢٢٤) هـ) صاحب كتاب (القراءات)، و(مجاز القرآن)، و(غريب القرآن)، و(غريب الحديث)، و(الأموال)، و(الطهارة) وغيرها (^٢).
ومن المحدثين: أبو زكريا السيلحيني (ت (٢١٠) هـ) (^٣). وعفان بن مسلم البصري (ت (٢٢٠) هـ) (^٤). والفضل بن دُكين الكوفي (٢١٨ هـ، وقيل غير ذلك) (^٥). والثلاثة من شيوخ ابن سعد.
ومن الفقهاء المعلَّى بن منصور الرازي (ت (٢١١) هـ) صاحب كتاب (النوادر في الفقه) (^٦). وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، المتقدم.
ومن أصحاب المغازي والسير يحيى بن سعد الأموي الكوفي ت (١٩٤) هـ صاحب كتاب المغازي الواقدي ت (٣٠٧) هـ صاحب كتاب (المغازي) (^٧) وكان من أهل المدينة (^٨). ومعمر بن المثنىَّ البصري (ت (٢٠٩) هـ) صاحب (مجاز القرآن)، وصاحب التصانيف الكثيرة في التاريخ، وغريب الحديث وغير ذلك (^٩).
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٤٣٠.
(٢) انظر: الفهرست ١٠٦، ومعرفة القراء الكبار ١/ ١٤١.
(٣) انظر طبقات ابن سعد ٧/ ٣٤٠. وتاريخ بغداد ١٤/ ١٥٨. واسمه يحي بن إسحاق البجلي.
(٤) انظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٢٧٧.
(٥) المصدر السابق ١٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧.
(٦) انظر: تاريخ التراث لسزكين ٢/ ٧٤.
(٧) المصدر السابق ١/ ٤٦٨.
(٨) انظر: الفهرست ١٤٤. وتاريخ بغداد ٣/ ٣.
(٩) انظر: الفهرست ٧٩. وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٣.
[ ٢٩ ]
ومن المؤرخين: سهل بن هارون البصري (ت (٢١٥) هـ) (^١).
ومن النسابين: هشام بن محمد بن السائب الكلبي الكوفي (ت (٢٠٤) أو (٢٠٦) هـ) صاحب كتاب (النسب الكبير) وغيره (^٢). ومصعب بن عبد الله بن مصعب بن الزبيري (ت (٢٣٣) هـ) صاحب كتاب (النسب الكبير)، و(نسب قريش) (^٣).
ومن اللغويين: مؤرج بن عمر السدوسي البصري (ت (١٩٥) هـ) صاحب كتاب (المعاني) وغيره (^٤).
ومن النحويين: يحي بن زياد الفراء الكوفي (ت (٢٠٧) هـ) (^٥).
وإلى جانب هؤلاء العلماء، ظهر المتكلمون، وتكلم الناس في مسألة خلق القرآن، وتدخل المأمون في ذلك، وعقد المجالس للمناظرة، فتحولت مجالس المأمون إلى ندوات علمية، مما ساعد على نشاط الحياة العلمية في عصره (^٦)، رغم الآثار السيئة التي تركتها هذه الفتنة في الحياة الإسلامية.
هكذا فتحت بغداد أبوابها لاستقبال العلماء من كل حدب وصوب حتى مسرحًا واسعًا للترجمة والتأليف، ولانتشار المؤلفات المتنوعة.
_________________
(١) انظر: تاريخ التراث لسزكين ١/ ٤٣٩.
(٢) انظر: الفهرست ١٤٠. وتاريخ بغداد ١٤/ ٤٥.
(٣) انظر: الفهرست ١٦٠.
(٤) انظر: الفهرست ٧١. وتاريخ بغداد ١٣/ ٢٥٨.
(٥) تقدم ذكره في آواخر الحديث عن الحركة في الكوفة.
(٦) انظر: تاريخ التمدن الإسلامي ١٥٩. وعصر الإسلام الذهبي لعلي محمد راضي ٥٩ - ٦٣. والعصر العباسي الأول لشوقي ضيف ١٣٣. وسأتعرض لهذه المسألة أثناء الكلام عن العقيدة المؤلف، ص ٣٦.
[ ٣٠ ]
وكان عصر المأمون من أزهى عصور العلم في الدولة العباسية، حتى وصف بأنه (عصر الإسلام الذهبي) (^١).
ونهج المعتصم (٢١٨ - ٢٢٧) نهج أخيه في حمل الناس على القول بخلق القرآن تنفيذًا لوصية أخيه المأمون له بذلك عند موته (^٢). ولم تُعدم بغداد كيانها العلمي في أيامه الأولى، حتى انتقل إلى سامراء (سنة (٢٢١) هـ) بسبب الإضطربات الداخلية (^٣). ومن ثم بدأت الحركة العلمية نحو الانحدار، وبالتالي فقدت نشاطها أيام الواثق (٢٢٧ - (٢٣٢) هـ) وران عليها الركود، وعلى ذلك انتهى العصر العباسي الأول (^٤).
هذا عرض سريع للحركة العلمية الشريعة الخطا التي عايشها ابن سعد في عنفوان قوتها. وشارك في القيام بنهضتها منذ أن بدأت تخطو خطاها الواسعة المديدة.