لا شك أن المدينة المنورة هي الأم التي أنجبت تلك المراكز الإسلامية الثلاثة -البصرة، الكوفة، بغداد- بل مراكز العالم الإسلامي كله. حيث إليها هاجر النبي ﷺ وأنشأ مدرسته العظمى التي ربى فيها أصحابه رضوان الله عليهم، ومنها زحفت الجيوش الإسلامية لإعلاء كلمة الله، فهي مركز الإشعاع الذي انبثق منه نور الإسلام إلى البلدان المختلفة.
ومنها خرج ابن عباس إلى البصرة وابن مسعود إلى الكوفة، وغيرهم إلى الأمصار المختلفة لتعيلم الناس أمور دينهم. فأخذوا عنهم القراءات والتفسير والحديث، والفقه.
_________________
(١) ألّف علي محمد راضي كتابًا بهذا العنوان"عصر الإسلام الذهبي المأمون العباسي". طبع في مصر بالدار القومية للطباعة.
(٢) انظر: تاريخ الطبري ٩/ ٦٤٨.
(٣) انظر: التاريخ الإسلامي العام ٤٠٨ وما بعدها.
(٤) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٣٤٠. والتاريخ الإسلامي العام ٤١٦ - ٤١٨.
[ ٣١ ]
إلا أن من بقى فيها من الصحابة أكثر بكثير ممن خرج منها (^١). فلا غرابة إذا ما حافظت على كيانها العلمي الذي زخرت به في أيامها الأولى حتى بداية العصر العباسي (١٣٢ هـ) حيث بدأت الخلافات السياسية بين الخلفاء العراق والخارجين عليهم في المدينة. فأخذ العباسيون ينكَّلون بالمدينة وأهلها، وبالتالي أرخت الجفوة أسدالها بين الطرفين حتى بدأ النشاط العلمي في المدينة يخبو قليلًا، بسبب إهمال الخلفاء لها، وتكريس جهودهم للنهوض ببغداد عاصمة الخلافة. ومع هذا كله فقد كان لوجود الأعداد الهائلة من التابعين ومن بعدهم في المدينة أكبر الأثر في الحفاظ على هذه الثقافة التي تناقلوها عن آبائهم آنذاك.
كما كانت فريضة الحج الدائمة سببًا هامًا في اتصالهم بعلماء الأمصار لتبادل العلوم فيما بينهم. فكانت الثقافة في المدينة ترتكز على الحديث وما يبني عليه من فقه، وما يتصل بذلك من أخبار وسير (^٢)، بالإضافة إلى تعليم القرآن وغيره.
وقد اشتهر من القراء: أبو جعفر القارئ يزيد بن القعقاع (ت (١٣٢) هـ) (^٣). وأبو رُويم نافع بن عبد الرحمن (ت (١٦٩) هـ)، أحد أصحاب القراءات السبع الصحيحة (^٤). وقالون عيسى بن مينا (ت (٢٢٠) هـ) (^٥) وغيرهم.
واشتهر من المفسرين: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت (١٨٢) هـ)، صاحب كتاب (الناسخ والمنسوخ) و(التفسير) (^٦).
_________________
(١) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ١٥١. وذكر أن ألفي صحابي تفرقوا في الأمصار، وعشرة آلاف ماتوا في المدينة.
(٢) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ٧٥.
(٣) انظر ترجمته رقم ٦٠.
(٤) انظر: ترجمته رقم ٣٨٢. ومعرفة القراء الكبار ١/ ٨٩.
(٥) انظر: معرفة القراء الكبار ١/ ١٢٨.
(٦) انظر: الفهرست ٥٧. وطبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٦٥.
[ ٣٢ ]
ومن المحدثين: الزهري (ت (١٢٤) هـ) (^١). ويحي بن سعيد الأنصاري (ت (١٤٤) هـ) (^٢). ومالك ابن أنس (ت (١٧٩) هـ)، صاحب (الموطأ) (^٣). وشيخا ابن سعد: يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري (ت (٢٠٨) هـ) (^٤)، وله نسخة في الحديث تُعرف بـ (نسخة إبراهيم) (^٥) ومعن بن عيسى القزاز (ت (١٩٨) هـ) (^٦).
وأما الفقه، فكانت مدرسته تعتمد على الحديث (^٧)، بخلاف ما كانت عليه العراق وعلى وجه الخصوص الكوفة، مدرسة أهل الرأي (^٨). ولهذا كان إذا تجادل الحجازيون والعراقيون في هذا الباب كان الحجازيون أقوى وأقهر (^٩). فكان في المدينة من الفقهاء: السبعة المشهورون، ومن جاء بعدهم أمثال الزهري، ويحي الأنصاري، ومالك بن أنس (^١٠)، ويحي بن يحي الليثي (ت (٢٣٤) هـ) (^١١).
وكان ممن اهتم بالسيرة ومغازي الرسول ﷺ، ومحمد بن إسحاق (ت (١٥٠) هـ)، صاحب (السيرة) (^١٢). والواقدي (ت (٢٠٧) هـ)، صاحب
_________________
(١) انظر تراجمهم على الترتيب ٧٠ - ٢٤٤ - ٣٧٢.
(٢) انظر تراجمهم على الترتيب ٧٠ - ٢٤٤ - ٣٧٢.
(٣) انظر تراجمهم على الترتيب ٧٠ - ٢٤٤ - ٣٧٢.
(٤) انظر تاريخ بغداد ١٤/ ٢٦٩.
(٥) انظر: تاريخ التراث لسزكين ١/ ١٣٨.
(٦) انظر: تقريب التهذيب ٣٤٤.
(٧) انظر: التراجم ١٦ - ٧٢ - ٧٧ - ١١٣.
(٨) انظر: تاريخ الإسلام السياسي ١/ ٣٣١.
(٩) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ١٥٢.
(١٠) ستأتي تراجم الثلاثة رقم ٧٠ - ٢٤٤ - ٣٧٢ على الترتيب.
(١١) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ٢٠٨. حيث يرسم جدولًا "لطبقات الفقهاء" والفقهاء السبعة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عروة بن الزبير، والقاسم بن أبي بكر، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله.
(١٢) انظر: ترجمته رقم ٣٣٠. والفهرست لابن النديم ١٣٦.
[ ٣٣ ]
كتاب (المغازي)، وهو شيخ ابن سعد (^١).
هذه نماذج من التابعين، ومن بعدهم، ممن احتضنتهم المدينة ونهضت بهم، لتزويد الأمصار المختلفة، العلوم الإسلامية المتنوعة التي زخرت بها من مدرستها الأولى.
والمجلد الخامس بما فيه هذا القسم من طبقات ابن سعد -تُرجم فيه لسبعة وثمانين وثمانمائة رجل من أهل العلم- يعكس نشاط الحركة العلمية التي عايشتها المدينة، ومدى تأثيرها على الأقطار الأخرى إلى نهاية العصر العباسي الأول تقريبًا.